ما زال ينبض في جوفي سؤال:

و هل الذين يموتون يحملون أسمائهم معهم؟

“لا بد من التزام الحذر الشديد دائماً في التعامل مع أسماء الأشخاص، الكائنات الحية، لأننا حين ننطق أسماءهم نلامس قلوبهم و ندخل إلى قوتهم الحيوية. و هكذا نتبادل التحية مع من تربطنا بهم قرابة الدم. لست أفهم الاستخفاف الذي ينادي به الأغراب بعضهم بعضاً دون أي إحساس بالرهبة، فهذا التصرف ليس إساءة احترام و حسب، بل إنه قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة. لقد لاحظت أن أولئك الناس يتكلمون بمنتهى الخفة، دون أن يأخذوا في الاعتبار أن التكلم هو كينونة أيضاً. فالإيماءة و الكلمة هما فكر الإنسان. يجب عدم التحدث جزافاً و دون هدف.”

“الاسم الذي منحني إياه أبي هو واليماي، و يعني الريح…”

*من قصة “واليماي” من المجموعة القصصية “حكايات إيفالونا”/إيزابيل ألليندي

أمـــــــــل؟!

كثيرون يُعَرِّفون “الأمل” بأنه قبولك الحاضر اقتناعاً منك بأن الغد سيأتي بمكافآت خضوعك لعثرات يومك!

أما أنا فلا أريد حتى أن أَعْرفه، لن أستسلم لحاضري بانتظار مجئ التغيير من تلقاء نفسه في مستقبل لا أصنعه بنفسي. لن أطالب أي أحد بتحقيق أحلامي بالنيابة عني. أنا لا أطيل التفكير بهذا الشئ المدعو “أمل” بل أعيش لحظتي و أعالج واقعي و لا أُضَيِع من يدي اليوم ترقباً لغدٍ لا أعلم ما سيأتي به و لكنني أعلم بأنني سأتعامل معه في حينه!

عندما نتأمل الناس الفقراء، البسطاء، المسحوقين، النائمين في العراء، السائحين في الأرض، القانعين بحدهم الأدنى من الحاجات الإنسانية الطبيعية، و نحن نرزح تحت وطأة أعبائنا المصطنعة، و نئن بأثقال حمَّلنَّاها أنفسنا و ما حَمَّلَّها لنا أحد، و بنا علل نحشو أنفسنا بها بإيدينا فوق هموم متخلفة عن توافه أمورٍ صدورنا أضيق من أن تبتلعها، نتنهد و نطلق أمنية دون حذر بأن يا ليتنا كنا مكانهم! متصورين أنهم في رقادهم الذي يبدو لنا من موقعنا هانئاً لا شوائب تنغصه، هو السعادة و كل ما قد يتمناه إنسان. نحن فقط من نتوهم بأنهم أثرياء ب”الأمـــل”، لا أتصورهم يشاطروننا مثل هذا الوهم.

فنحن نرى حالهم و لكننا لا نشعر بما في داخلهم و لا نعلم بما يدور في رؤوسهم، نحن ننظر فقط و لكننا لا نعلم بما وراء تلك الصورة، نتصور بأننا سنبقى على قوتنا الحالية حتى لو استبدلنا معهم المواقع، و لا نتخيل أنهم سيتركون لنا أحاسيسهم المعذبة المتولدة عن ظروف معيشتهم تلك. فهي تأتي رزمة واحدة، لا يمكن أخذ شئ منها و ترك الباقي، حتى لو تركت، فسيتوجب عليك دفع الثمن كاملاً.

قَرَأَ و كَتَبَ = زَرَعَ و حَصَدَ

“تُغير الشعوب عاداتها فتتغير مصائرها” و القراءة عادة، و هي عادةٌ يمكن اكتسابها حتى في مراحل من العمر متقدمة. أقولها عن يقين حيث الشاهد من حولي عدة أشخاص تعلموا القراءة على يدي، لا اقصد “القراءة” بمعنى “فك الحرف” بل القراءة من حيث هي مصدر معرفة و وسيلة استمتاع و أسلوب حياة.

كما تسنت لي الفرصة منذ سنوات قليلة لتعلمِ كيف أقرأ الأفلام، و قبلها علمني أستاذ لي (جامعي) كيف أقرأ الأدب، بعد أن كنت قد حرمت نفسي لسنوات من متعة قراءة الروايات و رؤية الأفلام لاعتباري تلك “الأشياء” ليست ذات جدوى و استتفاهي لها كمضيعة أوقات فيما لا يفيد، و لكن منذ أن تعثرت بمن فتحوا لي تلك الأبواب على عوالم سحرية لم أتصور أنها على مثل كل هذا العمق و الثراء، و أنا أتوغل بانتشاء الطفل الذي يَسْعد بامتلاكه عدة عملات ورقية من فئة “الريال” مقابل رفضه استبدالها بعملات أكبر، فقط لأنها تبدو أكثر، و هي أليفة أكثر، و التعامل معها بسيط و استخدامها بالشراء أسهل.

