حتى أنا: “لا أريد المزيد من الجبن، أريد فقط الخروج من المصيدة”!


و لكن متى يمكن للشخص أن يقبل عرضاً للعمل بمقابل مالي أقل مما يحصل عليه من عمله الحالي؟

هذا السؤال يتلبسني منذ خمسة أيام حتى الآن، منذ أن وصلني ذلك العرض المغري جداً من نواحي و لكن محير جداً من نواحي أخرى، و أنا أتمسك بوظيفتي الأولى التي التحقت بها منذ تخرجي من الجامعة منذ سنوات حتى الآن متجنبة أن أقع في فخ الإنتقال حين يأتي دافع “المغادرة من” و أؤجل الأمر حتى يكون الدافع هو “الذهاب إلى”، فلست من الذين يتخلون عن أمرٍ فقط لأنهم لا يريدونه، بل أحبذ دائماً ألا أترك الشئ إلا لاستبداله بما هو أفضل منه، فالحياة لا تحتمل التجارب العشوائية، أو ربما هو حسي بالإلتزام يجعلني أكثر تحملاً، بل أقرب في طبعي لذهنية القناص (السكون التام، التركيز الحاد، ثم في اللحظة المواتية، ضغط الزناد، إصابة الهدف).

و رغم أنني لم أكن في مرحلة بحث أو طلب، إذ أن لدي مشكلة في أن يكون الموظف يعمل لصالح منشأة و هو ينفق جزءاً من وقته فيها بالتنقيب عن فرص بديلة، إلا أنني كنت أتلقى عروضاً من وقت لآخر، و في الغالب لم تكن تستأثر باهتمامي لأنها تأتي دون المستوى الذي أطمح له، إلا أن هذا الأخير جعل قرون استشعاري تهتز بحماس، رحبت بالاتصال و استجبت للإقتراح و أبديت استعدادي للمضي بالتفاوض فيه حتى النهاية. فقد جاء متطابقاً مع شروطي للإنتقال المثالي نحو أفق متقدم يحتوي على تحديات أكبر تنطوي على فرصة استثنائية للإنجاز و الترقي، تتماشى مع أهدافي و قدراتي و خبراتي، و ميلي الحالي نحو المهام القيادية، التنظيمية و الإشرافية، و تتيح لي توظيف كل ما لدي من معرفة و تضيف لي المزيد، و تفسح لي المجال بما يستوعب حدود إنتاجيتي التي أُتيح لي اختبارها و صقلها بما يكفي خلال مزاولتي لمهمات عديدة خلال ست سنوات و نصف، تدرجت خلالها حتى أظنني بلغت أعلى سقف قد يُسمح لي به في موقعي الحالي، و ما عاد المكان يحتويني حيث أحتاج لفسحة أكبر، و يكاد الروتين يخنقني منذ أن توقفت عن العمل بيدي بعد توفر من يعملون تحت يدي و اقتصار مهامي على التفويض و التوجيه و الإشراف.

بالمقارنة، ذلك المكان الذي تم طلبي إليه، له اسمه العريق و مكانته، يجعل من مجرد فكرة الانتساب إليه مثيرة للإعتداد، بيئة العمل فيه صحية، نظامية، مشجعة على الإبداع، و قد كفاني حين عرفت أن المنصب الذي تم طلبي لمباشرته هو تماماً ما كنت قد طلبته من إدارتي الحالية أكثر من مرة، بل و قمت بصياغة توصيفه الوظيفي لأُسَهِلَ عليهم أمر البت فيه، ثم بلغ بي الاحباط أن التمست منهم لو يقوموا بتعيين مَن يشغله و لن أمانع، لأن استمرار تهميش الحاجة إليه سيبقى فجوة آخذة في الاتساع تؤثر سلباً على نمو أعمالنا، و لكن لم أحصل سوى على التجاهل التام، و لا حتى رد بالرفض، و الغريب أن تتم مكآفأتي كل ما بين عدة أشهر على لا شئ، لا أفهم، و كأنها رسالة تقول: خذي هذا المبلغ من المال و اصمتي! و من هنا تَعَاظم إحباطي بينما يتم كبت طاقتي الفائضة عن فعل أي شئ، للمفارقة، في وقت يكون الوضع أحوج ما يكون لتدخلات تصحيحية طارئة!

