حين ننسى الراحلين،

هذا هو “الموت”. فقط أن ننساهم. النسيان فيه موتنا و موتهم، غير ذلك هم أحياء (فينا):

حين تصنع شطيرتين مُتَظَاهِراً بأنك لست وحدك، تأكل الأولى مُتَمَهِلاً بترقب أن يحضر أيٌ من الذين طوتهم الأرض، ثم حين لا فرجة تلوح بنهاية ظلام انتظارك، تتناول الثانية مُتَلَبَساً بما تفترض أن إحساس مُختارَك سيكون عليه، كان ليشعر بكذا و يفكر بكذا و يقول كذا… تبدأ بالتحرك و التموضع مثله، و التكلم بصوته…

و حين تقضم من الأشياء الحلوة نصفها لتترك النصف الثاني لغائبٍ لا يعود، تعيد لفها بغلافها و تضعها بالمكان الذي كان يحوي فوضى لوازمه الصغيرة، و تراقب كل يوم هل اختفت أم ما زال لم يعثر عليها، و بعد مدة كافية لجعلها غير صالحة للاستهلاك (الآدمي) تتخلص منها كي لا تمتد لها يد أحد الباقيين فيتضرر…

يزورني الأموات الذين نسيهم أحبابهم، لا يفهمون كيف يحصل النسيان و هم بمكانٍ كل الذي فيه “الذاكرة”… لا يفهمون، و لا أنا أفهم، فأنا لا أتذكر “مفقوديني” لأنني لا أنساهم، في شئ أكثر من مجرد سيرة قديمة محفورة في الذاكرة، أجعل لهم حضوراً ثابتاً في تفاصيل أيامي، أعيد خلق عمرٍ جديد يكملونه معي…

و يبقى لا يدري أحد و لا يحاول أن يدري كيف أحيا برفقة أطيافي العزيزة الأقرب لي من كل الموجودين في حيزي الزماني و المكاني ذاته. و كيف لهم ملاحظة ما ليس مرئياً لهم؟ لا ألومهم! لأنه لن يمكن لأحد منهم و هم على ما هم عليه من انشغال بهمومهم الذاتية أن يفكر أن كل هذا الهدوء الظاهر مني يمكن أن يكون منطوياً على قلقٍ عظيم، وجود موازٍ لوجودهم، عالم بداخلي فيه ناسه و أشيائه و أحداثه… كلا لن يحدس أحد كيف وراء كل رباطة جأشي هذه هناك خوف يكتسح مفاصلي حيال احتمالات مجهولة. و هل ألوم من هو هانئ بنعمة “النسيان” فقط لأن صخب ذاكرتي المزدحمة يفصلني عن عالمهم و يغطي حواسي عن رؤيتهم، سماعهم، أو حتى التظاهر بالانتباه لحضورهم؟!

أن تكون نزيهاً، مخلصاً، مُحِباً، و شجاع؟ أنت مريض!


مريض جداً و عليك أن تلتمس العلاج من أمراضك (ربما لن يكفي التعرض للشمس بكثرة و الهرولة كل يوم لنصف ساعة). ضع في اعتبارك أنك إذا أردت أن تكون جزءاَ من هذا العالم التنافسي الذي يتعامل مع “الدنيا” مثل مسابقة ينبغي ربحها مهما كانت الوسائل، فسوف لن تؤهلك صفاتك تلك لخوض مبارياتها العنيفة التي لم يتم صياغة قوانينها إلا لتُخْرَق على ما يبدو، و هذا ما لن تفهمه، و لكن حين تُعْلِن أنك باختيارك الواعي ترفض المشاركة بها فلن يعتبرك الناس نزيهاً و لا شجاعاً، بل سيصفونك بالأحمق المتهور، و أنت تعاني نقصاً حاداً في هرمونات النفاق و لا تقبل أن تصدق أنه لا سبيل آخر للوصول (السريع)، و يسألونك دائماً لماذا تميل لسلوك الطريق الأصعب و السهل مُتَاح و شاسع و مزدحم، لن يمنعك أحد عنه أو يستهجنك أو يُدينك، فهذه هي مُسَوِغات “اللعبة” و الجميع اتفقوا على السكوت عنها، تمريرها، و التقاطها من بعضهم البعض كلما سنحت الفرصة و غفل أحدهم عن كتلته من “الجبنة” المتعفنة.

