“الاستحمار هو طَلسَمَة الذهن و إلهائه” *علي شريعتي

هذه هي القصة التي لا تموت، و هي المُفَضَلة عند السيد التاريخ على ما يبدو، فهي تتكرر على وتيرة أسرع من غيرها، و مع هذا لا أحد يستوعبها، يبرعون فقط باستنساخ سقطات بعضهم البعض، مثلما هي دون تعديل، و تبقى تُعيد نفسها مثلما يُعيد المعلم شرح درسه مرة بعد مرة كلما رأى عدم فهم تلاميذه لما يخبرهم به، فيقوم بصياغة الإعادة بصورة مختلفة في كل مرة عَلَّ واحدة منها تُصيب موضعاً من أذهان و لو البعض من المنومين أمامه فيكتفي. و من جرب العمل بالتدريس يعرف في نفسه كيف يكون تدرج الحال في إعادة الشرح: أول إعادة تكون مُتَفَهِمة رحيمة، و الثانية حانقة مذهولة، و كل الذي يلي سيظل يغذي غضبه و يزيد إنهاكه مثل من تم إرغامه على تفتيت جبل بساطور تقطيع المواشي، فمن كان يُدَّرس بالطلب قريباً له في البيت فإنه يملك الصلاحية لإنهاء المسألة و رفع يده عنها، و لكنه قد يفعل ذلك بمشهد ختامي عنيف (باليد أو باللسان). أما العالق بمهنة التعليم، فسيداهن قدر ما أمكنه، و حين ينفذ صبره، سينفس عن خيبته بوسائل من العنف (الصامت) قد تطال الأسئلة أو العلامات أو حتى نفسيته في التعاطي مع الطلاب، و هذا هو الأقرب لطريقة التاريخ (الذي يضطر لإعادة نفسه) بالتعاطي مع مجريات الأيام، فهو في كل مرة لا يتم فيها فهم دروسه، يرفع من صعوبة اختباراته و يصبح أكثر قسوة بالتعامل مع الذين لا يفهمون إشاراته بشكل دقيق، باجتهاد يفرضه عليهم كواجب متمثل بقراءة واقعهم بتمعن.

شريعتي

بالمناسبة، كل “مُسْتَحْمِر” هو في أصله “مُسْتَحْمَر”، و تدرج فئات المُستحمِرين أشبه ما يكون بالسلسلة الهرمية لدى الكائنات الحية، أمر يُمارَس على كل المستويات باختلاف في حجم التطبيق بحسب ما تقتضيه الضرورة لا أكثر، هو شئ يبدأ من داخل البيوت (الوالدين/ الأبناء) و ينتشر في المدارس، الشوارع، مؤسسات الدولة و مواقع العمل، لدى أصحاب السلطة الأكبر فالأقل فالأقل حتى نصل للمسحوقين تماماً، دائرة حيوية حتمية تفرضها طبيعتنا البشرية و تأخذنا في دورانها دون وعي منا، لا مفر بالنهاية، و لكن هناك الكائن الذاتي التغذية، لا يعتاش على حساب وجود غيره، ثم إن النباتي أقرب لإنسانيته من آكل اللحوم، و حتى ضمن أكلة اللحوم هناك تفاوت في الدموية.

في سرد “محمد الرايس” أحد الناجين من معتقل ” تازمامارت ” لاعترافاته “من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب و إياب إلى الجحيم”، عبر عن حنقه عن مدبري الانقلاب الأول ضد الحسن الثاني ملك المغرب، (تحديداً الكولونيل اعبابو محمد) بعبارة يمكن استشعار القرف الذي قيلت بها: “ليس هناك ما هو أفظع من التلاعب بأحاسيس الآخرين.”، ثم عبَّر عن الامتعاض نفسه نحو مدبري الإنقلاب الثاني (تحديداً الجنرال أوفقير محمد) بقوله: “لكن الحياة قد تُخبئ لمن يعتبر الناس حميراً ما لا يخطر على باله.” و هو مُحق في رؤيته للأمر من تلك الزاوية، فحتى الحقوق لا تُستعاد بالوساخة (أما بالنزاهة أو بلاها)، فما بالك بما هو باطل مزور بلبوس الحق، مجرد تجييش لذوي الحقوق المستلبة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، إنها الانتهازية في أقذر صورها.