أيضاً، و حتى مع كوني سأتحول من “رئيس” إلى “مرؤوس” لم يقلقني هذا الأمر، أو بالأصح قللت من خطورة هذا التحول على ما قد يكون من أدائي و سلوكي. و قررت بأنه شئ يجب أن أتقبله و أتدرب عليه بمنتهى الجدية و سأعتبره تحدي واحد ضمن جملة تحديات سأكون مقبلة عليها (لو تم الأمر فعلاً). هناك كذلك اختلافات في التعامل مع مسائل الإجازات و المغادرات بعيدة عن المرونة الحالية التي أتمتع بها، و قررت أيضاً بأنه لا بأس، يمكنني الانصياع لها.
نصل للمعضلة الأساسية، و التي لم تكن قبل اليوم من ضمن أولوياتي، و لا الآن حتى، فمن يعرفني سيؤكد بأن شخصيتي أبعد ما تكون عن المادية أو الجشع، و لكن، لو كنت قد قبلت، فإن دخلي سينحدر بصورة رهيبة، من جهتين، من جهة كون إجمالي الأجر المقرر أقل من الحالي، و من جهة أن الإنتقال سيكون لمدينة تكاليف التواجد فيها أكبر (نَقَصَ المبلغ و ارتَفَعَتْ التكاليف)، و لو كانت إحداهما فلربما كان المخرج ممكناً، و لكن الاقتطاع من طرفين لن يُبقي إلا على منتصف العصا (يا سلام)!

حتماً فكرت بالإقدام على هذه المخاطرة على أمل ما سيعقب التقييم الأول الذي سيعتمد على حجم التأثير الذي سأُحْدِثه في الأشهر الثلاثة الأولى، و لا أخشى أبداً من أن تخذلني نفسي التي أعرفها جيداً، خضت أصعب من ذلك من قبل و أثبت في كل مرة بأنني لا أستسلم حتى أنجح بإنجاز أكثر مما هو مطلوب مني، و لكن بإعادة النظر بمسؤولياتي الشخصية و التزاماتي العائلية أحجمت عن المقامرة بحق غيري علي، و إلا لكان مني شأن آخر. و على ذلك، شكرتهم بعمق على العرض الذي حرصت على الإشارة لهم بأنه ليس سيئاً إلا أنه لا يلائمني، و أبديت تقديري لمحاولة أخرى قد تُبذَل لتنقيح العرض، و بعد عدة اتصالات جاءتني متعاقبة للتفاوض، ما زال صمتٌ تام منذ أربعة أيام، و سيؤلمني قليلاً لو أتاني القرار بصرف النظر، لأنني و كما أخبرتهم أرى الفرصة لديهم جديرة بأن تُشتَرى بالمال و لكنها باهظة جداً علي لأتمكن من دفع ثمنها، أما لو كان الترحيب في ذيل العرض الذي عَبَّر فيه المدير العام عن ثقته من أنني سوف أقبل العرض المقدم لي و بأنه مُرَحب بي بمجرد توقيعي له، صادقاً و بعيداً عن المجاملة، فسوف أحصل على تلك المكالمة المنشودة قريباً.

9780273675433

“بَعَلِّمْكُم” و أَتعلم معكم…

الحقيقة هي أن مبادرتي بالكتابة في مدونة شخصية و بِلُغَة حميمية كاشفة جداً لدواخلي، قد تكون أول الأشياء التي أُقدم عليها بحياتي بدافع الإحتياج لا أكثر، شئٌ لروحي، لم أتوقف عنده لأحيطه بدوائر حمراء كبيرة على كل جوانبه تتوسطها أرقام تحدد كم نسبة النفع من قول هذا أو ذاك، و هل فيه فائدة لمن سيقرأه أم أنه لن يكون إلا مضيعة لوقتي و وقتكم، أو أنه سيحوي دروساً جديرة بالإطلاع عليها أو أموراً أتعلمها أنا نفسي. ذلك كان منهجي في كل عملٍ انشغلت بتنفيذه من قبل، أن أكون أكيدة من أن له قيمة تتحدد بطريقة توظيفه لغرض واضح، هدف قابل للقياس بمدى ما سيحققه من نتائج ملموسة، لي أو لغيري. اللاجدوى تجعلني أُحجم عن الفعل، أو أتراجع عنه حتى لو كنت قد بدأته، لا أحب هدر نفسي، جهدي و وقتي على لا شئ، و لا إشغال الآخرين كذلك على لا شئ. إلا أنني الآن أكتب بدافع الإلتزام، أقول كل ما يمكن أن يُقال و أحرص على ألا يكون فارغاً من أي قيمة، و قد يكون، لا أدري، و لكنني أحاول.

تمر أوقات أسأل نفسي فيها ما الذي أفعله، و أقول هذه ليست أنا، كلا هذه أنا، فقط كسرت عاداتي، و الصورة التي كافحت حتى صرت عليها، في أعين الآخرين و قبلهم في عيني، دفنت في أعماقي كل ما وودت أن أكون عليه، و اجتهدت حتى صرت كما كنت قد قررت بأنني ينبغي أن أكون عليه. حين تمردت على “دليل التشغيل” الموحد الذي يحاول المجتمع برمجة كل واحدة منا عليه، ظننت بأنني قد تحررت، لي صفة مستقلة، لا أعتمد إلا على ذاتي، لا أسير بظل مخلوق، اختار و أتحمل نتائج اختياراتي، لا ينقذني أحد ثم يفرض علي وصايته… الخ، الآن، و حين أسترجع كل شئ، أرى بأنني وضعت لنفسي “دليلاً” أصعب و أكثر صرامة و أشد امتلاء بالتفاصيل، ثم التزمت به بحذافيره و قسوت على ذاتي في كل ناحية تسامحت بها مع الآخرين، وضعت لنفسي سقفاً أعلى ثم كرست كل إمكانياتي لبلوغه، و ما زلت، و عند نقطة معينة، في ذات تعب، خامرتني الشكوك حول الطريق الذي رفضت سلوكه معبداً و فضلت أن اشق بيدي وحدي درباً غير مطروق (بكثرة). فكرت: ماذا كسبت حين تنازلت بل قاومت الاستقرار في السهل لصالح وعورة الارتحال؟!

