لا أنـــام…

و ما الجديد؟! ألم أخبركم بذلك من قبل؟! و مع هذا توجب أن يتم التحقق من ذلك بالطريقة الصعبة.

عند السابعة مساءً أنهيت تناول قطعة خبز مع كوب كبير من الشاي ما زلت أستحضر استمتاعي العارم بارتشافه حاراً حتى أخر قطرة، بينما كنت أقرأ مقدمة “حياة باي”/ يان مارتل، التي لم أقاوم اشتياقي الجارف لإعادة قراءتها بعد أكثر من ست سنوات مضت على قرائتي الأولى لها، و هذه النزوة تتضمن رغبة غريبة بالعودة لقراءات ثانية من عدة روايات مرت على قرائتي لها سنوات، منها “جامع العوالم”/ إيليا ترويانوف، “اللوح الأزرق”/ جيلبرت سينويه، “رحلة بالدسار”/ أمين معلوف، بل حتى ثلاثية “مباريات الجوع”/ سوزان كولينز، و التي قرأت أجزائها متتالية في ٢٠١٠- ٢٠١١- ٢٠١٢ أحس بأنني لو رجعت لها الآن فعلى الأرجح سيستغرقني الشغف نفسه معها مثل أول مرة. لا أعلم ربما أفتش عن ذلك الشعور الغامر بالحركة بمعناها الداخلي و الخارجي كذلك، النضال في سبيل التفرد و التقارب على حد سواء، مرافقة الذين لم يشبهوا إلا أنفسهم ثم لم يختلفوا عن أحد… هذه هي ماهية الأدب كما رآها “مارتل”: تحويل الواقع بشكل انتقائي و تحريفه للوصول إلى جوهره”.

عند السابعة و النصف بدأت عملية وصلي بشبكة من الأسلاك بواسطة أقراص معدنية يتم إلصاقها بالجلد بمادة غرائية ما زالت علامات إزالتها موزعة ببقع متفرقة من جسمي، و كتل منها لا أعرف بعد كيف سأتمكن من إزالتها من شعري! مراقبتي لشريط القياس و هو يتحرك من فوق رأسي حتى منتصف قدمي لتسجيل أبعاد أجزاء معينة من أجل تحديد مواقع الشك، أعادت الي الشعور بالغرابة، نفسه الذي اعتراني قبل أسبوع عندما كنت أراقب إبرة بنهاية خيط و هي ترتفع لتمر أمام ناظري ثم تنخفض، و أنا أعلم بأنني حين لا أراها فإنها تكون تخترق نسيج جلدي المقصوص لإعادة خياطته، ذلك كان تفصيل الباترون، و الآن نحن بمرحلة التطريز التي حولتني إلى ما يشبه ثوب عرس فتاة ريفية في الرابعة عشر قام والدها بانتزاعها من مقعدها المدرسي لتزويجها بأحد أصدقائه. أحمر و أصفر، أزرق و أخضر، أسود و أبيض، كريمي و رمادي، وردي، هذه هي الألوان التي كانت تغلفني، بحثت و لم أجد شريطاً باللون البرتقالي!

عند الثامنة و النصف كان يتم رصي أنا و الجهاز، الذي أمسيت مجرد جزء منه، على الفراش، زميلٌ لفنيةِ اضطرابات النوم المكلفة بمراقبتي يمر للترفيه عنها على ما بدا لي، لأن ثرثرته و ضحكه أثارا استهجاني، فبقيت أحدق بالسقف بانتظار حلول الوقت الذي سمعته يخبرها بأنه مغادرٌ فيه، التاسعة و النصف، عرفت ذلك لأنني سمعت توديعه لها. على مرمى بصري في أعلى زواية في السقف على جانبي الأيسر، يوجد الجهاز الذي خمنت بأنه آلة التصوير، به شئ مضئ باللون الأحمر على شكل حبيبات، حاولت بأقصى جهدي و لكن لم أتمكن من معرفة عددها، تمنيت لو أنها تركت نظارتي بمتناول يدي و لكنها وضعتها بمكان مرتفع عني. أمامي جهاز المايكرفون على شكل أنبوب معلق بالسقف، قررت التحديق به حتى يغلبني النوم. ماذا حصل؟! لقد كنت أتثاءب و أدافع النعاس منذ ما بعد الظهر، و الآن عيني تبحلق في الظلام و تميز كل ما حولها مثل الخفاش!

