كن أنت التغيير.. و الابتذال المعرفي

ADHD-brain-ideas

لو يوجد منك عشرة في العالم! فكِّر فيها، هل ستحب لو أنه يوجد منك عشرة في العالم؟ حسناً؛ لو يوجد عشرة منك في البيت؟ تصوَر؛ أنت و تسعة مثلك تماماً في مكان واحد طوال الوقت و لكل العمر! هل ستتحمل البقاء معهم.. مع نفسك؟ ثم تخيل الآن لو أن كل العالم هو أنت مكرر ملايين.. مليارات.. كلهم “أنت”؛ فهل هو نوع العالم الذي سيسعدك العيش فيه؟!

مهما كان جوابك و مهما كان رد فعلك الداخلي الذي استشعرت، ارجع و صغره على حجمك، و جرب من اليوم تتعامل مع ذاتك و كأنك العالم و كن على ما تتمنى لو يكون جميع الناس في “عالمك” عليه. أن تبدأ بنفسك من نفسك و لنفسك.. أو كما يُقال: كن أنت التغيير…انتهى.

 

إذا كان هناك من يخبرك كلما ذكرت موقفاً حصل معك أو حدثاً ظهر في حياتك أو شخصاً تواجه تعقيدات بالتعامل معه بأن ذلك ليس إلا “انعكاسك” ثم يحاول إقناعك بأن هذا الخارج هو الصورة المطابقة تماماً لما يجري بداخلك، فتعلَّم أنت معنى “الانعكاس” و طبقاته لأنه في الوقت الحالي ستجد الكثير من الذين عرفوا هذه المعلومة الواحدة بشكل ناقص و اعتقدوا بأنهم قد اكتشفوا كل أسرار الكون و سيكون ردهم على كل شيء تقوله بكلمة واحدة: “انعكاسك”! قد تتشكك كذلك بنفسك و أنت ترى أحدهم يشخص حالك بتلك الثقة و تظن حقاً بأنك لا تعرف نفسك جيداً و تصدق الصورة التي يتم تقديمها لك عن نفسك!

ليس كل ما سيجري معك هو انعكاس لك، و لكنه حتماً انعكاس، انعكاس قد يكون لأي مُكوِّن موجود في عالمك و ليس بالضرورة أنه “أنت”، هذا نوع واحد من الانعكاسات؛ أن تلاحظ في غيرك ما أنت عليه و تجذب إلى عالمك ما يشبهك، و لكنه ليس كل شيء. أحياناً ترى من الآخرين ما تظنه فيهم، يظهر لك ما قمت بالحكم عليهم به حتى لو لم يلمسه فيهم أحد سواك.

هناك أيضاً حين تشعر بالحرمان من أمر معين أو في حال احتياج لشيء يتعلق بأي جانب من جوانب حياتك، ربما جهة معينة افترضت أن تتلقى منها حباً لم تحصل عليه بما يوافق توقعاتك فتراه عند كل أحد إلا عندك. كذلك سيبقى ظل علاقات الوالدين و قناعاتهم يؤثر عليك إلى أن تتحرر من كل برمجياتك الموروثة منهم.

عندك نزعات تم تهذيبها بالتربية أو بالعرف و القانون، أفكار و مشاعر تمتنع عن الاسترسال بها بمجاهدة النفس، سلوكيات أقلعت عنها و تحس بالندم و العار حيالها، ربما لديك مخلفات في اللاشعور لا تنتبه لها أو لم تعد تتذكرها، هذا كله يُحتسب.

فكر كذلك في الصورة التي ترى نفسك عليها، شعورك بالنقص في جانب قد يجعلك تراقب كل من يمتلكه، خصلة معينة تنكرها على كل أحد و هي فيك و لكنك تخفيها أو تنفيها أو تظن انها ليست فيك، أو تبذل جهداً حتى لا تكون فيك…

النقطة هنا هي ألا تكون بحاجة لمن يخبرك عن نفسك و كأنه أدرى منك بها و تحديداً من ذلك الصنف الذي عرف معلومتين و من شدة زهوه بها يخرجها ليستخدمها في كل مناسبة حتى لو كانت في غير سياقها.

 

هل رتبت اليوم سريرك؟

happy bed happy day

ما تفعله فور استيقاظك من النوم؛ سيحدد الاتجاه الذي ستسير إليه بقية أمورك معظم اليوم، و ما تكون عليه كل يوم؛ هو مؤشر لما ستكون عليه بقية حياتك. النتائج التي تعيشها في واقعك هي التجسد الحي لتوجهاتك الذهنية.

كل واحد من سلوكياتك هو انعكاس لقيمة تحملها بداخلك، أو تهملها. فهل قمت بترتيب فراشك اليوم حال نهوضك منه؟ هل قمت بترتيب يومك؟ هل قمت بترتيب حياتك؟!

عملية الترتيب ببساطة هي إزالة الفوضى، و ما الفوضى إلا اختلال أو انعدام وجود “نظام”؛ الفوضى قد تكون بَعثَرة أو تراكُم، إذن كل المطلوب هو وضع “نظام” و الالتزام عليه لا أكثر.

التنظيف هو الجزء التالي من عملية الترتيب؛ التخلص من النفايات (كل ما لا قيمة له)، التوافه التي يتسبب تكدسها في مساحتك باستنزاف جهدك و هدر أوقاتك و تبديد مواردك، قد تكون مقتنيات أو عادات أو حتى أشخاص.

ثم و بمجرد معالجة مسألة اكتظاظ يومك بكل التفاصيل التي لا ينتج عنها إلا تأخير أو إبطاء أو إعاقة تحركك.. بتسوية المُرتفعات و ردم المُنخَفَضات؛ ستعرف معنى “السريان”.

حين تعمل على فَلتَرة عالمك من أي شيء يمنع استرسال تركيزك على شأن من شؤونك، أو يسد سبيل إنجازك له، أو يقطع طريق وصولك إليه، فأنت تختار مسار حياتك بأكمله.

هذه حياتك؛ تخلص من كل ما (مَن) لا يعمل معك و لا يطورك وجوده و لا يخدم نموك، و دع الحياة ترى استعدادك لاستقبال الأجود و الانتقال للجانب الأكثر اتساعاً من واقعك الحالي.

