ألم أخبركم بأن لا وقت لدي للألم؟!!

ثم أنه “حين تكون عرفت في حياتك عذاباً عظيماً، يصبح كل ألم إضافي تافهاً جداً.”

“كيف حالك اليوم؟”
“كيف صحتك الآن؟”
“كيف صرتي أحسن؟”
“طمنيني على صحتك!”
“انت كيف صحتك؟”

شكراً من القلب لكل الذين لا يسألوني مثل تلك الأسئلة!

أما بقية صديقاتي الحنونات، لا أدري كيف سأخبركن بأن فيضان تعاطفكن… أود أن أقول يسعدني و لكنني أفضل أن أصارحكن حيث من المفترض أن كل منكن باتت تعرف عقلانيتي جيداً لتتفهم تبرمي بالاهتمام الشديد بي، خصوصاً حين يأتي لأمر ليس في حقيقته على تلك الصورة المرعبة التي تشعرها كل منكن.

يقال: “الإنسان عدو ما يجهل”، و أنا أقول: الخوف عدو الإنسان، و متى ما عُرف الشئ و تعلمنا كيف نتعامل معه، تبدد الخوف حياله.

حسناً، عليكن أن تعرفن بأنني لا أصير “أحسن” بالشكل الذي تقصدنه و هذا ما يجعل أسئلتكن مؤذية أكثر من كونها مُواسية، و ليست هناك طريقة يمكن لي بها “تطمينكن” سوى الكلام (المعلوك) الذي لا يروق لي تناوله، و هذه العملية غَدَت مضجرةً بالنسبة لي لأنها لا نهائية، سَتَبْقَين تسألن الأسئلة و تسمعن مني الإجابات نفسها، فالمسألة ليست موضوع “صحة” متوعكة، بل الموضوع هو “أنا”، و بالنهاية سيثير انزعاجي أن أبقى موضوعَ حديثٍ لا ينتهي.
لا أريد من أحد أن يسألني من باب “رفع العتب” فهو غير موجود بقاموسي، و لكنني سأرحب بالحصول على الأسئلة “الصحيحة” التي تلتمس إجابات من أجل الفهم، أن تكون من أجل المعرفة، معرفتي و معرفة ما أنا عليه، فما بي ليس أمراً عارضاً يزول، بل هو أنا، الشئ الذي يتحكم بكل خياراتي في الحياة و ينعكس على رؤيتي للأمور.

لدي نوع من ضمور العضلات، و تاريخي معه يسبق معرفة أي منكن لي، لأنه شئ يُولد الإنسان به، إلا أن النوع الموجود لدى عائلتي من الفئة التي تتطور بالتدريج و ببطء مع مرور مراحل العمر، جيني (وراثي) ينتقل من الأم، نسبة احتمال انتقاله هي 100%، أما نسبة الإصابة فهي مؤكدة لدى 50% من الأبناء (ذكوراً و إناثاً)، و نحن تجاوزنا هذه النسبة، خلل في الجهاز العصبي المركزي، العضلات الهيكلية، الرئتين، القلب، الكبد، البنكرياس… و أقصى مضاعفاته أن يبلغ مرحلة التحول لأي نوع من السرطان (يا ساتر!!! أعرف بأن هذا ما سيكون عليه رد فعلكن، و لكنها حقائق علمية تستلزم منكن تنحية انفعالاتكن جانباً).

قد تتساءلن، و كيف لم تنتبهن لذلك من قبل؟

الجواب ببساطة، لأنني كنت أتعمد إخفاء كل أثر قد يفضح اعتلالي، حتى خلال السنوات الأربع الماضية التي تسارع أثناءها تدهوري حتى وصلت المرحلة التي أكافح فيها لأبقى آكل و أتنفس و امشي فقط، نعم تلك الأمور الغريزية عند البشر، التغذية و التنفس و الحركة، تستهلك مني وعياً و تركيزاً وجهداً و مداخلات علاجية لأتمكن من إنجازها، و مع هذا، تجنبت كل موقف قد يكشفني أمام أي أحد و لا حتى المقربين، لم أسمح لأحد بالإطلاع على حالتي و أبقيت نفسي بمسار لا يجعل من أي خللٍ يعتريني مرئياً لأحد، و قاتلت أكثر من أي إنسان (طبيعي) حتى أُخرج من قدراتي المحدودة أقصى إنتاجية ممكنة، باعتمادي على نفسي و دون معونة من مخلوق. و لكنني الآن تعبت، و لأحصل على حقي بالإبطاء لتوفير طاقتي و عدم هدرها على ما ليس ضرورياً لي، كان ينبغي أن أتكلم، لأن الجميع يريد حصته مني، التواصل، اللقاء، المراعاة… الخ، كلا لا أتخذها ذريعة للاعتذار عن تقصيري بحقوقكن علي، و لكنني صافحت الموت مرة، و فكرت بكل من يحبني، ماذا لو رحلت فجأة و هم لا يعرفون ما الأمر؟! هل أتركهم لحيرة التساؤلات و صدمة المفاجأة؟! فكان أن قررت أن من حق الجميع علي أن أقول كل شئ.