لم أنتبه للوقت و لكن يبدو بأنه كان قرب منتصف الليل عندما اندفعت مراقبتي و أشعلت النور لتقوم بتعديل وصلةٍ ظَهَرَ لها على شاشة المراقبة بأنها انفصلت، تباً! قاطعت غفوة لا أدري حتى كيف تمكنت من الحصول عليها. خَرَجَتْ بعد أن قلبتني مثل جثة لا حول لها و لا قوة و كبست على كل ما حسبت أنه أحتاج لضغط إضافي ليثبت مكانه. عدنا لما تحت الصفر، الوسادة عالية جداً و رقبتي منزعجة، تخلصت منها، أطرافي متجمدة من البرودة، طويت الأغطية لأزيد سماكتها، و ما زالت عيني مثل كشاف في الظلام، أحاول تخمين ما قد تكون منشغلة به في الخارج و أتساءل كيف تتحمل قضاء الليل كله بمراقبة “نائم” و أفكر “يا للعذاب”! و لكن ما الذي تفعله الآن؟ تقرأ؟ تلعب؟ تدردش إلكترونياً؟ لا يعقل أنها تكرس كل حواسها لمتابعة نومي (أو عدم نومي)! لا يفعل الإنسان ذلك إلا مع أقرب الناس لقلبه، أنا نفسي كنت أفعلها مع جدي قبل مغادرته الحياة.

عند نقطة معينة من أرقي كان لا بد أن أصل للمحتوم، و لكن كيف و أنا لم أجرؤ حتى على شرب رشفة ماء قبل النوم حتى لا يحدث ذلك؟! و كوب الشاي الكبير الذي شربته كان قبل ساعات و من المفترض أنه أنتهى خلال جولتين قمت بهما إلى هناك! أحاول صرف تركيزي عن الأمر و أبدأ باسترجاع تفاصيل رحلتي الآخيرة إلى “دبي” و التي انتهت بموقف مشابه، ذهني قادني للعودة للنقطة التي انطلقت منها! و بينما أنا أناشد الشمس أن تستعجل الشروق و ألتمس طريقة تتيح لي معرفة الوقت أو تمكنني من رؤية النور حين يطلع الصباح، باغتتني رفيقةَ ليلي باقتحامها الغرفة لتخبرني بأنه ربما يجب أن تصطحبني إلى هناك!!! أول ما طرأ على بالي هو أن أسألها كيف عرفت ذلك إلا أنني كنت في حالة طارئة.

بقيت بعدها أفكر حول هل يمكنها بالفعل معرفة ما يدور برأسي و أكبت ضحكة كانت تعاند لتنفجر و أنا أتصور إطّلاعَها على كل ما فَكَّرت فيه و أتخيل ما سيكون رأيها حيال كل تخاريف الساعات الماضية، ثم طمأنت نفسي بأنها لو رأت كل شي فلن يكون تحويلي القادم إلا على “النفسية” و هو المبنى الذي يكاد يقتلني الفضول لدخوله بأي ذريعة، لأنه المكان الملئ حتما بالحكايا المختلفة التي لا تقدر بثمن.

وصلت إلى الحد الذي لو كنت فيه بالمنزل، لاستسلمت و نهضت لصنع كوب شاي مع كتاب، و لكنني كنت يائسة إلى الحد الذي ندمت فيه على عدم حملي أي كتاب، و كل الأجهزة مغلقة و بعيدة عني، اختنقت، جاءت لمساعدتي على بخ الدواء بأنفي، قلت سأتظاهر بالنوم، و لكنني احترت كيف يمكن للمستيقظ التظاهر بالنوم بغير إغماض عينيه؟! قررت، غداً سأبحث في الإنترنت و أحاول تعلم كيف أتظاهر بالنوم بشكل يخدع حتى الأجهزة. و لكنني على أية حال سأمثل الشكل الظاهري للنوم، أغمضت عيني و أخذت أردد “أنا نائمة، أنا نائمة، أنا نائمة…”، عرفت لاحقاً بأنني نجحت بالغرق في نوم عميق بعد أن كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة فجراً.