يكفي هذا كبداية، فقط تخلَّص من كل ما لا تريد (لا يعجبك أو لا يصلح لك)، ستتمكن من تصميم بيئة محايدة، ستستمر بالتدرج في تقدمك إلى أن تجد نفسك و قد أصبحت على ما أردت.

 

*الاستعداد = حاجة + رغبة + إرادة 〰 (يريد ما يحتاج)

*الإهمال= حاجة + رغبة + انعدام الإرادة 〰 (يحتاج ما لا يريد)

*الاستنزاف = انعدام  الحاجة + رغبة + إرادة 〰 (يريد ما لا يحتاج)

 

طريقتك في عيش شيء هي طريقتك في عيش كل شيء، و أنا أرى حال الأماكن انعكاس لحال قاطنيها، فالجسد يمرض حين تسكنه الروح معطوبة، و البيت يتصدع حين ينغلق على حيوات بالية، و الشوارع تطفح بالعفن حين تنطوي دُورها على أذهانٍ خَرِبة.

طريقتك بفعل شيء هي طريقتك بفعل كل شيء، و أنا لا أضع السكر في قهوتي (و لا الشاي)، بينما أنتقي من لذائذ الحلو ما هو من منتوج الطبيعة، هكذا أرتشف الدنيا مثلما هي عليه، و أستقبل منها ما تجلبه من الفرح بعفوية. وكذلك هي حياتي اختصرت منها الكثير مما يراه العديد من الناس أساسيات مقابل “المُكمَّلات” التي أغذي بها روحي و ذهني.

طريقتك بالتعامل مع شيء هي طريقتك بالتعامل مع كل شيء، و أنا لا أستبدل أشيائي القديمة بجديدةٍ إلا إذا عطلت أو اختلت وظائفها، مهما زادت عليها النسخ الأحدث، لا أتخلص من قديمي دون سبب قوي، أتمسك بناسي مهما تتابعت زلَّاتهم، إلاَّ أن يأخذ أحدهم إيماني به باستخفاف؛ أي محاولة لاستغفالي تعني النهاية بالنسبة لي، و متى ما فقد امرئ ثقتي به، فلن يستعيدها أبداً حتى لو مات و بُعث من جديد.

 

الجاهل يدَّعي العلم و العارف يدري بأنه لا يعرف

 

Globe light bulb character in aha moment

التعلم عن الأشياء يخدمنا، و لكن المعرفة الصافية لا تصلك إلا و أنت “مستعد” لها. ما لا يمكنك فهمه فهو ليس لك، ما لا تدرك معناه فهو ليس لك، ما لا تعي جوهره فهو ليس لك، إذا لم يكن للكلام معنى (عندك) فهو ليس لك؛ ربما ليس “الآن”، و كل ما هو لك سيأتيك في وقته، حين يكون مناسباً لك، و كل ما هو لك ستتعرف عليه بنفسك. مُعلِّم حقيقي لن يُفسد تجربتك المعرفية؛ سيتركك تسلك أي اتجاه يقودك إليه حدسك، سيُغذِّي فضولك و لكنه لن يقوم بإشباعه لك، سيقول دون أن يمرر لك فهمه الخاص؛ ففهمه له و فهمك لك و فهم كل أحد هو له وحده. ما يراه كل أحد من جانبه ليس المعنى الحقيقي للأشياء، بل هي معانينا و نحن ننتقي من المعرفة ما يأتي على مقاسها. معطياتك الشخصية في استقبال المفاهيم تتدخل في كل العمليات الذهنية التي تجريها، و هكذا يختلف الفهم باختلاف التجربة. لا تحتاج أن تفهم بالقوة ما لم يمكنك فهمه ببساطة؛ اتركه لوقته و سيرجع لك متى ما كنت جاهزاً لاستقباله.

“العلم” ليس هو “المعرفة”؛ كلنا نتعلم و العلم يقوينا و لكن هناك نوعٌ من المعرفة لا يمكنك استيعابه إلا حين يوافق مرحلتك، و هذا أحد الأسباب التي تجعل البعض يجادل في صده لأي معرفة قادمة من خارج المساحة المألوفة لديه، و حيث يمكنه تجاهلها بدلاً من الإصرار على تصغير حجم كل معرفة حتى تبقى على مقاس معرفته الخاصة؛ يتفرغ لملاحقة المتخصصين بها ليطالبهم بإعادة صياغتها على صورة تُوافِق اللغة التي يُفكِر بها، كما يمكنه أن يقبل التفسيرات التي تتطابق مع فهمه المسبق لأمور أخرى لو استطعت أن تراوغ تحيزه و ترسم روابطاً تُظهر العلاقات التي تجمع بين ما تعرفه و يعرفه. و بالنهاية ليس عمل أحدٍ أن يقنع أحد، و لا أن يشرح له و لا حتى يُعلِّمه، المهتم بالمعرفة لهذا الحد سينهض و يسعى لها بنفسه، الباحث الشغوف عن المعرفة يجيد اكتشاف سبلها و يتحرك نحوها؛ الباحث.. يبحث، منهجية البحث و التي هي أقل من “معرفة” و أكثر من “علم”؛ هي جوهر كل عملية “التعلُّم”.

الإنسان الكسول يخاف من المعرفة لأنها تأتي بالمسئولية، و هناك أكداس من المخلفات التي هو متعلق بها و يخشى فقدانها. أن ترتقي المعرفة لمستوى “الفعل”.. أن “يكون” المرء ما “يعرف”؛ فكرة مرعبة لمن اعتاد التمسك بزوايا الأمان، الذي يحرص على ألا يكون مرئياً و لا مسموعاً و لا مُلاحَظاً، بتجنب فعل أي شيء! إذ أن المتسكعون على الهوامش لا يتم استهدافهم بالرمي من قِبَل مُهاجِمٍ مُحتَملٍ قد يظهر من بين الذين سيجهرون بمخالفتهم، و لا تعترض سبيلهم الحواجز لأنهم أصلاً ملتزمين بالسير خارج مضمار الحياة، مُكتَفِين باللهو على قارعة الطريق مُتَخفِّين بين الظلال. و خَطُ النورِ كاشفٌ و يجعلك معرضاً للخطر؛ فلتلتمس السلامة إذن بالاستمرار بالتحديق فيما بين قدميك، لا ترفع بصرك، صوتك يكفي، و حين يعلو صوت الجهل فَتِّش دائماً عن الخوف.. فأصل كل جهلٍ هو خوفٌ من المعرفة.