و الآن، كل لهفتكن و اطمئنانكن اليومي علي، صدقنني هو على لا شئ، فالذي حصل مجرد إجراء ضمن سلسلة من الإجراءات المستمرة منذ سنوات، و ستبقى كذلك لسنوات، حتى كل ما تبقى لي من العمر، فلا أريد بالتأكيد أن أعيش نفسية الإنسان “المريض”، هذا شعور تغلبت عليه و لم يغلبني، و أنتن ترهقنني بسحبي نحو تلك المنطقة التي ناضلت (بمعنى الكلمة) حتى خرجت منها.

كلا، “ما صرت أحسن” و لن أصير “أحسن”، و لكن النعمة و لله الحمد أن مهارتي بالتكيف عالية، مررت بصعوبات أشد طوال حياتي و تجاوزتها مرحلة مرحلة، و زادت قوتي و دربتني على احتمال أي نوع من الألم. هذه المرة تحديداً، لا يمكن (حقيقة علمية) أن أصير كما تتمنين لي “أحسن”. سأشرحها لكن ببساطة فقط لأجعل وَعْيَكُن يرتفع من مرحلة الانفعال إلى مرحلة الإدراك، من أجل نفسي و من أجلكن، حتى لا يجعلني التعب أتجنب الكلام معكن، لأنني لا أريد ذلك، فمن لي غيركن؟

التخطيط العضلي الكهربائي (الصعق بالكهرباء لدراسة الاستجابات الانعكاسية)، و تحليل الحمض النووي (عينات من الدم)، و تحليل عينات من العضل، هي أهم الإجراءات التي يتم اتخاذها في حالات الاعتلالات العضلية (العصبية)، لأن هناك فروقات طفيفة بين أنواع عدة تجعل من التفريق بينها بفحص الأعراض أمراً شبه مستحيل. و الجراحة التي قمنا بإجرائها هي أخذ عينة عضل لتشريحها، حيث يتم عمل شق جراحي بمنطقة الفخذ لأنها الأطول في الجسم، ثم يتم اقتطاع كمية كافية من الأنسجة العضلية تصلح لإجراء دراسة عليها للتمكن من تحديد مشاكل الجهاز العصبي و النسيج الضام (الألياف) و الأوعية الدموية و الجهاز الحركي و مدى ارتباط كل منها بالضعف الظاهر بالعضلات. من المفترض أن يكون إجراءً بسيطاً حيث يكون القطع بموقع الشق نفسه، و لكن الذي حصل معي، أنه لا بموقع الشق و لا قريباً منه تمكنا من العثور على عضل سليم، بسبب التليف، فكان علينا الحفر للتنقيب عن نسيج صالح للاقتطاع (بمقص بالمناسبة)، عرفت كل ذلك لأنني و الطبيب كنا “ندردش” وقتها و نناقش كل خطوة. و الآن بعد مرور الأسبوع الثالث على إجراء العملية، و الثاني على فك الغرز، الألم في الجرح المخيط لا بأس به، و لكن بالمقارنة مع ما يجري بعمق المسافة التي تم شقها من الداخل في الطريق من محطة الإنطلاق نزولاً حتى محطة الوصول، فهنا العذاب يتواصل بلا رحمة، و مع هذا فهو ليس بالشئ الذي لا يمكن احتماله، بل إنني كلما توجعت سعدت أكثر، يسعدني أنني من أبديت استعدادي التام لفعل ذلك، نيابة عن البقية، إذ أن النتيجة لواحد ستكون من أجل الجميع، و كلما نبض ألمي شكرت الله أن هذا الألم بي أنا و ليس بواحد من أشقائي أو شقيقاتي و أقول لن يتحملوا مثلما أتحمل.

2 thoughts on “ألم أخبركم بأن لا وقت لدي للألم؟!!

    • ندوبنا تحكي تاريخنا، يمكننا بتحويل بسيط في توجهاتنا أن نجعل كل ندبة بدلاً من أن تذكرنا بكم الوجع الذي تسبب بها، أن تذكرنا بكيف تمكنا بقدرتنا على تخطيها و تحويلها لمجرد علامة توثيق.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s