الكائنات التي تُولد و تنمو و تعيش بالكتب، يتحتم عليهم التعامل مع صعوبات حقيقية بمسألة الانسجام مع الناس، المجتمع، المحيط الواقعي… و محاولات التكيف تلك، إما تنتهي بالتقوقع على الذات و بناء دروع إضافية لصد الألم الغير مرغوب به، أن ترفض العالم احترازاً من أن يلفظك فيُخدش كبريائك، أن تتحصن بالقسوة و الجفاف و الفظاظة “إِلَّمْ تكن ذئبا أكلتك الذئاب”… أو أن تتحول لعملية ترويض (غاندية) مستمرة، تتطلب منك ضبطاً ذاتياً قوياً، و تطوير أهداف واعية تسير بخط “التعايش السلمي” و الاجتهاد بتشذيب الحواف الحادة لخيالك (الأفلاطوني) أو على الأقل إخفائه تحت وسادتك كلما خرجت من مساحتك لعالمهم. لا أقترح احتراف لعبة الأقنعة، بل فقط التدرب على مخاطبة الناس (و مخالطتهم) بلغتهم، لا يعني ذلك أنك لن تصطدم من وقت لآخر بمفاهيم معقدة ببساطتها الساذجة إلى الحد الذي لا تتمكن من استساغتها و مع هذا بشئ من المِران سيمكنك ازدرادها بسرعة ثم تركها تمضي كيفما كان، لا مشكلة فكل الإنسان (ليس فقط الجسم) مصمم على كفاءة عالية للترميم الذاتي.

أحتاج إجازة @&@

الأعراض التي أعاني منها لا تظهر إلا لدى من لم ينقطع بإجازة منذ… لا يمكنني حتى أن أتذكر، الظاهر لدي رصيد سنتين، أكثر قليلاً، من الأيام المستحقة، حصلت على أسبوع راحة قبل شهر و لكنه لم يكن ممتعاً لأنني كنت أتعافى و لايمكنني الحركة، لا تُحْتَسب إجازة حين تكون خارجاً من عملية جراحية! ثم لم أتمكن من الحركة فَمَدَّدتها لأسبوع تالي لم أنل فيه فرصة لالتقاط أنفاسي، لأنه حين تكون محبوباً فإن “الواجب” يُحَتِم عليك أن تدفع ثمن قلقهم عليك بأن تتحامل على نفسك لتريهم بأنك بخير، فتحضر التجمعات و تستقبل الأحباب و تتعرض للضربات و الاحتكاكات على جرحك الذي لم يلتئم بعد، و تضحك لتخفي توجعك… عدت بعدها للعمل بحالٍ أسوأ و قاومت أخذ أي أيام راحة و قررت أن تظاهري بالانشغال هو ما سيعطيني المساحة للاستشفاء، فلا يمكنك أن تكون “متوفراً” متفرغاً لعمل لا شئ سوى الإستلقاء و التحديق بالسقف و التساؤل متى ستستطيع على الأقل التقلب من جانب لجانب ثم يكون لك عذر يمنعك من رؤية الذين يودون رؤيتك، لن تتمكن من جعلهم يفهمون أبداً.

لنرى… قبل ذلك طلبت التمتع بجزء من رصيدي المتراكم، كان ذلك بين شهري يناير و فبراير، أردت شهراً، و كانت لتكون سابقة بالنسبة لي، ثم خفضتها لاسبوعين، و أيضاً تم رفضها، فخرجت لأسبوع من أجل “عرس” إحدى قريباتي، و هذا أيضاً لا يُحتسب، غير أنه تم رفضه و مع هذا تغيبت فيه، كان مُرهقاً جداً ما بين التحضيرات السابقة و اللاحقة له، مجرد أيام أخرى ليست لي! هكذا خلال ست سنوات و نصف، لم أجرب مرة كيف عندما يبتعد إنسان عن مشاغله، مسؤولياته و التزاماته، لمدة شهر أو شهرين، أو عشرين يوماً لا بأس، لنفسه فقط، لا لأنه مضطر لإنجاز أعمال أخرى يحتاج التفرغ لها. هكذا، تخرجت من الجامعة، ثم التحقت بالعمل بعد فترة وجيزة، و ما زلت لا أعرف ما معنى “إجازة”، رغم أنني كنت أستهلك أرصدتي، إلا أنها كانت تذهب في سبيل تأدية امتحاناتي أو إنجاز برامجي التدريبية أو حضور مؤتمراتي، و حتى رحلاتي الخارجية (للترفيه) تكون مُخْتَلَسَة و مُختَصَرة (بنهايات الأسابيع). و الآن، أنا أريد إجازة (و أنتبه إلى أنني أقولها من بين أسناني و أمد حروفها بعصبية)!