“ما فاتك لم تكن لتدركه، و ما أدركته لم يكن ليفوتك، أنت تدرك مرحلة استعدادك.” *الدكتور صلاح الراشد

 

New Start.. Again

cute-cartoon-south-korea_00153988

تخصصي الجامعي تربوي، و قد اتجهت عند التخرج لتأدية دوري الوظيفي كمعلمة لغة انجليزية، و كان أول ما شعرت به هو كم أن النظام التعليمي محدود؛ المقرر يقيد انطلاقتي، الحصة لها وقت لا يحتمل محاولات الإبداع التي حين كنت ألجأ لها فإن الحوادث تقع! يدركني الجرس قبل الانتهاء من الدرس، أفقد السيطرة على الطالبات اللواتي يبالغن بإظهار سرورهن بالوسائل المسلية في تقديم الدروس، ثم تنبهني مديرة المدرسة إلى أنها لا تريد أن تسمع إلا صوتي و هو يشرح القواعد دون الخروج عن النص، و تنفذ عقوباتها على الصف بتهمة التسبب بالضجيج… ما الذي حصل؟! عشقي للتعليم هو جزء من عشقي للتعلم، هو من أول أحلام طفولتي، الشيء الذي أردت فعله حين أكبر. و لكنني فكرت حينها بأنني قد أكون أخطأت و بأن التعليم ربما ليس العمل الذي سأبرع به، و المدارس بجمود سياساتها التي تقتل التميز ليست مكاني. في ذلك الحين كانت مزاجيتي تتغلب على حكمتي؛ زهدت فيما بقيت أُعد نفسي له طوال سنواتي المدرسية، فتخليت عن مهنة التدريس لأنها بدت لي باهتة جداً حين اقتربت منها لذلك الحد، ما همني الضمان المالي و لا المكانة الاجتماعية.

بعد ذلك عملت في مجال خدمات مالية لم يكن لدي فيه أي خبرة و لكنني بدأت فيه بحماسة عالية، و خلال سنوات عملي السبع تعلمت كل ما لزمني تعلمه، و اكتسبت قدراً جيداً من المهارات بالممارسة ما كان ليُتاح لي تعلمها لو كنت اخترت ملازمة الدور الذي كان متوقعاً مني بالتماشي مع مؤهلي الأكاديمي. و أثناء سنوات “الوظيفة” ظهر التدريب كجزء أساسي من مهام عملي و جعلني أتنبه إلى أن دور “المعلم” ليس مخصصاً للتدريس في المدارس و لكنه أقرب لصفة تأتي من اجتماع حزمة من الخصال الخاصة في شخصيتك، تنقصها حزمة أخرى من المهارات لتصقلها، و تلك المهارات هي تماماً ما اتفق حصولي عليه في مسيرة مهنية قصيرة تعاملت معها منذ البدء على أنها “مرحلة” تعلُّم إضافية وافَقَت حاجتي لمعرفة كل ما لم يتم تعليمنا إياه في المدارس و الجامعات، و كانت فرصة حقيقية للتعلم بالتجربة و الخطأ و ليس بمجرد التلقين و المحاكاة.

و اليوم أتساءل: ماذا لو كنت قد ركنت إلى ما كنت فيه و جبنت عن مغادرة الخط الآمن الذي توفر لي في ذلك الوقت إلى ما هو غامض تماماً بالنسبة لي؟ أقول ربما كنت لأنمو على الدرجة نفسها و لكن بطرق مختلفة، أو ربما كنت تحجرت على ضيق أفقي الذي كان و ما تقدمت بعده خطوة واحدة، و لكن الذي أراه اليوم بوضوح من مكاني هذا، أنني لو لم أتجرأ على التغيير (و إن بدا مجهول العواقب) لما تغيرت، صحيح أنني سلكت الطريق الأطول و لكنه كان الوحيد الذي عثرت عليه. عرفت الآن أنه كان أجدر بي أن أبدأ بتغيير نفسي قبل كل شيء، فلا يوجد أي خطب في المقررات و الحصص و لا الطالبات و لا المديرة؛ هي فقط نفس الإنسان حين تضيق فإنه يضيق بكل ما هو حوله. التغيير الحقيقي يبدأ من الذات و استهداف الخارج حتماً سوف يغيرنا بالنتيجة، و لكنه يعقد العملية و يستغرق وقتاً أطول. فقط لو كان قد أخبرني أحد في ذلك الوقت بأني حين أتغير ستتغير كل التفاصيل في عيني! إلا أن أفضل ما حصل لي هو أني تبعت صوت حدسي حين شعرت بأن ثمة ضرورة للتغيير، غيرت العمل و المكان و الناس فتغيَرَت نفسي ثم اكتشفت كيف أني بدأت رحلة التغيير من غير مكانها؛ لا بأس، فبالنهاية قد وصلت.

منذ سنتين، قمت بمغادرة عملي النهاري الذي انتظمت فيه لسبع سنوات (هل هي عشرون ألف ساعة من عمري؟ أكثر أو أقل؟ من يدري!)، و ثلاثة ترفيعات انتهت على مسمى وافق تطلعاتي و لبيت متطلباته و كنت موعودة بالمزيد، استمتعت بكل امتيازات الحياة العملية، و أحببت الرعاية التي أحاطني الزملاء بها، و التقدير الذي خصتني الإدارة به، دخل ممتاز و بيئة عمل مريحة، هامش سلطة واسع و أنظمة مرنة، كنت أفعل كل الأشياء الأخرى التي أريد بلا أية قيود، أنشطة إضافية تتخلل ساعات العمل، و هناك عملي الصحفي في الأمسيات… بدأت أستثقل التفاصيل الآلية و أشعر بعبثية بعض المتطلبات الإدارية، و كل إشادة بتقدم أدائي اعتبرتها إشارة تطلب مني الرحيل، إذ أن كل إضافة ابتدعتها و كل إجراء بادرت به و كل نموذج صممته بدا صارخاً وسط ركام من الأعمال العادية، و في كل مرة نفذت بها مهمة عجز الجميع عن توليها شعرت بأن المكان يضيق علي أكثر فأكثر. ما الذي حصل الآن أيضاً؟! انتهيت من تلك المرحلة؛ استنفَذَت وقتها و كانت مثمرة، لم يعد لدي ما أود إثباته لأحد، حققت إنجازات أشبعت بها اعتدادي بنفسي، أعطيت و أخذت على التساوي. كل ما هنالك أن سنوات العمل هي نوع من التدريب و من الطبيعي أن ينتهي دورها بعد إجادة ما لزم تعلمه منها.