لم يحيرني السؤال، فالإجابة معلقة فوق رقبتي، تماماً في محيط رأسي، أعرفها لأنني جربت المكانين. كنت هناك أولاً، لسنوات تعادل ثلثي عمري، هناك في واحة الوفرة و الحماية و الأمان، مقابل تسليم نفسي و ألا أكون “أنا” أبداً، ليس هناك سوى “نحن”، حيث لا سعر لك إلا بما سوف تضيف بوجودك لوزن الجماعة، و هناك عرفت جيداً لأي حد هو مؤلم حين تؤدي دوراً في حياةٍ من تأليف الآخرين كلها، حين تُحسب على الحياة و أنت مجرد رقم فيها، كل أفعالك ليست إلا ردود أفعال يجب أن تأتي متسقة مع ما يتم اختياره لك بالنيابة عنك، ليس فقط ألا تُقرر، بل حتى لا تُنفذ، و عندها تفقد اهتمامك، و بالتدريج تموت (معنوياً)، لأنك منهك من المداراة و المسايرة و المجاراة، و هنا إن كنت حكيماً بما يكفي، سَتُحول تعبك إلى فرصة. كيف؟! عندما لا تعود تشعر بأن فقدان أي شئ سيمثل خسارة لك، لأن لا شئ لديك من الأساس لتخسره، لا تستسلم لانتحارٍ بطئ تسلخ فيه أيامك حتى تنتهي، بل انهض و اقلب الطاولة بما عليها و بمن حولها و لا تقلق بشأن التهذيب و الذوق و “الأصول” فسوف تُصْلِح نفسها لاحقاً، عُدْ لذاتك، لا تكترث للتفريط بأي شئ مقابل ألا تضيعها، و حتى لا تتخبط بفورة عشوائية، فكر بكل الاحتمالات، بكل “ماذا لو…؟” و “ماذا لو لم…؟”، ثم كن “أنت” لا ما أُرِيدَ لك أن تكون، سوف تشعر بالفرق بعدها، و كيف ستصبح لك روحاً مرحة لا تعرف التعاسة مهما واجهت من عقبات الطريق (المتوقعة في أي طريق)، و ستنال فائدة إضافية، ستكون هي المكافأة الحقيقية، الجائزة الكبرى، ستتفاجأ كيف سيتكثف وجودك لدى الآخرين، ستحصل على التقدير الأكبر و التمسك الأشد بأي ضئيلٍ قد تجود به من نفسك عليهم (العلاقة بين الشح و الغلاء).

ما أردت قوله (لا أفهم كيف انتهى الحديث بغير ما بدأ به و لكنني أحاول الابتعاد عن التكلف و ترك حديثي للعفوية)… المهم: ليست لدي دروس عظيمة تعلمتها من الحياة، فكل شئ أعرفه بسيط جداً، اكتشفت كل شئ لوحدي، ثم قرأت الكثير من الكتب لأتعلم كيف أقول أفكاري (في الواقع أنا أقرأ منذ أن تعلمت القراءة، و لكنني أقصد نوعاً معيناً من القراءات)، تمنيت لو أمكنني أن أجعل من معارفي أكثر نفعاً، و أتشارك كل ما خبرته بعملي و ما تطورت فيه على المستوى المهني، و أن أمرر كل ما تعلمته و تم تعليمي إياه (هكذا دائماً أصغر الناس شأناً يحسب أنه يعرف كل شئ)، و لكن هذا حقل واسع علي و ما زلت أهرول فيه و لم أبلغ زاوية واحدة من حدوده بعد، مع أنني لا أرى مانعاً من أن أُضَّمِن بعض الأشياء في السياقات المناسبة، لا بأسلوب الاستعراض و لكن فقط لأعزز دافعي بأن أتعلم أكثر حتى أتمكن من تعليم ما أعرفه. ثم أن هناك من لم يتركوا فجوة في مثل تلك المواضيع إلا و قاموا بتغطيتها، ممن أرجع لهم شخصياً في كثير من الأمور، منهم:

http://drnabihagaber.blogspot.com/

http://www.shabayek.com/blog/

http://www.maioona.com/