قلت سأصمد حتى نهاية هذا العام فقط، و لكنني أشعر بأني قريبة جداً من الانهيار و يكاد صبري ينفذ. فكرتي كانت أنني لو تحدثت بأي أمر له علاقة ب”إجازة” فسوف أجعلهم يتذكرون ذلك الأسبوع الذي اغتصبته منهم رغم عدم الموافقة، و قد مر بسلام تقريباً، و ما زال صمت مريب يلف ملابساته بالغرابة، حيث لم يحصل و لا مرة بعده أن أقدم أحدهم على إثارة موضوعه معي (لا كتابياً و لا شفهياً) و أخشى أن أتسبب بفتح مناقشته ثم لا يكون الأمر لصالحي، ففكرت ربما بنهاية العام تسقط القضية بفعل التقادم، كلا لم يخبرني أحد بهذه النصيحة و لم أسأل المشورة من أحد، نعم توصلت لها بدهائي 🙂 ثم، ربما، لن يعتبرني البعض مستحقة للإجازة و أنا أعاني أصلاً من هبوط ضغط العمل و قلة الجهد المبذول، نعم أنا أطالب بأن أتعب، أنا محبطة لأن جهدي قَلْ، بل أشعر بالإنهاك ليل نهار، من لا شئ، و آكل كثيراً و لا أنام، أحتاج هواءاً جديداً، الجمود يقتلني، أحتاج كارثة أعمل على معالجة نتائجها، أحتاج أزمة أنشغل بالتعامل معها، أو فقط “إجازة”!

على فكرة، و بدون مناسبة:

ثلاثُ سنين ثلاثُ سنينْ..
و أنتَ تردّد في مسمعيّا..
كلاماً حنوناً.. كلاماً شهيّا..
و تزرعُ حبّك في رئتيّا..
و ها أنتَ.. بعد ثلاث سنينْ.
تبيعُ الهوى.. و تبيعُ الحنينْ.
و تترك شَعْري.. شقيّاً.. شقيّا..
كطيرٍ جريحٍ على كتفيا

يَحْصل الإنسان على أولوياته و على ما يُكَّرِس نفسه له،

و بقية الأشياء لا تقع لمجرد رغبتك بها.

في يوم الخميس (قبل يومين)، و بعد مرور أسبوعين على المفاوضات التي جَرَت بيني و بين مُعِد العرض الذي يُفترض به استقطابي للعمل مع شركة أخرى، أرسلت بريداً الكترونياً أخبره فيه بأنني أفهم بأنه (بعد عدم تلقي أي إجابة لهذه الفترة الطويلة) ليس من المتوقع أن نكون قد توصلنا لاتفاق إيجابي، إلا أنني سأُقَدِر تكرمه بإرسال كتاب رسمي يتضمن الجواب، و كان ذلك ألطف بكثير مما دار برأسي حول انعدام اللباقة (أو الكفاءة) التي تنطوي عليها مسألة التجاهل (أو الإهمال)، ثم لم يكن أسهل عليه من إرسال ذلك الرد المعلب (نموذج مسبق التحضير، مثل نموذج العرض الذي لم يتم تعديله منذ لا أدري متى و كنت قد تلقيت تصحيحاً على ثلاثة أمور تَضَمَنَها كنت قد أبديت تحفظي عليها، و كان الاعتذار على كل منها بأنها تغيرت منذ مدة و لكننا “ما انتبهنا نغيرها”!)

كلا لم يمكنني التنازل لأي بند قد يقلل من احترامي، فلم يعد لدي ما أريد إثباته عند هذه النقطة من مساري المهني، و إن تم وضع أي شرط يرمي لإرغامي على أن أثبت شيئاً، لا أجدني مضطرة للرضوخ إليه، و حتى ذلك المبلغ الذي أصررت على عدم النزول عنه (و هو أجري الحالي في الواقع)، أقولها بتواضع، ليس حتى قريباً من سعري، و لكنه كان لِيُقَدِم لي برهاناً على الأقل بثقتهم بما لدي، بمستقبلي، و بما يمكنني إضافته لأي مكان أكون فيه. أما ذلك التمييز الذكوري الذي كان يسحقني قهراً ببداية حياتي العملية فهو أمر اعتدته و تعلمت التعامل معه بطريقتي، و هو شئ لن ينتهي يوماً، كلنا نعلم ذلك، فلو كان سيختفي من أي مكان لَشُفِيَت منه البيوت أولاً فضلاً عن ساحات الحياة الأخرى. فكل الأمر أنني كنت أنا، و بقيت أنا، لا أتصنع لأنني أثق بما أنا عليه، و كل أحد يريد أن يكون نفسه و لا يجعلهم يرون منه ٱلا ما في نفسه (الإنسان المُدَّعِي لا يمكن أن يكون مرتاحاً مع نفسه بالمناسبة).

