أن أفــهـم…

“لماذا” أنا؟! و “لماذا” ليس أنا؟

فقط أن أفهم، هو ما حَوَّلَ الغضب المتراكم بداخلي إلى نوعٍ من طاقةٍ مختلفة. و نسيت حتى أن أخاف!

لكي تفهم جيداً، عليك أن تخلع جلدك و تنزع عينيك، تقطف أذنيك و تقطع لسانك، حتى تفهم، لا تَغُصْ في أعماق داخلك، بل اخرج من ذاتك، عليك أن تسجي جسدك مثل جثة تسكن ثلاجة حفظ الموتى بانتظار تشريحها، تتراجع لمسافة تكفي لأن تتفحص نفسك من قحف رأسك حتى باطن قدميك، فلا أحد يستطيع أن يرى ما هو عليه حقاً من دون أن يخرج من ذاته، من دون أن يبقى وحيداً، من دون مسافة، لن يقدر أحد على أن يشرح لك، إنهم دوماً يخلطون الأشياء الجيدة بالأشياء الصعبة يرونها “سيئة” و أنت لا تراها كذلك و هم يحاولون جعلك تُهَّوِل من الأمور حتى يشعرونك بفقدان سيطرتك على حياتك، يريدون الفرصة لرد الجميل إليك كم حملتهم و يكاد الحماس يأخذهم إلى أن يرفعونك فوق أكتافهم عنوة مهما تمنعت.

الكلام المستهلك، يصيبني بالغثيان، مثل علكة تمررت بين عدة أفواه و يحاول أحدهم دسها بفمي، تلك الكلمات الكالحة الممضوغة ليس فقط لا طعم لها و لا لون، و لكنها مقرفة و لا تعجبني رائحة البصاق العالق فيها كذلك!

لا أطالب أحداً بالفهم، فلن يفهم إلا من حصل على فرصة أن يعرف بنفسه (و هذا ما لا أرجوه لمخلوق)، معنى أن تصبح عالقاً بهيكلٍ صغيرٍ معطوب يضيق بروح النسر التي تحلق بين جنبيك، أن تكون محشوراً بتلك الزاوية لا تحصل إلا على المشهد من الطريق الممتد أمامك ثم تُكمل في خيالك ما تتصور أنه يجري في الشوارع الخلفية، ألَّا تمتلك سوى المساحة من الأرض التي تمكنت من تطويقها بسرعة طفل الرابعة الذي يرتدي أحذية الكبار، و تغرب الشمس و هو لا يكبر.

كيف سيفهم من يصادر حقك بالفهم قبل أن يسمعك، و إن سمع قاطعك قبل أن تقول كل شئ بواحدٍ من تلك الردود التي تأتي مضغوطة في علبة مثل مسحوق إخفاء العيوب نمسح به فوق كل واقع لا يمكننا مواجهته إلا بالعجز عن قبوله فوق رفض فهمه؟!

أن أفهم، كان هو ما أنقذني من التفحم في براكين غضبي من كل شئ، و بدلاً من أن تُغرقني الأسئلة التي تنتهي في كل مرة إلى “لماذا أنا؟” تعلمت أن أسأل: “و لماذا ليس أنا؟!” و بينما كان الأطباء يحاولون الفهم حاولت معهم، قرأت كل ما تمكنت من العثور عليه من مراجع، عرفت الكثير عن الاعتلالات العضلية و أكثر عن أنواع الضمور العصبي و مضاعفات تليف العضل و القليل عن العلاجات المتوفرة بزراعة الخلايا الجذعية، ربما صار بإمكاني الجلوس لأداء امتحان يؤهلني للعمل مساعدة لأطبائي.

الفهم حررني من كل شئ، من الغضب و الخوف و اللوم، هذه هي طريقتي بالتعامل مع الواقع، لا أتجاهله، و قد أقرر بأنني سأبدأ قريباً بمقاطعة كل الذين يخاطبونني بصفة “المريض” الذي يدعون له بالصحة، و لكنني سأُفهِمهم قبل أن أودعهم بأنهم حين يقذفون بوجهي “تمنياتهم” بالشفاء فإنهم في الحقيقة يرجون لي الموت العاجل، لأنني لست مصابة ب”مرض” لأعالجه، و لكن هذه أنا و هذه جيناتي التي ولدت بها و لا يمكنني استبدالها، كما لا يمكنني استبدال والدتي و لا أشقائي و شقيقاتي، هذه حياتنا و نحن قبلناها بما فيها، أفلا ترحموننا من قسوة التفجع علينا بحضورنا؟ ألا يمكنكم الإنتظار لبضعة سنين قد يكون مقدر لنا عيشها، ثم تمارسون هوايتكم بالتباكي لأنها الطريقة الوحيدة التي تتيح لكم التملص من واجبكم بالفهم؟!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s