في أيامي الأخيرة في مكتبي الواسع الجميل الذي تغمر الشمس كل زواياه و تتدلى من جوانبه ستائر “نيروزية” متشكلة من نباتاتي التي نمت معي خلال تلك السنين حتى بات من المستحيل إزالتها من الجدران التي غطَّتها بكثافة (كان لا بد من تركها خلفي، و قد فعلْت)، وقفت كل صباح أراقب سكون السماء و ذهب الشمس من نافذتي العالية، أستقيم برأسي فتواجهني أسطح المباني و الأبراج، أخفض رأسي فأشاهد الحركة المجنونة في الشوارع، مركبات تذهب و تجئ دون توقف، مشاة يهرولون، حوادث اصطدام غبية تنم عن غفلة، عمال يتشاجرون مع كفلاء، هكذا كل يوم أرفع بصري لتخبرني الغيوم: “لا تنظر للسحاب حتى تسحب قدميك من الطين المبلل”.. اكتفيت، قلت إذا لم أرحل فسوف أقفز من بين إطار هذه اللوحة التي جمعت عذوبة المنظر في الأعلى مع التنافسية المحمومة التي تجري في الأسفل، و لا أحد يرفع رأسه ليرى، لا ما فوقهم و لا حتى الذين بجوارهم. حسناً، فلأعتبر هذه القفزة رمزاً لتلك. اتخاذ القرار يحتاج وعي و لكن لتنفيذه لا بد أن تكون فاقد الوعي، تشعر بكل المخاوف قبل لحظة القفز من الهاوية و تبقى متشككاً حول وجود المحيط الواسع الذي سيستقبلك في الأسفل ليخفف من وقع الصدمة، ستغوص لوهلة بسبب قوة ارتطامك بالماء، ستظن بأنك غرقت، بمجهود بسيط ستجعل نفسك تطفو، تبتلع أنفاسك بشهقات متتالية، ستعود لوعيك، ثم ستقرر أن تسبح نحو وجهتك، المرفأ القريب الذي كنت قد استهدفته بنظرك قبل أن تقفز، الشاطئ الذي ستستأنف رحلتك بالإبحار منه.

و الآن هذا الطور من رحلتي قد اكتمل و كذلك رؤيتي قد توسعت، و طابع المرحلة القادمة مستمد من استهدافي دمج تجربتي الحالية مع كل مُحصِّلات المراحل السابقة في نظام متوازن. الشغف المعرفي الذي انتقل معي من فترات عمري الأولى، المهارات العملية التي اكتسبتها في المراحل التي تلتها، و الرؤية الروحية التي كرست لها السنوات الأخيرة، بلا توقعات و لا تطلعات، أدري بأنني على وشك ولوج دورة من التحولات الهائلة، و كل تلك المراحل لم تكن إلا جزءاً من الاستعداد لهذه التحولات.

و لو أمكنني أن أختصر كل مراحل تطوري الذاتي في ثلاثة نصوص رافقتني مثل نقشٍ محفور في وعيي منذ طفولتي، كتبتها في كل مكان سُمِح فيه بالخربشة على الجدران، و في كل انتقالاتي علقتها في أماكن نومي أينما أقمت. حيث كلٌ منها لامس في أعماقي ما وافق ذلك التوق المبهم الذي كان أكبر من فهمي و أنا في سنواتي الأولى على هذه الأرض، إلا أنها حين اجتمعت لدي من قراءاتي المبكرة شكَّلت ما بدا لي دليلاً استرشدت به دوماً كخط عريض توجب علي أن أرجع للسير عليه كلما أخرجني عنه شرود انتباهي:

  • شعار المتعلِّم الصغير فيَّ الذي يدفعه شعورٌ مُلِّح مستمر بأنه يحتاج معرفة المزيد و لا يمكنه التوقف عن البحث، مُتَّبِعاً توجيهات الحدس دوماً:

ألا لن تنالَ العلمَ إلا بستةٍ

 سأُنبيك عن مجموعِها ببيان

ذكاءٌ و حرصٌ و اصطبارٌ و بُلغة

و إرشادُ أستاذٍ وطولِ زمان

  • شعار العامل المُتَفَانِي فيَّ الذي اختار الكلمات لتكون صنعته، و أداته التي كرَّسها ليُمتِع و يُلهِم و يشافي و يُسعِد و يُعلِّم، مُستنبِطاً من الحكمة سر عزلته:

لقاءُ الناسِ ليسَ يُفيدُ شيئاً

سوى الهذيانِ من قيلٍ و قال

فأقْلِل من لقاءِ الناسِ إلا

لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حال

  • شعار المعلم الصبور فيَّ الذي عمله هو الناس، و مساعدتهم هي شغفه، و خدمتهم هي مهمة حياته، و بِحُبٍ يوقظ إمكانياتهم و يُخرِج أجمل ما فيهم:

“كُن للناسِ في الحلمِ كالأرضِ تحتهمُ، و في السخاءِ كالماءِ الجاري، و في الرحمةِ كالشمسِ و القمرِ؛ فإنهما يطلعان على البَرِّ و الفاجرِ.”

و نعم ما زلت أتغير، ففي التغير نمو و حياة.

 

الخيال هو ذاكرة، و المعرفة ذاكرة مُستعارة

little miss oversahre

لدي حكاية تود أن تُقال، و هي عني؛ حاولت تجاهلها لمخالفتها إحدى النقاط كنت قد أضفتها مؤخراً إلى لائحة تعاليمي البدائية الخاصة بالتحقق من صلاحية النص للمشاركة: “لا تكثري من الحديث عن نفسك لغير ضرورة”، و هكذا استمريت بمماطلتها حتى بدا لي أمر التملص منها مستحيلاً. قبل كل شيء، هذا مكاني الذي أكتب فيه، لم أتطفل على صفحات الآخرين لأقيم فيها استعراضاتي، إنني أدفع مالاً لأمتلك مساحتي هذه، و لي أن أستخدمها بالشكل الذي يروق لي (و يروق لكم كذلك). ثم أن “الانفتاح بالتعبير عن الذات” موجود ضمن قائمة التزاماتي المئة، و هو مكتوب مع “المزيد من الشجاعة” في البند نفسه؛ مما يعني أن علَي تجاوز خوفي من أن أتحول إلى واحدة منهم. لا أعرف أين يقع الخط الفاصل ما بين الحديث اللائق عن الذات و الإفراط  فيه حد الثرثرة، و لكن الأمر هو أن لدي حكاية تريد الخروج، و ترى بأن لا أحد سيحكها غيري؛ إذ أن كل منا عنده حياة، و حياة كل منا قصة، و تلك القصة مليئة بالحكايات الصغيرة، و لكل حكاية أن تُروى متى ما عَثَرَت على الكلمات التي تصلح لجلب معانيها إلى الوجود. للبعض ستكون الحكاية درساً، و للبعض رسالة، و للغالبية لن تكون أكثر من هراء محكي بطريقة جيدة! لا يهم؛ فذاكرة خيالي هي الجزء مني الخارج عن سيطرتي.

