لا أنـــام…

و ما الجديد؟! ألم أخبركم بذلك من قبل؟! و مع هذا توجب أن يتم التحقق من ذلك بالطريقة الصعبة.

عند السابعة مساءً أنهيت تناول قطعة خبز مع كوب كبير من الشاي ما زلت أستحضر استمتاعي العارم بارتشافه حاراً حتى أخر قطرة، بينما كنت أقرأ مقدمة “حياة باي”/ يان مارتل، التي لم أقاوم اشتياقي الجارف لإعادة قراءتها بعد أكثر من ست سنوات مضت على قرائتي الأولى لها، و هذه النزوة تتضمن رغبة غريبة بالعودة لقراءات ثانية من عدة روايات مرت على قرائتي لها سنوات، منها “جامع العوالم”/ إيليا ترويانوف، “اللوح الأزرق”/ جيلبرت سينويه، “رحلة بالدسار”/ أمين معلوف، بل حتى ثلاثية “مباريات الجوع”/ سوزان كولينز، و التي قرأت أجزائها متتالية في ٢٠١٠- ٢٠١١- ٢٠١٢ أحس بأنني لو رجعت لها الآن فعلى الأرجح سيستغرقني الشغف نفسه معها مثل أول مرة. لا أعلم ربما أفتش عن ذلك الشعور الغامر بالحركة بمعناها الداخلي و الخارجي كذلك، النضال في سبيل التفرد و التقارب على حد سواء، مرافقة الذين لم يشبهوا إلا أنفسهم ثم لم يختلفوا عن أحد… هذه هي ماهية الأدب كما رآها “مارتل”: تحويل الواقع بشكل انتقائي و تحريفه للوصول إلى جوهره”.

عند السابعة و النصف بدأت عملية وصلي بشبكة من الأسلاك بواسطة أقراص معدنية يتم إلصاقها بالجلد بمادة غرائية ما زالت علامات إزالتها موزعة ببقع متفرقة من جسمي، و كتل منها لا أعرف بعد كيف سأتمكن من إزالتها من شعري! مراقبتي لشريط القياس و هو يتحرك من فوق رأسي حتى منتصف قدمي لتسجيل أبعاد أجزاء معينة من أجل تحديد مواقع الشك، أعادت الي الشعور بالغرابة، نفسه الذي اعتراني قبل أسبوع عندما كنت أراقب إبرة بنهاية خيط و هي ترتفع لتمر أمام ناظري ثم تنخفض، و أنا أعلم بأنني حين لا أراها فإنها تكون تخترق نسيج جلدي المقصوص لإعادة خياطته، ذلك كان تفصيل الباترون، و الآن نحن بمرحلة التطريز التي حولتني إلى ما يشبه ثوب عرس فتاة ريفية في الرابعة عشر قام والدها بانتزاعها من مقعدها المدرسي لتزويجها بأحد أصدقائه. أحمر و أصفر، أزرق و أخضر، أسود و أبيض، كريمي و رمادي، وردي، هذه هي الألوان التي كانت تغلفني، بحثت و لم أجد شريطاً باللون البرتقالي!

عند الثامنة و النصف كان يتم رصي أنا و الجهاز، الذي أمسيت مجرد جزء منه، على الفراش، زميلٌ لفنيةِ اضطرابات النوم المكلفة بمراقبتي يمر للترفيه عنها على ما بدا لي، لأن ثرثرته و ضحكه أثارا استهجاني، فبقيت أحدق بالسقف بانتظار حلول الوقت الذي سمعته يخبرها بأنه مغادرٌ فيه، التاسعة و النصف، عرفت ذلك لأنني سمعت توديعه لها. على مرمى بصري في أعلى زواية في السقف على جانبي الأيسر، يوجد الجهاز الذي خمنت بأنه آلة التصوير، به شئ مضئ باللون الأحمر على شكل حبيبات، حاولت بأقصى جهدي و لكن لم أتمكن من معرفة عددها، تمنيت لو أنها تركت نظارتي بمتناول يدي و لكنها وضعتها بمكان مرتفع عني. أمامي جهاز المايكرفون على شكل أنبوب معلق بالسقف، قررت التحديق به حتى يغلبني النوم. ماذا حصل؟! لقد كنت أتثاءب و أدافع النعاس منذ ما بعد الظهر، و الآن عيني تبحلق في الظلام و تميز كل ما حولها مثل الخفاش!

لم أنتبه للوقت و لكن يبدو بأنه كان قرب منتصف الليل عندما اندفعت مراقبتي و أشعلت النور لتقوم بتعديل وصلةٍ ظَهَرَ لها على شاشة المراقبة بأنها انفصلت، تباً! قاطعت غفوة لا أدري حتى كيف تمكنت من الحصول عليها. خَرَجَتْ بعد أن قلبتني مثل جثة لا حول لها و لا قوة و كبست على كل ما حسبت أنه أحتاج لضغط إضافي ليثبت مكانه. عدنا لما تحت الصفر، الوسادة عالية جداً و رقبتي منزعجة، تخلصت منها، أطرافي متجمدة من البرودة، طويت الأغطية لأزيد سماكتها، و ما زالت عيني مثل كشاف في الظلام، أحاول تخمين ما قد تكون منشغلة به في الخارج و أتساءل كيف تتحمل قضاء الليل كله بمراقبة “نائم” و أفكر “يا للعذاب”! و لكن ما الذي تفعله الآن؟ تقرأ؟ تلعب؟ تدردش إلكترونياً؟ لا يعقل أنها تكرس كل حواسها لمتابعة نومي (أو عدم نومي)! لا يفعل الإنسان ذلك إلا مع أقرب الناس لقلبه، أنا نفسي كنت أفعلها مع جدي قبل مغادرته الحياة.