و الآن، لست على عجلة من أمري، و لم أكن يوماً، و لكنني لست بموقعي و أضطر كل يوم لإبقاء رأسي منخفضاً فقط ليسعني المكان الذي سقفه أدنى بكثير من تطلعاتي العالية، و الأمل بالتغيير ينعدم حين يبلغني تعبير الإدارة عن كوني أكبر منهم و بأنني خسارة فيهم (هم يقولون!)، أي بصراحة هي مشكلتي و ليست بيدهم حيلة فما قَصَّروا معي من قبل و كان لهم الفضل بإطلاق يدي لعمل كل ما أردت حتى بلغت أقصى ما سيمكنني بلوغه معهم، و حتى محاولات إبقائي ليست إلا من باب التقدير المبالغ به (بالنسبة لي)، فلست من الصنف الذي يتحمل الجلوس دون حراك، و مسألة أن أنال أجراً مقابل تقطيع وقتي بشغله بما يروق لي هي أعقد مما يمكن لي معالجته، و المخاطرة هنا تكون باعتياد الخمول و فقد اللياقة. إدارتي الحالية أبوية، تميل لتسيير الأمور بمنطق الرجولية (بالأعراف الاجتماعية) و هذا ما يجعلني في حجم أقل من أن يجعلني بالكاد مرئية إلا حين أسبق الجميع، في مكان يأتي فيه جميع الذكور أولاً ثم لو تبقى مكان للحديث عن المؤهلات و الكفاءات فلا بأس، و غالباً لا يتبقى مجال للترجيح بمفاضلة مثل هذه.

جو العائلة الواحدة هذا ينسف كل الفرص العادلة، و لكنه يغرز فيك حس الانتماء و الولاء فتتشبث بطبيعتك الوفية في صراعك مع حنقك، أقصى ما قد يدفعك إليه الاستياء هو المغادرة مُخَيَب الآمال. بينما حسبت بأن انتقالي لبيئة معيارها الاحترافية و المهارة و التأثير سيضعني بمكاني، نسيت بأن كل القيم تتبدل بمجرد مواجهة ذكر (سعودي) مقتنع على الأرجح بأن الطبيعة ميزته علي و بأنه متفوق بذكورته على أي شئ قد أتفوق فيه عليه، و على الأغلب يشعر بأنه مُزَاحَم في عالمه بالكائنات التي لم يعتد النظر إليها بِنِدِّيَة و احترام (و إنسانية).

أذكر أحد الشركات كانت تحت التأسيس بنهاية العام ٢٠٠٩ وهي قائمة الآن، و لا أعلم كيف تم طلبي لها، و حين ذهبت للمقابلة كان لديهم موظف “سعودي” واحد فقط و البقية هم من ناتج عملية الاندماج التي وُلِدَت بها هذه الشركة، ثم عندما ذهبت في المرة الثانية لرؤية العرض كان قد اختفى، و أخبروني بأنه استقال معترضاً على توظيف “أنثى” حتى و هو يدري بأنها لقسم مستقل، و المثير للسخرية هو أنني لم أنتقل لأنه كان مجرد عرض مُشَكِك برقم مجحف (كالعادة) في اعتقاد من الشركات بأنها تتذاكى بتعيين فتيات بثلث رواتب الشباب يساهمن بتحسين نسبتها من التوطين (السعودة) و يشتغلن بضعفي المجهود (إنها سطوة الأحكام المسبقة و المواقف المعلبة).

التخوف بالبداية كان مُبَرَراً لأنه كان مُرافقاً لاختبار المجهول، مع أن تجربة المصارف متقدمة قليلاً و لكن باختلافات جعلتها أسهل لأنها محددة بأقسام منفصلة بمثابة واجهة استقبال لا ارتباط لها بتنفيذ العمليات، و الشركات الأجنبية العاملة في السعودية سبقت إليه ببضع سنين، و أيضاً هي ليست معياراً لأن بيئة الإنتاج فيها مختلفة حتى بالنسبة للذكور و الانسجام فيها هدف عام لا يشبه الاستنفار الطارئ الذي وجدت الشركات المساهمة نفسها تواجهه فجأة بمرسوم ملكي و مميزات إجرائية مُعَلَّقة على حجم الإقبال عليه أو الإحجام عنه.