“أنا” أتذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى “هنا”، و أتذكر دهشتي حين وجدْتَني في هذا الجسد في ذلك المكان مع أولئك الناس، و أتذكر كيف استغرقت وقتي بالتجول في “البيت” دون أن أمتلك الجرأة للمس كل تلك الأشياء المألوفة لي، غير أنني و للمرة الأولى أراها من خلال هذه العيون، وسيلة رؤيتي الجديدة التي تجمَدَت على اتساع التحديق و رسمت ملامح الدهشة على وجه كل طفولتي. و مهما اعتصرُت ذاكرتي عجزت عن تذكر أين كنت قبل مجيئي، و أتذكر تماماً أين كانت “هي” قبل أن أكونها، و لكن عندما أخبرت والدتي عن مشاهد أحداث كنت جزءاً منها أثناء طفولتي، أو كانت تلك الرضيعة التي سبقتني بالمجيء جزءاً منها، قالت بذهول بأنه من غير الممكن لمولود العام و نصف أن تكون ذاكرته قد بدأت بالعمل بعد، فاخترت التوقف عند ذلك الحد و لم أخبرها بأنني شاهدت كل شيء من “الأعلى”؛ كنت أراني في المشهد و أنا خارجه، و كأنني أطفو بينما أراقب “أنا” الثانية (أو الأولى)! و استمرت تلك الفجوة الفاصلة ما بين الذاكرة التي احتفظت بها من مراقبتي “نفسي” و أنا خارجي و بين الذاكرة التي بدأَت معي يوم استيقاظي و أنا بداخلي. ربما كل الأمر لم يقع إلا بمخيلتي النشطة أكثر من اللازم، ربما يمكن لأحدنا أن يعيش في الخيال حتى لا يبقى في ذاكرته مساحة للواقع.

بقيت منذ صغري على حال المراقبة، ما كنت أميل للعب و لا لمرافقة الناس، أحببت الاختفاء بالزوايا المظلمة لساعات أراقب فيها ما يدور من حولي، لا أحد يبحث عني أو يفتقد حضوري الصامت، أتواصل مع كل الأشياء الساكنة، الجمادات التي تشبهني، حتى الجدران أعطيها تفاصيل شخصية ثم أتعرف عليها. في “خيالي” خَلَقْت حياة موازية لحياة الخارج، و من العيش في خيالي تشكلت كل ذكرياتي، أنسى ما كان يجري في الخارج و لكنني لا أنسى ما كان يدور بداخلي، و لأتذكر حدثاً وقع في حياتي علَيَّ أن أستعيد المرحلة التي كنت قد بلَغتُها بتخيلاتي. و قد تطور ميلي إلى المراقبة إلى شغفي بقراءة الناس، و أسعد أوقاتي تكون في الانتظارات و التنقلات، حيث في المحطات تبدو و كأنك الثابت الوحيد، و الناس تذهب و تجيء؛ تصير أنت المحور و العالم يدور من حولك. ترى “اللحظة” في كل مشهد، و ترى من خلفها تاريخاً من اللحظات التي صنعَتْها، تشاهد العلاقات و الروابط و الفراغات التي تملأها بخيالك، تفكك الأجزاء و توصل النقاط المتقطعة بخطوط متعرجة حتى ترسم “الكل”، تعيد تشكيل الملامح العابسة بابتسامة منك، و بتلويح إحدى يديك تزيل يَبُوسَ الأكف التي أبلاها الشقاء، و تدس في حقائب الصغار أمنيات سعيدة سيقومون بتمريرها لصغار غيرهم حين تُزهر معهم و هم يكبرون.

طريقتي بالتفكير بواسطة شرائح صور أراها في خيالي (أو ذاكرتي) هي الوحيدة التي أعرفها، و لذا يتعبني الكلام، لا مشكلة لدي بالإصغاء لأنني أرى الكلمات أكثر مما أسمعها، حسناً؛ ربما أذهب إلى أماكن بعيدة بينما أبدو لك مستغرقة بالإنصات لما تقول، و لكن لا بأس، سيكون ما يجري في رأسي متعلق حتماً بما تخبرني به، إلا أنني أرى فهمي له و هو يتجسد بمشاهد و أصوات و كائنات متحركة! و لكن لترهقني دعني أتكلم، سترى كيف أبدو و كأنني أتلو الكلمات من على شاشة عرض، و لذا لا أتصور أي بديل كان ليحافظ على سلامتي الذهنية غير الكتابة. و لكني أكتب حتى حين لا أكتب، أقوم بتكوين النصوص في رأسي و هذا يجعلني أكسل من أن أدونها على الورق أو أية وسيلة حفظ أخرى، لأن التفكير في صياغة الجمل و معالجة سلامتها النحوية و كل تلك الشكوك الإملائية يقطع استرسالها العفوي، و قد تهرب من بين يديك أجمل الحكايات إذا أنصرف اهتمامك عنها، أما إذا توجهت لها بكل انتباهك حين تناديك، فسوف تعود مجدداً و تسمح لك أن تعيد روايتها بصيغتها المكتوبة مقابل أنك أحسنت استقبالها أول مرة. دع خيالك و شأنه حين ينزلق إلى الدخول في القصص من وراء الأشياء حين تراها، لو اعترضْته بالتفكير فسوف تقوم بإفساد كل العملية، الخيال تقتله المعرفة المزيفة.