تم إيقاظي عند السادسة، أول رنة من الجهاز تجاهلتها و لم أفتح عيني، الثانية أجبرتني على فتح عيني و لكنني أردت المواصلة، فكان لا بد من أن ينفتح الباب على وجه تلك التي لم تنم من أجل أن أنام، و “صباح الخير” بصوت صاخب، ثم عذاب إزالة كل ما هو ملتصق بي بسحبه بشدة ثم سكب “الأسيتون” و فرك اللاصق حتى يتلاشى بعد أن يترك مكانه للخدوش حتى على وجهي الذي اعتذرت لي بأمنيتها بألا يتضرر إلى الحد الذي يشوه “لطفه”، إشارة إلى أن العلامات قد لا تتلاشى بشكل تام.

بعد الإنتهاء من طقوسي الصباحية لما بعد الإستيقاظ، لم يكن لدي رغبة إلا بالأكل، و بدا لي الطريق طويلاً جداً ما بين غرفة “النوم” و المقهى، لم أنتبه حتى كيف تمكنت من قطع كل تلك المسافة بِعَرَجِي الذي زادني بطئاً، خصوصاً بعد أن أزلنا القطب و بات الحكاك أشد و الألم أحَّدْ. كوب “كابتشينو” استحققته بجدارة و نصف فطيرة الجبن الأصفر بالطماطم و الخس (النصف الآخر وقع مني و لم أتمكن من الإنحناء لالتقاطه)، أخبرت العامل بالمقهى بأنني لا أستطيع حمل الطبق و المشي في الوقت نفسه، و لكنه ربما لم يفهم ما أقول أو لم يُرِد المساعدة فتغافل، اضطررت لأخذها بيدي و لم أعلم بأنه قد قام بقطعها من المنتصف، وقع جزء من قلبي معها فقد كانت شهية بسخونتها، أو ربما لأنها أول ما يدخل جوفي بعد ليلة العذاب تلك، تأكدت من حماقة العامل حين أخبرته بما حصل فسألني متى أريد الثانية أن تكون جاهزة لأخذها حتى لا يُحَضَّرها و تبقى لمدة لديه (كلا لم يكن قصده أن يعوضني عنها فليس له هذا المقدار من الصلاحيات، و هو تابع لشركة خدمات مالية معروفة تقوم بالتأمين لعامليها دون أن تسمح لهم باستلام بطاقات التأمين حتى لا يستهلكوا شيئا من منافعها)!

ختمت هذا الصباح بعد أن قام الطبيب بمعاينة جرحي عند العاشرة تقريباً ليمدد على إثر ذلك إجازتي “الإستشفائية” و ليس “المَرضية”، و مباشرة بعد ختم التقرير غادرت المشفى بمشاعر من يغادر بيته مؤقتاً و هو يعلم متى سيعود إليه، فما زالت قائمة مواعيد مراجعاتي تغطي الأربعة أشهر القادمة حتى الآن.

الأحد 23/6/2013

اكتفاؤك بالقليل (من أي شئ) لم يعد أمراً مقبولاً في عالم اليوم!

ثم كيف جعلونا نصدق بأن الصغير لا يُشبع، و القليل لا يكفي؟!

Think small

أصبحت جميع الإعلانات تدعونا لالتهام الوجبة الأكبر، و قيادة السيارة الأوسع، و امتلاك البيت الأضخم، و اقتناء المزيد من كل شئ، و تتمادى في الوقاحة لتطالبنا بأن نحيا بطموح أعلى، و نرسم لنا أهدافاً أبعد، تضطرنا لسلوك الطريق الأطول، و مع هذا علينا أن نكون أغنى، و أصَّح، لكي نكون أسعد.