ما بين قرار مجلس الوزراء (120) في 2006 الصادر بتوجيه ملكي حول زيادة فرص و توسيع مجالات عمل “السعوديات” حتى اليوم، حدث الكثير من المتغيرات و تم اختبار الأمر بنتائج سلبية بمعظمها، بسبب فئات من الفتيات خرجن للعمل و هن يُنشدن إما تزجية الوقت لحين معرفة ما سيطرأ على حياتهن، أو تجنباً للملل الناجم عن الفراغ من أي التزام، أو الانفلات من رقابة الأهل من باب التغيير، أو لعوز مادي يتحملن جزءاً من مسؤولية سَدِه بضغطٍ من عوائلهن. و قد زامَلْت تلك الأنواع و بإمكاني صنع مسلسلات حول طرائف (و فضائح) الفترات التي انتسبن خلالها للوظيفة، و لكن الآن، لم يتبقى من تلك النوعية إلا القليل، فهذه الأصناف لا تستمر، و لا يمكنها الاستمرار مهما حاولت، هنا يمكننا أن نعتبر الناجيات منا، الصامدات حتى الآن، هن صاحبات الأهداف (الحقيقية)، ذوات الاستعداد العالي و الميل الطبيعي للاجتهاد، اللواتي يبرعن بوضع أنفسهن رزمة كاملة في خانة الأرباح لا النفقات، و لذلك يتضاعف شعوري بالقرف من الذين ما زالوا يعاملوننا بارتياب يظهر على شكل تمييز مقيت و معاملة مُتشككة حول ما إذا كانت قيمتنا على قدر التكاليف المرصودة لنا أم أننا مجرد مشروع تجربة احتمالات فشلها أكبر من نجاحها، فلا عذر لهم الآن، و قد التمسنا لهم العذر من أجل الإساءات الماضية.

ماذا الآن هل علينا أن ندفع لهم مقابل اهتمامنا و محبتنا أيضا؟!

أن تستيقظ يوما لتكتشف بأنك إنسان المشاريع المؤجلة، بل إن عمرك مجرد مشاريع لا تكتمل، و أنت لست أولوية لدى أحد، و كلهم أولويات لديك، عندما تكون مجرد طقس عبور عليهم المرور من خلاله للتطهر من عبث الذي كان قبل الإنتقال للمرحلة اللاحقة، و أنت محطة توقف ينتظرون فيها موعد استئناف رحلاتهم. جزء منك كائن في دنيا كل أحد (على الهامش) و ليسوا هم جزء من حياتك. يتم كنسك نحو مزابل النسيان كلما توجب عليهم تنظيف بيوتهم لاستقبال زائرين جدد حضورهم يغدو أهم لأنه ليس دائم، و أنت متوفر دائما عند الحاجة، لا تنفذ و لا تنتهي صلاحيتك، بكل وقت و لأي شئ…

ماذا حصل للعرفان، للحب الغير مشروط؟! غريب أمر مجتمع تضطر فيه لشراء رضاه عنك! أغرب منه أحباء لا تنال قبولهم دون رشوة!

جوع الثور؟!!


يُقال بأن هذا هو معنى “البوليميا” (يونانية)، و المقصود بها الشراهة العصبية، و لا أفهم لِمَ تم تشبيهها بجوع الثور تحديداً! لماذا ليس “البقرة” أو “الفيل”؟ ربما لأن “الثور” يميل للعنف! و لكن في حالتي سأُفَضِل أن أشبه “الخروف” في حالة تسمينه قبل ذبحه. و قد بَدَأَت انتكاستي هذه منذ ما يقارب الشهرين، و لم أقم بربطها بالبداية بأي توتر (مثلها مثل عجزي عن النوم) في محاولة للتغاضي عن أية تهمة بالقلق قد أقبض على نفسي متلبسة بها كوني لا أسمح لنفسي بالإستسلام للمخاوف. و هكذا تجاهلت الأمر حتى تفاقم، دائرة مزعجة من الإندفاع بالتهام أنواع من المأكولات كانت محذوفة حتى من على هامش نظامي الغذائي ثم العجز عن النوم بنوبة طاقة مفرطة لا يسمح لي إنهاكي بتفريغها في أنشطة كافية. ثم انتبهت للرقم على الميزان، و كان رقماً لم أره منذ سنوات طويلة جوعت نفسي فيها دون تساهل فقط لأبقي هيئتي فيها مقبولة لدى مرآة ذاتي. ذلك التجويع كان رد فعل مبالغ فيه من قِبِلي نتيجة معاناتي في جميع سنوات طفولتي المبكرة من الإساءات المتعلقة بوزني الزائد حتى تدمر كل تقديري لوجودي و تم إقناعي بأنني أقرب لعاهة ما كان ينبغي لها أن تُوجد بهذه الصورة، و حين صَدَّقْت تماماً بأنني مذنبة، كانت الطريقة الوحيدة للتكفير عن جُرمِي، لتجنب اللوم و التقريع و التحقير هي بدخولي طوعاً نفق الجوع الإرادي لأنني كرهت مواصلة العيش و الشعور بالعار يكسر كل ما بداخلي، و انعكس رفضي لما أنا عليه بكراهية موجهة نحو الأكل، نفور من معظم أصناف الطعام و الإكتفاء بمواد محدودة، كما مررت بفترات عافت فيها كل حواسي أي أكل، و فترات من العيش على السوائل فقط، هكذا لسنوات، تَبَّدَل خلالها موقف البعض مني، للبعض صرت مرئية أكثر من قبل (و أحلى)، و تغير حنق البعض إلى استحسان، و تطرف البعض بمناشدتي أن أعتني بصحتي و أعود كما كنت! و لكنني كنت قد بلغت الوجهة التي لا عودة منها. نسيت كيف يكون الإحساس بالشبع، لسنوات، لا أذكر تحديداً متى بدأ ذلك و لكنني أعرف كيف لم أعد أشعر سوى بالجوع. الجوع لكل شئ، جسدي جائع، و روحي جائعة أكثر، و عقلي جائع أكثر شئ. جوعت نفسي لأُريهم كم جعلوني أكره حياتي و أرجو الموت كلما رأيت نظراتهم و سمعت تعليقاتهم و تلقيت من أياديهم الوجع. و قد كانت توطنت نفسي على الأمر و اعتادته حتى صار أسلوب حياة مندمج بكل عاداتي و توقفت عن شغل تفكيري به. و لكنني الآن أمر بنوبة نهم مُرعبة، و آكل و لا أنام، و حين لا أتمكن من النوم أعود للأكل، و وزني زاد خلالي شهرين اثنين بنسبة 5% فوق الحد الأعلى المسموح لي، (كنت قد نَظَمت المسألة بيني و بين نفسي بوضع حد أدنى و حد أعلى مسموح لي التذبذب فيما بينهما)، و أشعر بالثقل و الضيق و لإختناق مثل بطانية قديمة مطوية، و لكنني لا أبذل جهداً لإيقاف الأمر لأنني اكتشفت بأنني أعرف السبب، و لن يمكنني التعامل معه إلا حين أكون قد تعاملت مع السبب، و أدري بأن النتيجة الحاسمة التي أترقب متى يقوم طبيبي بإخباري بها سوف تحدد ما إذا كنت سأعود لمعالجة هذا السُعَار المؤذي الآخذ بالتفاقم أم سأقرر بأنني لن أكترث و سأعيش البقية من عمري بذهنية السائح الذي لا يكبح نزواته (المُباحة) استمتاعاً بتواجده المؤقت في بلد جميل مقابل تعهده أن يَعود لنظامه و يُعيد ترتيب تفاصيله بعد رجوعه من رحلته. و إلم يعد؟ لا بأس. سيكون عاش أياماً جيدة.