عند نقطة معينة من أرقي كان لا بد أن أصل للمحتوم، و لكن كيف و أنا لم أجرؤ حتى على شرب رشفة ماء قبل النوم حتى لا يحدث ذلك؟! و كوب الشاي الكبير الذي شربته كان قبل ساعات و من المفترض أنه أنتهى خلال جولتين قمت بهما إلى هناك! أحاول صرف تركيزي عن الأمر و أبدأ باسترجاع تفاصيل رحلتي الآخيرة إلى “دبي” و التي انتهت بموقف مشابه، ذهني قادني للعودة للنقطة التي انطلقت منها! و بينما أنا أناشد الشمس أن تستعجل الشروق و ألتمس طريقة تتيح لي معرفة الوقت أو تمكنني من رؤية النور حين يطلع الصباح، باغتتني رفيقةَ ليلي باقتحامها الغرفة لتخبرني بأنه ربما يجب أن تصطحبني إلى هناك!!! أول ما طرأ على بالي هو أن أسألها كيف عرفت ذلك إلا أنني كنت في حالة طارئة.

بقيت بعدها أفكر حول هل يمكنها بالفعل معرفة ما يدور برأسي و أكبت ضحكة كانت تعاند لتنفجر و أنا أتصور إطّلاعَها على كل ما فَكَّرت فيه و أتخيل ما سيكون رأيها حيال كل تخاريف الساعات الماضية، ثم طمأنت نفسي بأنها لو رأت كل شي فلن يكون تحويلي القادم إلا على “النفسية” و هو المبنى الذي يكاد يقتلني الفضول لدخوله بأي ذريعة، لأنه المكان الملئ حتما بالحكايا المختلفة التي لا تقدر بثمن.

وصلت إلى الحد الذي لو كنت فيه بالمنزل، لاستسلمت و نهضت لصنع كوب شاي مع كتاب، و لكنني كنت يائسة إلى الحد الذي ندمت فيه على عدم حملي أي كتاب، و كل الأجهزة مغلقة و بعيدة عني، اختنقت، جاءت لمساعدتي على بخ الدواء بأنفي، قلت سأتظاهر بالنوم، و لكنني احترت كيف يمكن للمستيقظ التظاهر بالنوم بغير إغماض عينيه؟! قررت، غداً سأبحث في الإنترنت و أحاول تعلم كيف أتظاهر بالنوم بشكل يخدع حتى الأجهزة. و لكنني على أية حال سأمثل الشكل الظاهري للنوم، أغمضت عيني و أخذت أردد “أنا نائمة، أنا نائمة، أنا نائمة…”، عرفت لاحقاً بأنني نجحت بالغرق في نوم عميق بعد أن كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة فجراً.

تم إيقاظي عند السادسة، أول رنة من الجهاز تجاهلتها و لم أفتح عيني، الثانية أجبرتني على فتح عيني و لكنني أردت المواصلة، فكان لا بد من أن ينفتح الباب على وجه تلك التي لم تنم من أجل أن أنام، و “صباح الخير” بصوت صاخب، ثم عذاب إزالة كل ما هو ملتصق بي بسحبه بشدة ثم سكب “الأسيتون” و فرك اللاصق حتى يتلاشى بعد أن يترك مكانه للخدوش حتى على وجهي الذي اعتذرت لي بأمنيتها بألا يتضرر إلى الحد الذي يشوه “لطفه”، إشارة إلى أن العلامات قد لا تتلاشى بشكل تام.

بعد الإنتهاء من طقوسي الصباحية لما بعد الإستيقاظ، لم يكن لدي رغبة إلا بالأكل، و بدا لي الطريق طويلاً جداً ما بين غرفة “النوم” و المقهى، لم أنتبه حتى كيف تمكنت من قطع كل تلك المسافة بِعَرَجِي الذي زادني بطئاً، خصوصاً بعد أن أزلنا القطب و بات الحكاك أشد و الألم أحَّدْ. كوب “كابتشينو” استحققته بجدارة و نصف فطيرة الجبن الأصفر بالطماطم و الخس (النصف الآخر وقع مني و لم أتمكن من الإنحناء لالتقاطه)، أخبرت العامل بالمقهى بأنني لا أستطيع حمل الطبق و المشي في الوقت نفسه، و لكنه ربما لم يفهم ما أقول أو لم يُرِد المساعدة فتغافل، اضطررت لأخذها بيدي و لم أعلم بأنه قد قام بقطعها من المنتصف، وقع جزء من قلبي معها فقد كانت شهية بسخونتها، أو ربما لأنها أول ما يدخل جوفي بعد ليلة العذاب تلك، تأكدت من حماقة العامل حين أخبرته بما حصل فسألني متى أريد الثانية أن تكون جاهزة لأخذها حتى لا يُحَضَّرها و تبقى لمدة لديه (كلا لم يكن قصده أن يعوضني عنها فليس له هذا المقدار من الصلاحيات، و هو تابع لشركة خدمات مالية معروفة تقوم بالتأمين لعامليها دون أن تسمح لهم باستلام بطاقات التأمين حتى لا يستهلكوا شيئا من منافعها)!

ختمت هذا الصباح بعد أن قام الطبيب بمعاينة جرحي عند العاشرة تقريباً ليمدد على إثر ذلك إجازتي “الإستشفائية” و ليس “المَرضية”، و مباشرة بعد ختم التقرير غادرت المشفى بمشاعر من يغادر بيته مؤقتاً و هو يعلم متى سيعود إليه، فما زالت قائمة مواعيد مراجعاتي تغطي الأربعة أشهر القادمة حتى الآن.

الأحد 23/6/2013

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s