حتى خياراتنا في هذا العالم تم تقليصها قسراً لتنحصر بين الكثير، و أكثر منه. لا أفهم، في المقاهي لديك خياران فقط لتختار منهما حجم مشروبك: وسط و كبير! و مع أن الحجم “صغير” ملغي منذ سنوات، إلا أن هناك إصراراً على إبقاء المسمى “وسط” حتى لا تنسى بأن ثمة ما هو غير متاح حتى لو وودت الحصول عليه.

لدي أكثر من خمس ساعات انتظار، لا مشكلة، فقد سبق و انتظرت لأكثر بكثير من ذلك، بل إن أوقات الانتظار بحياتي تفوق ما أقضيه فيها بالفعل. و هكذا تعلمت كيف أقرأ كل شئ، الناس و الجمادات، و كل الكائنات من حولي هي مواضيع تُقرأ و تقود لتأملِ أفكارٍ تتفرع عنها أفكار حتى لا أعود أذكر بأي فكرة كنت قد بدأت.

أتذوق قهوتي و أفكر حين أتقزز من طعمها و أوشك على أن أقول عنها “سيئة”، كلا ” ليست سيئة” و لكنها فقط لا تشبه ما أنا معتادة عليه من نكهات القهوة، ليس كل ما هو غير مألوف لنا “سيء”، فالحاصل أننا نضع الأشياء التي اعتدناها معياراً لمستوى جودة الأشياء سواها، ثم نضع كل ثقتنا في أحكامنا على اعتبار أننا قد توصلنا لها بالتجربة، ثم و بارتياحٍ تام نأخذ بتصنيف كل ما يختلف عن مواضيع اعتيادنا تحت بند “السيئ” على اختلاف تدرجاته.

كنت قد دربت نفسي حين أتذوق شيئاً لا يروق لي، على ألا أعتبره “سيئاً” بل “مختلف”، و لأنني لست معتادة عليه، لا أستسيغه، و لو حصل و لم أُحْجِم عن تناوله لعدد من المرات، فسوف يصبح مألوفاً لدي و لا يعود على تلك الدرجة من “السوء” بالنسبة لي!

السبت ٢٢/٦/٢٠١٣ – ٢:١٥ م

أن يباغتك الأمر المروع بحدوثه و أنت تشعر بالأمان، أهون من أن تعيش الخوف منه ثم لا يحصل.

من المقرر أن أذهب مساء الغد للنوم، في معمل “النوم” التابع لعيادة “النوم” التي على ما يبدو لم يسمع بها أحد من العاملين في المشفى من قبل، حيث توجب علي مسح جميع المباني في مراجعتي الأولى بها، كل الطوابق و الأقسام، و سؤال كل من صادفت بطريقي لأتلقى التعبير نفسه، علامة تعجب مرفوعة الحاجب: -النوم؟! -نعم “النوم”. -تقصدين التنويم؟! -كلا “النوم”. -لم أسمع بها من قبل و أنا أعمل هنا منذ ثلاث سنوات! هذه المرة الأولى التي أسمع عنها و أنا أعمل هنا منذ سبع سنوات! لا أظن يوجد عيادة بهذا الإسم! الشكر لكم يا سادة و لكنني عثرت عليها بعد ما يقارب الساعتين، و عرفت بأن معمل مراقبة “النوم” الملحق بها يعمل لأربعة أيام من الأسبوع، و يبدأ استقبال المحولين إليه عند السابعة مساء ليكونوا حاضرين للذهاب إلى الفراش عند الثامنة.

الذين يعرفونني، يعرفون أن لدي القدرة على النوم في أي مكان دون أن أشعر بالغرابة، بل بإمكاني النوم في ظروف يعجز غيري عن الإستسلام للنوم خلالها، و بمجرد أن يغرقني الظلام أنسى تماماً أنني بمكان جديد علي، و حين أبلغ أشد درجات النعاس لا يعود يؤثر اكتظاظ المكان أو وقوعه بمنطقة حركة على عمق استغراقي في إغفاءتي، فقد أنام أثناء التنقل مهما كانت الوسيلة، و نمت مرات من قبل في قاعات الجامعة بانتظار محاضرات، نمت مرة في محطة القطار بانتظار شروق الشمس و حلول موعد أول رحلة، و نمت مرات لا تعد في المطارات، أنام في صخب الأعراس حين تنهار مقاومتي و لا أبالي عندها بحدود اللياقة، بل إن من الأفضل أن يراني الناس نائمة على أن يتعرضوا لشئ من سلاطتي حين لا أعود أسيطر على أعصابي.