قصة قديمة!

عثرت عليها و أنا أُقلِب في ركام أعمالي الغير مكتملة (و هي كثيرة)، تعود لشهر أبريل من العام 2010 حيث كنت أحاول تحضير مجموعة قصص قصيرة لتسليمها من أجل المشاركة بمسابقة “سعاد الصباح” فئة القصة القصيرة، و لكنني لم أتمكن من التفرغ حتى إتمام العشرين نصاً المطلوبة، لم يسعني الحماس سوى لإنجاز أربع قصص، و كانت الخطوة الأصعب دائماً في اختيار “الموضوع”، ليس “العنوان” بل الفكرة، القضية التي علي أن أجعلها محور الحبكة، مع أن ثمة الكثير مما أود الكتابة عنه، و لكنها مشكلتي بالعجز عن “الكتابة” تحت الطلب، و هي أزمة عانيت منها باختبارات “التعبير” المدرسية (في المراحل المتقدمة).

ففي المرحلة “الابتدائية” دَاوَمَت معلمة اللغة العربية على إرسالي في كل حصة تسليم للمواضيع المطلوب إنشاءها إلى خارج الصف، و لا ترافقني بل تطلب مني الذهاب إلى الإدارة بدفتري لأخبر المديرة من كتب (لي) بالنيابة عني و ذلك بعد أن كانت قد استنفذت طاقتها باستنطاقي لأعترف “من الذي كتب عنك؟”!! و هكذا صمدت و قاومت قرفاً كان على وشك أن يدفعني لتلفيق كذبة أحمي بها نفسي من سيناريو تكرر مرة كل أسبوعين طوال السنتين النهائيتين من المرحلة الابتدائية، و لكنني فكرت: ماذا لو تطور الأمر للتوجه إلى والدي بملاحظة تسأله الامتناع عن الكتابة بدلاً مني (و هو المؤهل الوحيد في البيت الذي قد يمكنه تجاوزي، و الحقيقة أنه معلمي الأول)؟ و حينها سيخبرهم صادقاً بأن لا علاقة له حتى بدروسي و دوره في هذا المجال لا يتعدى توفره لطلب مساعدته عند الحاجة، و قد أسَسَنا جميعاً على نظام الاستقلالية التامة و الجهد الذاتي بالتحصيل (و لا يظهر هو للتدخل إلا عندما تظهر الأصفار)، و عندها ستنكشف الكذبة و سيكون إحراجي اشد من “البهدلة” التي مارَسَتْها علي تلك السادية بتلذذ حتى و هي ترى كيف هو تفوقي في جميع مناهج اللغة العربية تحديداً، و هي نفسها التي كانت تسمح لي بحمل كراسات الإملاء العائدة لزميلاتي الطالبات من أجل تصحيحها بالمنزل، و لا أفهم تناقض ثقتها التامة بقدرتي الإملائية ثم تشكيكها في قدرتي على الكتابة!

