أنا أقول: كُلُ الأزمنةِ تَصْلح لصنعِ “بدايات”.

هذا هو، لا أرى بأن الأمر يحتمل انتظارا بعد، تاريخ شراء هذه الكراسة هو الثالث و العشرون من مايو، و تمكنت من الإنتهاء من تزيينها في أقل من أسبوع، ففيم تأخري حتى الآن عن بدء التدوين بها؟! فأنا لست منشغلة لذاك الحد، الذي كنت عليه ربما من بضعة أشهر، ممم… عامٌ ربما، خَفَّتْ وتيرة انشغالي مع تدهور قدراتي الجسدية و ضعف أداء اجهزة جسمي لوظائفها، و تزامن ذلك مع أسوأ سنة في ملفي المهني، سنة النكبة، و ما رافقها من محاولات مني لإرجاع العربة النازحة لمسارها خلف مثيلاتها وراء مقطورة القيادة، ليس لأنها على ذلك القدر من الأهمية، فهي فارغة بكل الأحوال و تصدر أزيزاً يثير الإشمئزاز مع كل انعطافة، صدئة بكل ما فيها، و لكن مجرد خروج تلك الخردة عن استقامتها سيتسبب حتما بإمالة القاطرات أمامها و جعل مهمة الجميع بالتقدم عسيرة، هذا إذا لم تتسبب بإيقاف الرحلة عنوة بانقلابها الغبي الذي يشبه وَلْدَنَة الذي يطرح نفسه على الأرض بنزق كلما أراد تعريض الراشد الذي يرافقه لإحراج علني حتى يرغمه على الرضوخ لتلبية نزواته الصبيانية. كل هذا من جهة، و من جهة ثانية، أنا لا تعجزني الكتابة (فضلت تجنب استخدام ضمير الأنا و لكن الجملة هنا لا تكتمل بدونه) و النصوص تتشكل برأسي حتى أثناء نومي، و لا يكبحها عن أن تصاغ بالكلمات إلا أن تكون أي أداة تدوين ليست بمتناول يدي، و لكني علقت بدائرة من التسويف المرتكز على ميلي لجعل الأمور منظمة، بل مفرطة في النظام، أنا من صنف الذين يطورون نمطاً لكيفية عمل الأشياء، لا أرتاح لتنفيذ مهامي دون أن أضع لها دليلاً إجرائياً يحدد كل خطواتها و متى و أين و كيف و ماذا قبل ماذا…

و هكذا بقيت أؤجل انطلاقة رحلتي هنا بزعم أنني بانتظار سعة فراغ من الوقت تتوفر لي حتى أنتهي من نسخ المتجمع لدي مما تمكنت من أَرْشَفَتِه منذ عام أو أكثر قليلاً، و قد كنت قبله لا أكترث بالإحتفاظ بما أكتب و هو متناثر في أماكن لا أذكرها كلها، و لكن لدي عدة “ذاكرات” رقمية ممتلئة بركام أعوامٍ من قصاصات قديمة تجاوزت زمنها و ربما معظمها ليست على اتصال بمرحلتي الحالية، فقط تلك التي تعود لعام تقريباً، هي ما سيصلح لأن يكون بداية القصص الصغيرة التي سَتُروى هنا، أظن ذلك.

أدري بأنني أنزع نحو الاستفاضة حول كل تفصيل، و لكنه فيضان الأفكار و المشاعر المتناسلة في حبسها، اليوم قلت لن أضيع المزيد من الوقت، فربما لا أملك الكثير منه لأهدره على لا شئ، ليس من الضروري أن أبدأ من البداية، كل الأزمان صالحة للبدء منها، و الأسهل توسط الحاضر أولاً ثم تركه ليتسرب شيئاً فشيئاً بالتوازي نحو الماضي و المستقبل، سأقنع نفسي أنه سيكون من الممتع أكثر أن أقول الأشياء كيفما كان، مقصوصة مثل قطع أحجية يلزم تجميعها و رصها بأمكانها الصحيحة حتى تظهر الصورة الكاملة، ستبقى هناك بعض القطع المفقودة، و لكنها ليست من تلك التي تؤثر على اكتمال المشهد، سيبدو واضحاً رغم ذلك، ثغرة من هنا و أخرى من هناك، ستخلفها القطع التي كان يتم التخلص منها ما بين عملية تنظيف و أخرى، لا لشئ سوى كونها مهترئة !

2 thoughts on “أنا أقول: كُلُ الأزمنةِ تَصْلح لصنعِ “بدايات”.

  1. البداية التي ابحث عنها منذ اشهر و مازلت الا الآن لم اجدها

    الضياع هو من يجعلها بعيدة و مستحيلة و من الصعب البدء بها .. الضياع يجرني الى الضياع و يبعد البداية عني

    استمري يا صابرين فانتي امل و تفاؤل بالنسبة لي .. استمري و ان شاءالله اكون خلفك و ابدأ مثلك

    إعجاب

    • دارين يا صغيرتي، حسبت بأنك نجحت بمعرفة أي الخيارات على الأقل ستضعينها بقائمتك من أجل دراستها، من بعد حديثنا ذاك، لا بأس حتى لو لم تفعلي حتى الآن، لا تدعي القلق يدفعك نحو اتخاذ قرار متعجل، فالحياة ليست لعبة محددة بوقت، و ليس من السئ أن يتوقف الإنسان عن فعل أي شئ حين تتغبش رؤيته بانتظار أن يتضح الطريق أمامه، و إن كنت من الذين يخنقهم الشعور بالذنب و يعجزون عن الاستمتاع بحالة عدم فعل أي شئ، فبإمكانك التشاغل بأمور أخرى لا تستهلك من تركيزك إلا بما يكفي لتصريف الفائض من طاقتك. أوقات الإنتظار نعمة متى ما تعلمنا كيف نملأها بما يرفع من استعدادنا لما سيأتي لاحقا بوقته.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s