عندما أنشغل بشدة، لا أنام، أربعة أيام هي أقصى ما يمكن لمن حولي تحملي حين لا أنام، بعدها حتى أنا لا أطيق نفسي. و الآن أنا أحتاج لمثل هذا التدخل لأنني أعجز عن النوم منذ مدة، ليس على الإطلاق، إلا من غفوات مختلسة تزيد من حنقي حين لا أتمكن من جعلها تطول، و أنا لست منشغلة بأي مهام تضطرني للبقاء مستيقظة، فقط هناك ما يمنعني من النوم و أنا أريده، بمجرد أن أفقد السيطرة على حواسي أختنق فيفزعني ذلك و يهرب النعاس مني، ليس ذلك النوع من الاختناق الذي اعتدت مقاومته منذ أربع سنوات بما لا يزيد عن ثلاث بخات من دوائي، و لكنه شئ آخر يجعلني أتوقف عن مواصلة عملية التنفس إلا إن كنت أوليها تركيزاً كافياً.

لم أجرب من قبل أنا أنام و أنا أعلم بأنني مراقبة، و لا أدري إن كان هذا عاملاً إضافياً سيزيد عجزي أم سيجعلني أتمكن من النوم باطمئنان.

الخيال وسيلة للبقاء…

قررت أن أنشئ رابطاً مع جرحي حتى أتمكن من السيطرة عليه!

هذا الشق الذي ينبض كلما نسيته ليذكرني بعدم الإنشغال عنه، و لكنني على العكس أوليه كل اهتمامي حتى لو لم يبدو علي ذلك، لدي مساحات لا أشعر بها على الإطلاق، و نقطة يتركز بها الألم الكهربائي، و ما بين وقت و آخر هناك إحساس يشبه انسكاب ماء دافئ حول منطقة القطع، و يوجد ذلك الوخز بأماكن القطب و الحكاك فيما حولها، هكذا يظهر كم أنني بارعة جداً بالتعامل مع أوجاعي و علاقتي جيدة بها!

الخيال عصيٌ على أي قيد، الخيال هو حياتك حين تسلب منك الحياة.

خلال جلستي الأسبوعية التجأ إلى الخيال دوما لأتصالح مع الألم، كل عمري و أنا أظن بأنني أهوى التحليق و أقول لو كنت غير إنسان لما أردت أن أكون إلا طيراً، و لكنني منذ بدأت برنامج علاجي التأهيلي و أنا أعيد أكتشاف علاقتي بالماء. أفكر بأنني ربما سأُفَضِل أن أكون سمكة و “أحلق” في المحيطات. أتساءل، ربما يستلزم الطيران بذل جهد أكبر في الإنطلاق و الهبوط و تحريك الجناحين، أما في السباحة فأنت تترك نفسك فتطفو، و أنتبه إلى أن السمكة لو طفت لهلكت. إذن لا فرق ما بين الإرتفاع إلى الأعلى أو الغوص إلى العمق، لا أدري!

ثم في كل مرة و عند خروجي ألاحظ ابتسامة الشمس، أفرح و أقول “لو أنني أكون شجرة”!

و يحصل مرةً من بين مئات الأيام أن أتوقف عن المقاومة و أقول “لا فائدة”!