لاحقاً، في المرحلة “المتوسطة”، كنت محظوظة بمعلمة أليفة آمنت بي و شجعتني و عززت ثقتي بنفسي و دفعتني نحو القراءات التي تصقل اللغة و تثري مخزون المفردات، إذ كانت أمينة تلك المكتبة المهجورة المقفلة معظم الوقت، و قد سَخَّرتها لأمري. ثم في المرحلة “الثانوية” حصلت أيضاً على سيدة فاضلة عاملتني بميزان النِد للنِد، و من خلال تقديرها لأي بذرة إبداع محتملة قربتني من زميلة كانت رفقتي بها خلال السنة النهائية و لسنتين أو أكثر قليلاً بعدها من أغنى الفترات بحياتي، تشاركنا في لقاءاتنا المُجَدولة حفظ الآيات القرآنية و الأبيات الشعرية و فهمها و الكتابة عنها قبل أن تفرقنا الدنيا بانفصال الدروب و اختلاف المشاغل. و لكن في تلك المرحلة، ربما جُرَّاء الإطراء الدائم الذي حصلت عليه من عدة جهات، و المديح الذي كان يرجع لي مكتوباً على كراساتي موقعاً من شخصيات لا أعرفها و لم أقابلها بشكل شخصي، من غرفة المُدِرسات و من الإدارة و من مكتب إدارة التوجيه، تضخم اعتزازي بنفسي مع مسحة تمرد “صامت”، فكنت لا أتورع عن رفض إنجاز المقال المطلوب مني فوراً و أصر على تسليمه مع بقية الطالبات و لا أرى مبرراً لاعتبار الجميع يستحقون مهلة أسبوع للتسليم بينما يتم التعامل معي و كأنني جهاز سيخرج من وحدة التخزين نصوصاً جاهزة، حتى أنني تجرأت على كتابة مثل ذلك الاعتذار في امتحان نهائي لم يوافق فيه أي من الموضوعين المطلوب اختيار أحدهما “مزاجي”، و كتبت قطعة “مزاجية” و قلت “هذا ما لدي”!

قـــصــة قـــديــمة:

عن الفنجان الذي رأى و سمع الكثير، و امتلأ بمشاعر و أفكار ما عرفها فنجان قط، و لا إنسان!

أنا فنجان صغير، لا أكبر. لا أتذكر متى ولدت و لا أدري كم عمري، و ليس لي أم و لا أب، و ليس لدي إخوة، و لا يشبهني أي فنجان آخر.

أنا فنجان وحيد. في الخزانة التي أعيش فيها توجد عائلة من الفناجين مكونة من اثني عشر فنجاناً، و زوج من فنجانين فخمين لا أبناء لهما. و كلهم، بخلافي، لهم أطباق تحملهم أو تغطيهم. و هناك معنا بنفس الخزانة فنجان مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و كذلك ليس لديه طبق، إلا أنه متكبر و لا يقترب منه أحد.

أنا أجمل فنجان في الخزانة. لوني أزرق موشىً بخطوط ذهبية بالغة الرقة و مُعَرَق بكسرات من الأسود، ناعم مكتمل الاستدارة (الشكر لمن صنعني)، بينما كل جيراني من الفناجين لهم اللون و الشكل نفسه، و ليس هناك ما يميز الواحد منهم عن غيره.

كأي فنجان آخر، أمر بأوقات أكون فيها ممتلئاً و دافئاً تطفح من جوانبي السعادة، رغم أني بلا طبق، و الفائض من سعادتي ينسكب هدراً. و في أغلب الوقت المتبقي أكون ممتلئاً أيضاً، و لكن بالخواء البارد الأبيض، و حينها أتذكر أوقات هنائي، و تدفئني الذكريات.

أنا فنجان ذكي، و لدي دوماً متسعاً من الوقت للتفكير و أنا أجلس منعزلاً على الرف بعد انتهاء عملي، و الذي هو بالذات مصدر هذه الخواطر الوفيرة التي تملأ أوقاتي الفارغة.

بأذني الوحيدة، أنا أسمع الكثير، و لا أرى إلا قليلاً، و مع ذلك، فإني بخيالي أعود لأرى كل الذي سمعت.