عندي ابن خال مختلف.. أدري كلنا مختلفون؛ و ميزته بامتلاكه “كروموسوم” حَكم عليه “الطب” بأنه “زائد”، إلا أن زيادته تظهر على صورة حب أكثر و صدق أكثر و طفل لا يكبر. قبل أن يتم إرغامه على التشبه بالكبار؛ ذلك النوع من الكبار الذين لا يرون في لعب الراشدين سلوكاً لائقاً، كانت لديه حقيبة عجيبة يجمع فيها أشياء غريبة، مثل دمية بلا أطراف، عجلة مطاطية بلا سيارة، مصباح لعبة لا يعمل… و كنا نُشبِه حقائبنا المدرسية بحقيبته حين نعثر فيها على غرض تالف غير صالح لأي استخدام؛ حيث من المعتاد أن اقتناؤنا للأشياء يكون من أجل ما تفعله لنا و ليس لذاتها، و تعطُل الشيء عن أداء وظيفته يعني التخلص منه. أنا لا أمتلك من ذلك الكروموسوم (الزائد) الذي يترك الإنسان طفلاً إلى الأبد، و لكني أعرف معنى أن تُحَب الأشياء لذاتها و ليس لما تعمله. تناديني أمي باسم ابن خالي الطفل الذي لا يكبر حين تضبطني و أنا أحتفظ بقطعة من جهاز تالف لأني أجدها جميلة كما هي حتى إن كانت بلا “فائدة”. أحياناً يأخذني العطف على لعبة مشوهة إلى أن أشتريها حين أفكر كيف سوف لن يختارها أحد و ستحزن و قد يتم التخلص منها بقسوة. و اتساءل هل كان طفلنا الكبير يقصد إنقاذ الأشياء المعطوبة التي يجمعها في حقيبته؟! و هل يدري بأن حقيبته تعني القبول و الحماية و الرعاية؟

 

ليس عليك أن تكتب من أجل أحد، فقط من أجل نفسك. و ليس لأحدٍ أن يكتب كتاباً من أجل أن يكتب كتاباً فقط، فهذا لن تكون له صلة بالواقع؛ و سيكون مجرد كتاب. *إميل سيوران

و كيف لا أحب نفسي؟!

اقول حب نفسك يخي

 

“كيف أحب نفسي؟” في كل مرة يصلني فيها هذا السؤال يكون ردي “و لماذا لا تحب نفسك؟!” و كأنني لم أكن يوماً “هناك” أو كأنني نسيت كم من عمري قضيت و أنا أستقبل إساءات و أمر بإحباطات و اضع نفسي بمنازل دنيا في سبيل.. حسناَ؛ أصبحنا نعرف الآن بأنه لم يكن حباً و لا حتى شيئاً قريباً من الحب، ليس إلا نظاماً مصمماً للسيطرة على العقول من أجل إعدادها لتكون قابلة لاستقبال الأوامر و تنفيذ متطلباتها بما يضمن استمرار دوران العملية دون حاجة لإعادة “البرمجة” الأساس. نعم أنت مجرد “وحدة تخزين بيانات” عملها أن تنسخ محتوياتها على وحدات تخزين إضافية؛ و هكذا يواصل “النظام” تشغيل نفسه.

يمكن للرسائل التي يتم توصيلها (أو عدم توصيلها) إلينا في الطفولة أن تأخذنا نحو أشد الأماكن ظلمة في رفضنا، عدم استحساننا، بل حتى إنكار معرفتنا لذواتنا. كل عوامل هذه التجربة مخططة للتواطؤ على جعلك تصدق شيئاً واحداً حتى تعتقنه حد اليقين، منذ مجيئك إلى هذه الحياة، أول ما يتم إخبارك به هو أنك “لا تعرف”، و يبقى هذا المعنى يُقال لك بكل الطرق، في البيت ثم في “المدرسة” و في كل ما سيليهما، هكذا حتى تقرر يوماً بأنك اكتفيت من الخضوع للأكاذيب، و تبدأ تتذكر أنك بالأصل “تعرف”، و تعود لاكتشاف الطريق الذي مشيته أول مرة و أنت معصوب العينين، و لكنك الآن استعدت بصيرتك؛ و أنت الآن ترى.

حقك في أن تتم رعايتك و حمايتك و قبولك، هو شيء يأتي معك ثم يتم تجريدك منه – مثلما قام الزوجان “تيناردييه” في رواية “البؤساء” بسلب الكساء الفخم الذي كانت ترتديه الصغيرة “كوزيت” بعد استلامها مباشرة من والدتها لرعايتها مقابل أجر مالي، ثم بيع تلك الملابس و التقتير على الطفلة و تسخيرها للعمل لصالحهم طوال مدة إقامتها لديهم إلى أن تم إنقاذها من قِبَل ” جان فالجان”.. مثل ذلك أنت تأتي برداء من القداسة و أنت مستحق لأن تكون محبوباً و مرغوباً و محتفىً بك دون أي شرط، و لك أن تتم تغذيتك و إشباعك و إنماؤك بلا أي مقابل منك، و حصتك في مصادر هذا الكون مكفولة و أنت تحب ذاتك؛ و أنت تنمو؛ ثم و أنت تخدم وجودك.

و لكن أهلك (مثل معظم البشر) مدربون على وضع ثمن عليك أن تدفعه مقابل “حقك” في العيش و في البقاء، و حقك في أن “تكون”! كل ما يتم تقديمه إليك من لحظة خروجك إلى الدنيا سيكون مختوم برقعة “سعر”، و من الآن كل العلاقة التي تحكم تعاملاتك معهم ستكون أشبه بكشف حساب كبير مُعَد لتقييمك و محاسبتك و تغريمك عِوض كل اشتراط لن يمكنك الوفاء به، و كل توقع ستعجز عن تلبيته، و كل دور مرسوم لك حين لا تتمكن من تأديته. مستوى جودتك هنا يعادل أهمية وجودك، و بقدر ما تجتهد بجعل نفسك ملائماً ستنال من الاحتواء، و كلما انصهرت على شكل القالب المُعد لك فأنت في أمان.