ليس الأمر أنني لا أُقَدِر حاجاتي الصغيرة وقت كونها متاحة، بل على العكس، ربما من أكثر الأشياء إزعاجاً بي بالنسبة للآخرين هو حرصي على الإحتفاء بكل الأشياء في وقتها، لا أؤجل التعبير عن سعادتي بمتعي الصغيرة، أرتشف لحظاتي ببطء متمعنة بكل ما يمكن العثور عليه فيها من جمال. و لكنني الآن أفتقد العديد منها، ابتعدت عن عاداتي الأثيرة لخمسة أيام، أفتقد الإستحمام، أفتقد التقلب في النوم، بل أفتقد النوم، الشمس لم ترني كل هذه المدة، أشتاق للمشي حتى على صعوبته التي كانت، أي نوع من المشي، لن أمانع، يضجرني السكون و في الحركة حياتي، التسكع في السوق لساعات من أجل التحضير لاحتفال يبهج الصغار تحت أي ذريعة، التجول بين أرفف “المتنبي” المغبرة حتى يتم طردي عندما يحين وقت الإغلاق، الهرولة بورقتي التي يفترض بها أن تكون قائمة احتياجاتي التي أنسى البحث عنها و أشتري كل شئ أعرف بأن فلان يحتاجه أو أنه سيعجب فلانة ثم أعود كل مرة بلا شئ لي.

يكفيني للتحليق في عالمي أن أكرس كل حواسي لتذوق القهوة المثلجة بينما أسير، أو أن أحتضن كوب الشاي الحار بينما أتأمل حركة الناس من حولي، و حين ألتقط الخبز حاراً بيدي لألتهمه و أنا أتصور مراحل وجوده حتى لحظة انتهائه بيدي، و لأني من أشد المعجبين بالمعجنات (البيتزا تحديدا)، فإنني لا أستمتع إلا بتناولها ببطء و بقضمات صغيرة أُفَضِل أن أقطعها بيدي مجردة من أي سلاح، بينما أقبض عليها بيدي الثانية، و برأيي هذه هي الطريقة المثلى لتناول الأكل، و لهذا أميل غالبا للأطعمة التي يمكن لي لمسها بيدي قبل وضعها بفمي، هكذا أعبر عن تقديري لهدايا الأرض لي و هبات السماء.

أشيائي الصغيرة هي ما يبقيني على ارتباط بأيامي حين أتعب و يغمرني الشعور باللاجدوى، و لذا أكثف عيشي اللحظة، ربما هذا عَرَضٌ طبيعي لدى الذين عاشوا اختزال المراحل من قبل حتى تَسارَع احتراق أيامهم، و حين وجدوا أنفسهم عند الحافة على وشك السقوط، اتخذوا قرارهم بالإبطاء و الإستمتاع بالرحلة بدلاً من الإنشغال بوجهة الوصول.

أليس الألم ضرورة، بل نعمة؟!

الألم ينبهنا لنلتزم الحذر، إنه التماس الجسد منا رعايته. لاحظت بأن الجسم يبدي رد فعل التألم حتى و هو تحت التخدير، حتى حين يتم تخفيف حدة إحساسك بالألم، لا يمكن خداع جسمك، يبقى يعي ما يحصل معه.

عندما خرجت صباح السبت من عملية جراحة بسيطة لاقتطاع عينة من العضل، و حتى مع كون التخدير الموضعي لم يعمل معي بأقصى فعاليته، إلا أن شعوري بالألم في وقتها لم يكن يُذكر، بعد أن كنت قد تدربت جيداً خلال الأشهر الماضية بالإنتقال صعوداً من مستوى لآخر، فأصررت على النهوض و المغادرة لوحدي، و رغم التحذيرات، تنقلت على قدمي بين عدة أقسام لإنهاء إجراءاتي بنفسي، ثم و بعد تقريباً ثلاث ساعات، أكثر قليلاً، انتهى الحلم و عدت للحياة الواقعية، كنت قد جعلت نفسي أصدق بأن هذا هو كل ما سيكون عليه الأمر، و لا مزيد من الألم، و لكن تبين بأن الألم الحقيقي لم يكن قد بدأ بعد!