لا أذكر جيداً صاحبي الأول و لا كيف وصلت إليه، فقوة الذاكرة ليست من سمات الفناجين أصلاً، مع أني استثناء بالتأكيد، كل ما أذكره هو أنه كان رجلاً مهماً مشغولاً جداً، لم أره مرة هادئاً و لا مسترخياً. كان حين يرفعني يضغط أذني بشدة و يلصق فمه بي بقوة، و حتى لما يعيد وضعي على لوح طاولته فإنه يضرب قاعدتي بعنف، و أغلب الوقت كان يتجاهل وجودي على مكتبه و يخرج دون أن يلمسني. كنت تعيساً إلا أنني كنت مقتنعاً بأن لكل الفناجين حياة مثل حياتي.

إلى أن جاء يوم لم يتم إخراجي فيه من الخزانة صباحاً، قلقت في البداية ثم اعتراني الفرح بعد مدة عندما أدركت بأني في يوم إجازة و كل الفناجين تعمل، و تسليت كثيراً و أنا أشاهد باب الخزانة يُفتح و يُغلق و الفناجين تذهب ثم تعود مبللة منهكة منزعجة. أما حين امتدت عطلتي ليوم ثانٍ فكان عيد الأعياد عندي، و تكررت تسلية اليوم الذي سبق.

بنهاية النهار، فاجأني ذلك الفنجان الذي هو مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و الذي هو متكبر و لا يقترب منه أحد، أقول فاجأني لأنه و بخلاف ما عُرف به من طباع، زحف مقترباً مني و همس لي بأن صاحبي غادر و لن يعود، سمع ذلك من صاحبه الذي كان مسروراً صباح اليوم و هو يهاتف زوجته ليخبرها بأنه على وشك أن يصير الرجل الأهم بعد أن تآمر مع آخرين ليتخلص من سلفه.

و اكتشفت بأن صاحبي لم يكن رجلاً سيئاً و لكنه كان يتعرض للأذى من صاحب الفنجان جاري، الذي هو مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و قد كان لديه ذات يوم طبق، و قد كسر صاحبه ذلك الطبق بأن رماه، يا للهول، على باب مكتبه بعد أن كان صاحبي أنا خارجاً من عنده في أحد الأيام. تأثرت في تلك الليلة و ترطبت حوافي قليلاً. ثم في نهاري الثالث بلا عمل، شعرت بأني أصبحت حراً أخيراً، و عرفت لأول مرة كيف يكون للفناجين حياة غير الحياة، و تأكدت من أني وجدت السعادة و لم أعد محكوماً برغبات إنسان يحركني متى شاء.

بينما الأيام تمر و أنا في استرخائي اللذيذ، لا العالم يعنيني و لا ما يحدث فيه، انتبهت بغتة إلى أن مكاني تغير! أسكنني سيد المطبخ في زاوية الخزانة بأعلى رف منها. و هنا بدأت احزن، و حزني تحول إلى غبار يتراكم داخل جوفي. عرفت بالفعل كيف يكون للفناجين حياة غير الحياة، و هي تسمى موتاً.

بقيت عاطلاً لزمن لا أعلم مقداره إلى درجة أني فقدت سمعي و بصري و نسيت كيف يكون الشعور و التفكير، و لم يبقَ لدي غير ذاكرة مشروخة بدأت تتفلت مني بالتدريج. و هكذا فقدت أول ذكرياتي، فأدركت بأن رائحتي على وشك أن تنطمس تماماً و عندها سينطفئ بريقي و تتصدع حوافي.

تيقنت من أنها النهاية عندما عادت لي الأحاسيس القديمة بأوضح مما تبقى في ذاكرتي منها. اليد التي تسحبني من على الرف، الماء الذي ينظف قعري، الدفء المنسكب في جوفي، تلك هلوسات ما قبل الفناء لا شك. حتى أن امتلائي غابت عنه حلاوته القديمة و غمرني بمرارة تشبه القدر الذي كان يستدرجني. توهمت كفاً حنوناً يرفعني بأصابع تضمني دون أن تشد أذني، و شفة ناعمة بالكاد تلامسني في شربها، ثم انتبهت إلى أن كل ذلك لم يكن جزءاً من هذيانات احتضاري إذ وجدتني استعيد حواسي شيئاً فشيئاً. رأيت وجه الإنسان الذي أحياني برشفة و التقطت بأذني آخر عباراته: “هذا الآن فنجاني”.

إذا كنت ظننت بأني كنت سعيداً مرة، فذلك لأنني لم أعرف السعادة الحقيقة من قبل. أما الآن، فأنا حقاً فنجان سعيد. و من صاحبي الجديد، صاحبي السعيد رغم شقائه، عرفت كيف يكون للفناجين حياة أفضل من الحياة، و هي تسمى شغفاً. لصاحبتي التي تحبني، لحديثها و لصمتها، لبكائها و لضحكها، صاحبتي التي هي مثلي وحيدة، و بلا عائلة و لا شريك، و بيدها تنسيني بأني بلا طبق. صاحبتي التي تشبهني، و لا يشبهها أحد.