“بَعَلِّمْكُم” و أَتعلم معكم…

الحقيقة هي أن مبادرتي بالكتابة في مدونة شخصية و بِلُغَة حميمية كاشفة جداً لدواخلي، قد تكون أول الأشياء التي أُقدم عليها بحياتي بدافع الإحتياج لا أكثر، شئٌ لروحي، لم أتوقف عنده لأحيطه بدوائر حمراء كبيرة على كل جوانبه تتوسطها أرقام تحدد كم نسبة النفع من قول هذا أو ذاك، و هل فيه فائدة لمن سيقرأه أم أنه لن يكون إلا مضيعة لوقتي و وقتكم، أو أنه سيحوي دروساً جديرة بالإطلاع عليها أو أموراً أتعلمها أنا نفسي. ذلك كان منهجي في كل عملٍ انشغلت بتنفيذه من قبل، أن أكون أكيدة من أن له قيمة تتحدد بطريقة توظيفه لغرض واضح، هدف قابل للقياس بمدى ما سيحققه من نتائج ملموسة، لي أو لغيري. اللاجدوى تجعلني أُحجم عن الفعل، أو أتراجع عنه حتى لو كنت قد بدأته، لا أحب هدر نفسي، جهدي و وقتي على لا شئ، و لا إشغال الآخرين كذلك على لا شئ. إلا أنني الآن أكتب بدافع الإلتزام، أقول كل ما يمكن أن يُقال و أحرص على ألا يكون فارغاً من أي قيمة، و قد يكون، لا أدري، و لكنني أحاول.

تمر أوقات أسأل نفسي فيها ما الذي أفعله، و أقول هذه ليست أنا، كلا هذه أنا، فقط كسرت عاداتي، و الصورة التي كافحت حتى صرت عليها، في أعين الآخرين و قبلهم في عيني، دفنت في أعماقي كل ما وودت أن أكون عليه، و اجتهدت حتى صرت كما كنت قد قررت بأنني ينبغي أن أكون عليه. حين تمردت على “دليل التشغيل” الموحد الذي يحاول المجتمع برمجة كل واحدة منا عليه، ظننت بأنني قد تحررت، لي صفة مستقلة، لا أعتمد إلا على ذاتي، لا أسير بظل مخلوق، اختار و أتحمل نتائج اختياراتي، لا ينقذني أحد ثم يفرض علي وصايته… الخ، الآن، و حين أسترجع كل شئ، أرى بأنني وضعت لنفسي “دليلاً” أصعب و أكثر صرامة و أشد امتلاء بالتفاصيل، ثم التزمت به بحذافيره و قسوت على ذاتي في كل ناحية تسامحت بها مع الآخرين، وضعت لنفسي سقفاً أعلى ثم كرست كل إمكانياتي لبلوغه، و ما زلت، و عند نقطة معينة، في ذات تعب، خامرتني الشكوك حول الطريق الذي رفضت سلوكه معبداً و فضلت أن اشق بيدي وحدي درباً غير مطروق (بكثرة). فكرت: ماذا كسبت حين تنازلت بل قاومت الاستقرار في السهل لصالح وعورة الارتحال؟!

لم يحيرني السؤال، فالإجابة معلقة فوق رقبتي، تماماً في محيط رأسي، أعرفها لأنني جربت المكانين. كنت هناك أولاً، لسنوات تعادل ثلثي عمري، هناك في واحة الوفرة و الحماية و الأمان، مقابل تسليم نفسي و ألا أكون “أنا” أبداً، ليس هناك سوى “نحن”، حيث لا سعر لك إلا بما سوف تضيف بوجودك لوزن الجماعة، و هناك عرفت جيداً لأي حد هو مؤلم حين تؤدي دوراً في حياةٍ من تأليف الآخرين كلها، حين تُحسب على الحياة و أنت مجرد رقم فيها، كل أفعالك ليست إلا ردود أفعال يجب أن تأتي متسقة مع ما يتم اختياره لك بالنيابة عنك، ليس فقط ألا تُقرر، بل حتى لا تُنفذ، و عندها تفقد اهتمامك، و بالتدريج تموت (معنوياً)، لأنك منهك من المداراة و المسايرة و المجاراة، و هنا إن كنت حكيماً بما يكفي، سَتُحول تعبك إلى فرصة. كيف؟! عندما لا تعود تشعر بأن فقدان أي شئ سيمثل خسارة لك، لأن لا شئ لديك من الأساس لتخسره، لا تستسلم لانتحارٍ بطئ تسلخ فيه أيامك حتى تنتهي، بل انهض و اقلب الطاولة بما عليها و بمن حولها و لا تقلق بشأن التهذيب و الذوق و “الأصول” فسوف تُصْلِح نفسها لاحقاً، عُدْ لذاتك، لا تكترث للتفريط بأي شئ مقابل ألا تضيعها، و حتى لا تتخبط بفورة عشوائية، فكر بكل الاحتمالات، بكل “ماذا لو…؟” و “ماذا لو لم…؟”، ثم كن “أنت” لا ما أُرِيدَ لك أن تكون، سوف تشعر بالفرق بعدها، و كيف ستصبح لك روحاً مرحة لا تعرف التعاسة مهما واجهت من عقبات الطريق (المتوقعة في أي طريق)، و ستنال فائدة إضافية، ستكون هي المكافأة الحقيقية، الجائزة الكبرى، ستتفاجأ كيف سيتكثف وجودك لدى الآخرين، ستحصل على التقدير الأكبر و التمسك الأشد بأي ضئيلٍ قد تجود به من نفسك عليهم (العلاقة بين الشح و الغلاء).

ما أردت قوله (لا أفهم كيف انتهى الحديث بغير ما بدأ به و لكنني أحاول الابتعاد عن التكلف و ترك حديثي للعفوية)… المهم: ليست لدي دروس عظيمة تعلمتها من الحياة، فكل شئ أعرفه بسيط جداً، اكتشفت كل شئ لوحدي، ثم قرأت الكثير من الكتب لأتعلم كيف أقول أفكاري (في الواقع أنا أقرأ منذ أن تعلمت القراءة، و لكنني أقصد نوعاً معيناً من القراءات)، تمنيت لو أمكنني أن أجعل من معارفي أكثر نفعاً، و أتشارك كل ما خبرته بعملي و ما تطورت فيه على المستوى المهني، و أن أمرر كل ما تعلمته و تم تعليمي إياه (هكذا دائماً أصغر الناس شأناً يحسب أنه يعرف كل شئ)، و لكن هذا حقل واسع علي و ما زلت أهرول فيه و لم أبلغ زاوية واحدة من حدوده بعد، مع أنني لا أرى مانعاً من أن أُضَّمِن بعض الأشياء في السياقات المناسبة، لا بأسلوب الاستعراض و لكن فقط لأعزز دافعي بأن أتعلم أكثر حتى أتمكن من تعليم ما أعرفه. ثم أن هناك من لم يتركوا فجوة في مثل تلك المواضيع إلا و قاموا بتغطيتها، ممن أرجع لهم شخصياً في كثير من الأمور، منهم:

http://drnabihagaber.blogspot.com/

http://www.shabayek.com/blog/

http://www.maioona.com/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s