كنت قد انتبهت من قبل أثناء جلسة صعق بالكهرباء استمرت معي لساعة، بأن تعاقب الألم مؤلم أكثر من شدة الألم نفسه، كانت الصعقة الواحدة غير مؤلمة، اثنتان، لا بأس، ثلاثة، يمكن احتمالها، أما المواصلة على الموقع نفسه بتكرار سريع يصل لأربعة عشر أو يتجاوز العشرين ضربة! نعم كنت منشغلة بالتركيز على متابعتها بالعَد، أنا مهووسة بِعَدِّ كل شئ، و هذا موضوع آخر يتعلق بعجزي عن إتمام أي عمل دون ربطه بالأرقام، في الواقع يصعب علي شرح ما يدور برأسي من قصص الأعداد التي أخاطب بها نفسي بينما أنجز أي عمل، و كيف كل رقم له شخصية و حياة و تاريخ و ذكريات يتقاسمها معي، و حين يستغرقني الوقت لاختيار أي شئ فإنني أكون حينها أؤلف الرابط الذي قد يضفي معنىً منطقياً (بالنسبة لي) لكوني اخترت شراء هذا العدد من ذلك الشئ أو تناولت قطعاً تبلغ عدد كذا من صنف معين من الأكل أو كم مرة رشحت الماء على وجهي لأغسله أو كم مسحت كل رخامة بشكل متساوي من كل الجهات… الخ

نعود لموضوع الألم:

الألم يحيينا لا يميتنا، يكثف الحياة بداخلنا و يجعلها أثقل من أن تتلاشى بسهولة. المرض مسألة ذهنية، و أولئك الذين يبتئسون للنقص يعتري صحة أبدانهم، هم حاملي أرواح ميتة سلفاً.

لا أفهم: ربما عليك أحياناً أن تبقى وحدك لتظل أقوى!

أنت تعرف مقدار قوة تحملك، و على درجة من الإدراك تجعلك مؤهلاً للتعامل مع واقعك دون التوقف عند افتراضات تتباكى عليها لأنها لم تكن أو لم تقع، و الأكيد أنك لن تتقبل تلقي ردود فعل درامية من أي أحد، فهي تُشعرك بالإهانة لأنها تأتيك فوق كل ما أنت مضطر لمكابدته لتبدو و كأنها اتهامٌ لك بالضعف من جهة، و من جهة ثانية تجد نفسك فجأة مسؤولاً عن لعب دور المواسي مقابل ما قد يصل حد التفجع عليك و أنت ما زلت تتنفس أمامهم!

حسناً، أعتذر لأن تقمص شخصية المريض “النموذجي” لا تلائمني، كلا لست أنا، هناك فرق كبير بين “مرض” = تعب = علاج = شفاء، و بين “حالة” تولد بها = تتعايش معها = تتحداها…

و لا أفهم سبب إصرار البعض على دفعي نحو الإحساس برثاء النفس، ربما ذلك أمر قد يُحَسِّن من صورتهم أمام ذواتهم من حيث هم من محترفي الشكاية من كل شئ و على أي شئ، و يغيظهم ألا يشكو من يملك أسباباً تتيح له إظهار الجزع دون لومٍ من أحد، و كأنهم يحسدونك على ما لديك من أعذار يمكنك أن توظفها كمبررات لكآبة قد تغرقك أو تنغيص تمارسه على غيرك أو فشل تقودك إليه لا مبالاتك! نعم بالنسبة لهم، أنت لديك فرصة عظيمة ربما تثير حنقهم لأنك لا تحسن استغلالها كما يجب.

أكرر ما قلته من قبل: قبل أن تتعطف على أحد بتقطيبة الترحم على حاله، تأمل حالك أولاً و انظر ما الذي أنجزت بحياتك قياساً لما أنجز و أنت تفوقه بمقدرتك الجسمية، و تذكر بأن العجز نقص الإرادة لا عطب الجسد.

و بالمناسبة، لا أحد يحب أن يحصل على المراعاة بصيغة الإشفاق.

هناك مراحل، و لكن هناك الحالة بأكملها نعيشها، سواء رفضناها أم قبلناها، و من أجل أنفسنا علينا أن نقبلها. من أقسى ما يثير استهجاني أثناء مراجعاتي العلاجية، كيف حين يتم تناقلي من قسم لآخر أسمع نعتي ب”المريض” بتكرار أكاد أخشى معه أن ينغرز بوعيِّ حتى أصدقه، و أود لو أذكرهم في كل مرة بأنني لا أرى نفسي “مريضاً” و لكنني أقبل أن أكون مجرد رقم ملف، و لدي إسم كذلك و مع هذا يمكنهم دعوتي ب”الحالة”!