و بينما يتم تدجينك؛ فإن كل احتياجاتك (التي تخدم هذا الغرض) تندرج تحت بند “الضرورات” و لا يمكن اعتبارها مشكلة حتى عندما يتعسر تأمينها. و في الظاهر، سيبدو و كأنه قد تم بالفعل سد كل حاجاتك و احتضانك بينما تكبر و تجهيزك بما يلزم للانطلاق في طريقك متحرراً من كل الروابط التي ستشدك إلى الأسفل، إلا أنك ستُذهل حين تخرج إلى “العالم” و تكتشف بأن كل العملية كانت تهدف إلى جعلك مربوطاً بشدة بهم حتى لا تستطيع أن تغادرهم حين يحل وقت استحقاق ديونك لهم، و كل زيادة في ما أُعطِيته من قبل؛ تُحكِم قيودك أكثر حتى لا يمكنك الفرار بعيداً إلا بقدر ما ستسمح به مطاطية النسيج الذي تم غزله من حولك.

كل ذلك “الحب” المزيف لن يترك لك مبرِراً لأن تغضب منهم فتقوم بتوجيه الغضب إلى نفسك، و كلما شعرت بالاستياء تجاهد نفسك بكبته و تستبدله بالشعور بالذنب، لأن المعلومات التي تم تخزينها في ذاكرتك تخبرك بأنك الآن جاحد للمعروف، و من هنا تأتي كراهيتك لنفسك (أو انعدام حبك لنفسك). غضبك المتفاقم هو الحب الغير مُعبر عنه؛ لأنهم لم يحبونني كما يجب فلا بد من أنه ثمة خطب بي، قد أكون لا أستحق و ربما هم محقون و أنا فقط “لا أعرف”! كم أكره نفسي؛ و هم أيضاً لا يسمحون لحبي لهم بالخروج لأنهم لا يحبونني و لا أعرف ما الذي علي فعله لكي أستحق أن يحبوني و يسمحوا لي بأن أحبهم…

تذَكَّر قبل كل شيء أنك بالأصل روح لا تعرف إلا الحب، و ذلك الحب ليس مرتبطاً بما قد تفعله أو تقوله أو تكونه، الحب هو أنت على حقيقتك. روحك أوسع من أن تضيق عن احتواء جماعتك و ناسك و كل البشر، و حين تفهم كيف تحولت محبتك إلى غضب و كيف توقفت عن حب نفسك لأنك مستاء من الآخرين، فستتعلم كيف تعود إلى حالتك النقية من كل بغض، ومن ذلك الأسى الذي تراكم فيك بفعل تتابع التجارب المؤلمة عليك حتى لم تعد تعرف من أين بدأ مقتك هذا و لمن هو موجه و لأي الأسباب. توقف هنا لتدرك بأنك ما زلت تلعب لعبتهم؛ أنت كذلك لا تعرف كيف تحب، جرب أن تبدأ بإسقاط كل مفاهيمك القديمة عن “الحقوق و الواجبات”.

استهدف الحب و انسَ أمر العلاقات؛ توقف عن انتظار شيء من أحد، خصوصاً ما لم تقدمه أنت لنفسك، و توقف عن افتراض ما هو حقٌ لك على غيرك و ما هو واجب عليهم لك، قم بفصل أدوار الناس في محيطك عن توقعاتك منهم، تلك والدتك و كان من الممكن بحسابات أخرى أن تكون مثلاً جارتكم و تبقى هي ذات الشخص بكل مواصفاته و سلوكياته و ميزاته ثم لا تحصل منك على ردود الأفعال و الانفعالات و المواقف ذاتها. لا تفرض تصوراتك (أو الإطارات المتوارثة) على الناس بناءً على صفات قرابتهم بك، و سيسهل عليك الخروج من دائرة توجيه اللوم و تبادل الاتهامات، و أيضاً الامتناع عن مقارنة ما تعطي بما تأخذ.

طالما أنك تحيا في العالم المادي فسوف تنطبق عليك قوانينه؛ الخلل الظاهر يتم إصلاحه من الخارج و بعد ذلك يكون التفرغ لصيانة “الداخل”. و قبل أن تمتلك مهارات العيش من العمق؛ لا تسمع لمن يحدثك عن مبدأ العمل من الداخل للخارج؛ لديك ثغرات تستنزف طاقتك، لا بد من معالجتها أولاً حتى تتمكن من استجماع قواك الداخلية. ضع نفسك أولاً و تجنب تكريس عطاؤك للآخرين في هذه المرحلة؛ لا تنسى، أنت تحب نفسك أولاً، ثم “أنت” تنمو، و بعد ذلك فقط تكون ثمارك صالحة لأن تقدم منها لمن تريد و على حجم ما تركت نفسك لتنمو.

العلاقات تُبنى على احتياجات و متطلبات و اشتراطات، و لا بأس في ذلك، و لكن استرجاع الفطرة على الحب سيجعل كل علاقاتك لا تعكس إلا ظلال الحب، و ستنتهي من نوع العلاقات التي تتذبذب فيها المشاعر بحسب مدى التزامك بتلبية شروطها أو تقصيرك فيها. و حتى النهايات لن تكون مؤلمة بَعدْ، و لا مشحونة بالغيظ، إذ أن الحب الشامل ينساب عند إحياؤه ليغمر ذاتك و يفيض على غيرك و يلامس كل الأشياء من حولك؛ لا يجعلك محدوداً و لا منفصلاً، هو كلِّي لا يتجزأ. حبك لذاتك يتجسد بحب جميع الأشخاص في عالمك لك، و لا يمكنك ادِّعاء هذا النوع من الحب لنفسك و أنت تعاني من انعدام الانسجام مع الناس في محيطك، يمكنك أن تخدع نفسك و أن تكذب على الآخرين و لكن لن يمكنك التحايل على عالم النوايا الحقيقية؛ الخارج هو مرآة الداخل.

ستتأكد لاحقاً أن كل من هو متواجد بعالمك فهو إما نسخة قديمة منك أو متقدمة عنك، و هذا سيكسبك منظوراً جديداً أعلى من “عدم المقاومة” أو مجرد “القبول”، سيصير احتفاء بكل أحد مهما كان ما هو عليه، و احتواء للجميع بكل ما فيهم، و لا يصل أحدهم إليك إلا و هو مرحب به سلفاً ليكون “نفسه”، حقيقياً و على طبيعته، و هذا هو الوجه الآخر لقبولك ذاتك. بالتدريج سيختفي من مجال تعاملك كل من يتعارض وجوده مع اختيارك للحب و سلامك الداخلي و اتزان إدراكك.