عندما تقرأ كتاباً دون أن تقرأ (بالتوازي) الأفكار فيه، تكون قد تسليت بالانتهاء من كتابٍ لا أكثر. القراءة الحقيقية هي التي تُخرج منك أفكارك الخاصة حول كل صفحة من الكتاب بين يديك، فلا نفع من أن تكرر ما قاله الكاتب عندما أسألك “ماذا قرأت؟” بل كيف قرأته؟ أن تفتح لي نافذة أتسلل منها لداخل أفكارك “أنت”، أن تكون أنت الكتاب، كتابٌ يسير و ينطق، و يقرأ الأشياء و هو يُقرأ.

مهارتك أنت في إبداع تطبيقات لما تتعلم هي ما يُحدث الفارق، أي طريقة استخدامك للأداة و ليس الأداة نفسها. و مع أنني ما زلت أقرأ عن أشياء أعرفها جيداً إلا أنني أكون أحياناً جاهلة بكيفية قولها لتشاركها مع الآخرين. بعض الكتب علمتني كيف أقوم بصياغة معارفي بلغة مهضومة. قبلها كان كل تركيزي على نفسي و صقلها و تشذيب عيوبها و تمويه نقائصها، و الآن عرفت كيف أن لا قيمة لمعرفة لا نتشاركها، و ليس التأثير هو ما يحصل بداخلي بل ما يمتد بأفعال أضيف بها لغيري.

تعودت من عمر مبكر ألا أقرأ فقط ما يسهل علي فهمه أو ما أستمتع بقراءته، لأن القراءة ليست فعل للتسلية و الترفيه فقط. و لدي قناعة بأن الدماغ سيتلقى الآن ثم سيتعامل مع المعلومات لاحقاً و سيعيد استخراجها و ترتيبها و ربطها حينما يلزم الأمر، و أقلها من المعروف أن “فعل” القراءة نفسه (بغض النظر عن المحتوى المقروء) له تأثير على بقية القدرات الذهنية، حتى أن بحوثاً أظهرت أن نسبة تراجعها لدى القراء عند تقدمهم في السن ضعيفة. أي أن القارئ محمي بدرجة كبيرة من الإصابة بالخرف و تدهور الذاكرة.

ليست فقط متعة حياة، بل طريقة و أسلوب و حاجة لا يتنبه كثير من الناس لكونها أساسية. فتجدهم يغدقون الإنفاق على التفنن بأنواع الأكل و التكلف بالعناية باللبس و غيرها من المظاهر المضخمة فوق الحاجة مرات، ثم يمسكون جيوبهم عندما يصادف مرورهم بمكتبة يُقَلِبون كتبها و أول ما يتفحصون فيها رقع الأسعار على أغلفتها الخلفية، و يتمتون شيئاً عن غلاء أسعار الكتب ثم يتركونها دون أسف.

ربما منذ ثلاث سنوات أو سنتين خلت، بدأت أجتهد في القراءة من أجل الآخرين، و ذلك أمر وجدت فيه متعة مختلفة، إنهم لا يقرأون فأقتني كتباً تتناول ما يهتمون به من مواضيع و أقرأها ثم أقوم بتلخيصها من أجلهم غالباً على شكل نقاط و عبارات قصيرة حتى يتمكنوا من قراءتها. و الأمر يجعلني أشعر بالمسؤولية و لا أسمح لهمتي بالفتور.

من النادر حقاً أن أخرج بندمٍ خالصٍ لقراءة كتاب، إذ أعتصر أي كتاب مهما كان ناشفاً، أعتصره بكل قوتي لأُخرج منه و لو نقطة فائدة. و مع ذلك، فإنني أمرر الكتاب نحو من قد يهتم له، فللناس قراءاتهم، و أنا أحترمها مهما كانت.

ليست الكتب فقط ما يُقرأ، كل شئ في الوجود يمكن قراءته، المواقف، التعابير، الوجوه، الخطوات، الشوارع، المباني…

الخيال أيضاً وسيلة قراءة. عرفت قوته منذ طفولتي حيث ساعدني على تحمل أحداث و مواقف مرت بحياتي و كنت أتخذه وسيلة هروب تزيد من صبري. و تأكدت من قوته تلك عندما قرأت تفاصيل كيف عاش عليه بطل رواية “تلك العتمة الباهرة”/ الطاهر بن جلون طوال سنوات حبسه المريرة.