ما الفرق بين أن تعيش، و بين أن تبقى على قيد الحياة؟ فقط ألا تموت؟!

لا أذكر من الذي قال بأنه من الأسهل أن تبعث الحياة في موتى من أن تبعثها لدى من هم على قيد الحياة!

من الجيد أن ثمة “وثائق” تثبت بأننا على قيد الحياة: “حي يُرزق”، نعم إنه حي، و لكن ما أدراك بأنه “يُرزق”، لا نختلف على أن هناك الذي “يرزق الطيور في أعشاشها، سبحانه” و لكن هناك أيضاً مِن الناس مَن حتى حين يبلغه رزقه (حظه أو نصيبه بحسب ما هو دارج من التسميات) و لا يكون عليه سوى أن يحرك فمه بالمضغ أو الإبتلاع على أدنى تقدير، فإنه لا يفعل! و لولا الوثائق الرسمية التي تقول عنه بأنه حيٌ و فوق ذلك “يُرزق” فربما لم يمكنه أن يدَّعِي بأنه حي و لا أن يصدق أحد بأنه يُرزق، مثلما حصل ل”يشار”/ عزيز نيسين، الميت الحي، “يحيى” الذي يعيش و لا يحيا، مع أنه كان ممتلئاً بالحياة أكثر من كل الذين رفضوا الإعتراف بوجوده لأن “الحكومة” تقول عكس ذلك، و كان يتعاظم إحساسه بالحياة كلما واجه الإصرار على منعه عنها، و مع هذا لم يجرؤ على أن يقول عكس ما تقول “الحكومة” في سجلاتها الرسمية، و لكن هذا لم يمنعه عن اقتراف أنواع الحماقات لدفعهم للإعتراف بوجوده و لو بصفة “مذنب” أو سجين، أي شئ يجعله مرئياً، مع أنه كان “يعيش” إلا أنه لا يقبل الإكتفاء بذلك حيث تجرفه الرغبة بأن “يحيا”.

المرض ليس خيارك، العَوَز ليس خيارك، الموت ليس خيارك، و لكن عدم عيشِ الحياة هو خيارك. و كذلك اليأس و التخاذل، “التعيجز” عن فعل أي شئ فقط لأنه أصعب، و لأن عليك أن تبذل في سبيل إنجازه تعباً يفوق ما يلزم غيرك ممن ليست لديهم متاعب مثل التي لديك، و لكن لهم حتماً حصتهم يستلمونها على شكل متاعب مختلفة. الحياة لا تُقدم لنا كل ما نريد، بل تَفرض علينا الاختيار، و يمكن لكل منا أن يحصل على الشئ الذي يرغب فيه بإلحاح أشد، بمقايضته بأشياء أخرى يريدها أيضاً و لكن بدرجة أقل. الأمر مرهون بإرادتك و برغباتك، أنت تحدد لنفسك ما هو أهم لتبقيه بحياتك و ما هو أقل في الأهمية لتتخلص منه عندما تضيق سنواتك عن احتمال كل الآمور التي يتوقع منك و يطالبك الآخرون بفعلها. بإمكانك أن تقدم أكثر الأمور أهمية بالنسبة إليك، كما يمكنك أن تبدأ بالأمور التي يراها من حولك أهم إليك (أو إليهم)، ثم لا يحق لك التذمر و رمي اللوم على أي شأن خارج نطاق ذاتك، لأن كل المسألة مرهونة باختيارك.

أما أن يبالغ البعض بنظرياتهم حول “المفروض” “و ينبغي” ثم يقعدون عن “فعل” أي شئ؟! عفواً؟! ربما عليهم أن يحاولوا تجربة التعامل مع ما هو “واقع” بدلاً من الدوران في دوامة “المفروض” الذي “ينبغي”! عذراً، و لكن الشخص الشَكَّاء (المحترف)، لديه مشكلة واحدة فقط، و هي ألا مشاكل لديه لينشغل بمعالجتها، فترى المتذمر بطبعه (لو دققت لفترة) يشكو من كل حال و عكسه كذلك، تتغير أوضاعه نزولاً و صعوداً بينما هو منهمك بإثبات مهارته باجترار البؤس من لُبِ كل خيرٍ يناله، يرمي ليونة الثمرة من يده ثم يرثي قسوة النواة التي حصل عليها، و في كل وقت هو معترض على أي شئ، و كل طاقته مستهلكة بالكلام. هذا يحتاج مَن يصرخ بوجهه من حين لآخر: لا أحد و لا شئ مسؤول عما أنت فيه، “أنت فقط” تريد التهرب من مواجهة ضعف استحقاقك بكلمة فقدت معناها لفرط ما اسْتُهْلِكَت، ظروف؟! نعم، سمعتك تشكو من “الظروف” مئات المرات، و لكنني لم أسمع و لا مرة عن شئ فعلته إزائها، و أنا لا أستمتع بالتعرض للشحنات السلبية عالية التركيز و لا أستسيغ أن يتم توريدها إلي تحت بند “فضفضة” تخترق معنوياتي ثم تسحبها بعنف إلى الأسفل، بينما تنطوي مواضيع تلك “الفضفضة” على عشرات الحلول “المرفوضة” حتى قبل مناقشتها، لأنه من الجلي كيف أنها ستترافق مع قدر من “الاستقلالية” التي تلزم صاحبها بتحمل مسؤولياته.

الشَّكَّائين البَكَّائين، ينهكونك و لا يتعبون، قد تصدق أولاً بأنهم على حقٍ في تذمرهم، فتجتهد بمحاولة إطلاعهم على الأسباب المحتملة، ثم تتبرع بتقديم كل الخيارات الممكنة للتعاطي معها، إلى أن يتجلى لك في غمرة إجتهادك المهدور كيف أن هذه هي طريقتهم في اجتذاب الانتباه لا أكثر، هؤلاء لا يمكنهم التفكير إلا فيما “ليس” لديهم حتى ينصرف اهتمامهم كلياً عن أي شئ لديهم، حتى لو كان ذلك الشئ صحة بدن أو وفرة مال أو زينة عيال. أسلوب التأفف المستمر مَقيت و يُنَفِر مَن حولنا، مهما صمدوا، حتما سيأتي الوقت الذي ينفذ فيه احتمالهم لنا، لا يكن أحدنا مجرد “ثقب أسود” يفر منه الناس خشية أن يبتلعهم في عتمته. نساعد بعضنا و لو بالمواساة، لا ننكر احتياجنا للتنفيس عما يكتم أنفاسنا من حين لحين، و لكن أن تصبح تلك طبيعتنا الدائمة، هنا لا يعود الآمر مقبولاً. أنا نفسي من الذين لا يتمكنون من رؤية الأمور بوضوح إن أبقيتها عالقة بداخلي تتزاحم عليها الإنفعالات و الأفكار و التساؤلات، فأقولها، بالكتابة غالباً، و بالحديث المباشر نادراً، و حينها تظهر تفاصيلها جلية أمامي مثل رسم توضيحي، و عندها تغدو قابلة للتشريح و الفحص و التشخيص، ثم العلاج، و تنتهي. لا علاج لها؟ لا بأس، لن أزخرفها و أعلقها فوق رأسي ليراها الجميع كلما سولت لهم أنفسهم النظر بوجهي لتلمس ابتسامة أرد بها على اكتراثهم لأمري.

تذكير: الله لا يخيب الظنون، بل نحن الذين تخيب ظنوننا حين لا تأتي الأمور على ما اشتهينا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s