يمكنك أن تبدأ التدرب على حب النفس بتكثيف اعتناؤك بك، قم بهذه الحيلة و تخيل أنك ذلك الحبيب الذي تسعى لجذب انتباهه ليقع في غرامك. كل ما تراه سائداً على اعتباره تعبيراً عن الحب من شخص لشخص، خذه و مارسه مع نفسك؛ تجَّمل بسخاء.. أخرج في نزهة.. تكلم بلطف.. تجاوز زلاتك.. لاحظ تفاصيلك.. قدم لك هدية.. مشروب دافئ.. رسالة غزل… اعطي لنفسك على الجودة التي تعطيها لغيرك، و إن كانت متدنية من الجانبين؛ ابدأ بالجانب الخاص بك، إذ كما أن سلوكياتنا هي المؤشر الذي يعطي قراءة صادقة لما بدواخلنا، فكذلك تضبيط الداخل سيتجلى في تصرفاتنا. لا تخفي عاداتك التي لا تروق لك أو تتظاهر بعكسها، استبدلها و ستتلاشى ببساطة.

لو شعرت بأن بعضاً من المرارات القديمة ما زالت تعيقك؛ لا تستعجل تحررك منها، يمكنك تركها للوقت الذي سوف تصبح فيه أقوى على مواجهتها بعد أن تكون قد ابتعدت عن تأثيراتها عليك بما يكفي لأن تراها بوضوح و بتجرد أكبر. صدق بأنك ستنظر يوماً لكل معاناة و ترى فيها الدرس الذي جلبته لمستقبلك، و سترى المُعلِّم في كل مسيئ تعرَّض لك بالأذى. فبالنهاية، هي ليست إلا أدوار، و كل منا سبب لتدابير أعلى لا يمكننا الإحاطة بها. و لسنا الذين نعطي و إن كنا مسخرين لتوصيل العطايا لمستحقيها؛ استلم الرسالة و كن ممتناً للرسول. هكذا نتعلم كيف نحب، كل تجاربك الماضية هي مجرد تدريبات قاسية على الحب.

الحب في جوهره مثل نهر جارٍ، جريانه لا يتوقف على وجود أحد معه أو بقربه، و هو لا يغير مجراه ليلحق بأحد، و لا يبحث كذلك عمن يمكن أن يُسقِط عليه محبته. الحب كينونة و ليس فعل، النهر يقدم من نفسه لمن ينحني عليه ليغرف منه، و لا ينشغل بالتفكير بمدى استحقاقه، عطاءه ليس واجب، ببساطة هذه طبيعته و هكذا هو يكون. و عطاياك ستتجه لمن تعرف و لمن لا تعرف لأن الحب فيض داخلي تستقيه من حبك لمصدره، استشعارك الدائم لحب الخالق يظهر في حبك لمخلوقاته، بما فيهم نفسك، و هذا هو معنى أن تكون أنت الحب.

على سبيل الحب

التشتت VS التركيز

شريحة1

 

اعرف شيء “عن” كل شيء، و اعرف كل شيء في شيء واحد.

استعجالك القفز على المراحل التي تعتقد بأنك متقدم عنها هو ما يتسبب بشعورك بالتشتت، ربما تكون تعرف الكثير بالفعل و لكن المعرفة ليست الغاية، هي مجرد مرحلة ستوصلك مع الانضباط إلى المنهجية التي سيتضح لك معها إلى أين تود الاتجاه و هكذا سيتلاشى التشتت.

قد يضجرك بالبداية اضطرارك لأن تُبطئ من إيقاعك و لكن المفاجآت ستكون تنتظرك بالنهاية و ستتسارع عندها القفزات الكبرى. بدايتك في طريق تحقيق الذات هي أقرب لعملك وفق لائحة مراجعة (checklist) تخدمك بتفحص متانة تأسيسك للتحقق من جاهزيتك للارتقاء للمستوى التالي على خط تطورك الشخصي.

مع تقدمك ستكون قد تبلورت قدرتك على تخطيط منهجك الخاص، أنت هنا إذا كنت قد انتهيت من تأسيس نظام حياة مبني على تطبيق كل معرفتك و صار مسار حياتك أوضح لك؛ اكتشفت أين أنت الآن و قررت أين تود أن تكون، أنت تتحضر للخروج من دائرة التغيير باتجاه دائرة التأثير.

مهما كان ما تعلمته و عملته حتى الآن، لو كنت ما زلت في دائرة المعاناة فارجع و قم بإعادة كل العملية من الأول. الإنسان المؤثر ليس هو الشخص العالق في “مشاكل” الحياة الاعتيادية و لا يمكن أن تعطله العقبات التي يقف عندها الشخص العادي، اعرف مرحلتك و تعامل معها.

فلتر متابعاتك و قم بتطوير أدواتك، و لتختار بعناية من بين المرشدين، فتش عن الأصالة، تجنب مجموعات الاقتباس و النسخ و التجميع، ستتعلم أكثر حين يكون معلمك هو مصمم المنهج الذي يقدمه و مُعِد المواد التي يستخدمها و متحدث بلغته الخاصة التي جعلته مميزاً عن النسخ المقلدة منه.

أحط نفسك بمن تلتقي خطوطهم مع خط سيرك؛ الذين يضيفون لك و تضيف لهم. و لتأخذ عليك أن تعطي، و أن تصدقني حين أخبرك بأنك حتماً تمتلك ما يمكنك أن تعطي منه حتى لو كنت لا تدري، تعرَّف جيداً على ملكاتك و اكتشف ميزاتك و باركها بتسخيرها في الخدمة العامة بمحيطك.

استثمر في نفسك بسخاء، يمكنك توظيف كل ما تكتسبه من معرفة في إنتاج أي عمل موجه لإفادة الآخرين بما عندك، احرص على أن يكون لاجتهادك ثمار ملموسة. حدد مجالك و احذر من أن تتحول مسألة “توسيع الخيارات” إلى ذريعة تبرر هوسك بتكديس كل ما يصل إليك من مواد.

اتبع إيقاعك الخاص؛ لا يوجد نظام أفضل من الثاني، ما هو لك يختلف عما هو لغيرك. ثق بحدسك و سلم نفسك لنفسك، مع كل خطوة ستعرف التالي لوحدك دون أن تخلق من حولك تشويشاً بطلب النصح من الآخرين أو محاكاة تجاربهم أو تقليد طرقهم دون التأكد من أنها حقاً تناسبك.