أمثال أولئك، لن أقول لو كانوا نواياهم نقية، لو كان فعلهم لخير، لو كانوا صادقين، لما انتهوا تلك النهايات البشعة و لما جروا خلفهم مئات الضحايا المغرر بهم بعمليات استحمار متقنة لا مثيل لها، بل فقط لو أنهم يستوعبون من التاريخ دروسه لما قذف أحدهم بنفسه بمثل تلك المغامرات المأساوية دون حسابات دقيقة، و لكنهم يرفضون التعلم، و حتى اليوم ما زال منهم (بدون ذكر أسماء) من يقتبس السيناريوهات التي أودت بسابقيه مأخوذاً بحمق يحسبه اليقين من أنه المخلص القادم المبعوث من السماء.

قصة قصيرة

في أمثولة “ملابس الإمبراطور الجديدة” وقع نوعٌ من استحمارِ مُستَحمِرٍ رَدَ على استحماره باستحمارِ مُستَحمَرين غيره، ردوا على استحماره لهم باستحمار أنفسهم، و هو أيضاً فعل مثلهم حين انكشف أمام نفسه!

عاشَ في قديمِ الزمان إمبراطور جعل مَبْلَغَ هَمِهِ ارتداءَ مُفْتَخَرِ الثيابِ الجديدة التي كان يُنفق على اقتنائِها كل ما تحته من مال. لم يكن يُلْقِ بالاً لحالِ جُندِه، و لم يكن لديه أدنى اهتمام بالمسرح، و لم يكن يَطُوف متفقداً شعبه في مركبته الملكية إلا ليستعرض للناس ملابسه الجديدة الزاهية. كان يلبس أرديةً جديدة كل ساعةٍ من ساعاتِ اليوم، و درج الرجل من رعيته على القول بأن “الإمبراطور في خزانة ملابسه”، بدلاً من القول أن “الإمبراطور في ديوانه”!

كانت عاصمة حكمه مدينة عظيمة طابعها الفرح و البهجة و المسرة، و كان يغشاها كثير من الغرباء. جاءَ إلى المدينة رجلان ذات يوم و زعما أنهما من النَسَّاجين المهرة الذين يجيدون نسج أفخر الأقمشة التي يمكن للمرء أن يتخيل وجودها. كانت أقمشتهم – كما زعما- بهيجة الألوان، مبهرة الأشكال و الأنماط. لم يكن ذلك كل شيء، بل زعما أن ميزة تلك الأقمشة الكبرى هي أن لها خاصية عجيبة، فهي تصير مخفية عن الأنظار لا تُرى إن وقع عليها نظر امرؤ غبي، أو من غير المستحقين للوظائف التي يشغلونها.

سمع الإمبراطور بنبأ القماش العجيب، فسُحر بفكرة أن يقتني الكثير منها، إذ أنه بذلك القماش يستطيع بسهولة معرفة مَن مِن رعاياه لا يصلح لوظيفته، و يمكنه أيضاً أن يميز الغبي فيهم عن غيره. أمر بشراء كمية ضخمة من ذلك القماش على الفور و دفع نظيرها للرجلين النصَّابين مالاً كثيراً. بدأ الرجلان النصابان في العمل بأن “نصبا” مَنْسَجَين كبيرين، و تظاهرا بنسج القماش المزعوم. كانا يطلبان من حين لآخر مزيداً من خيوط الحرير و قطع صغيرة من الذهب لتزيين ما ينسجانه. كانا لا يتوقفان عن “العمل” في منسجهما الفارغ إلا ليضعا ما يحصلان عليه من خيوط الحرير و قطع الذهب في كيسين كبيرين. مضى المحتالان في العمل طوال الليل دون كلل أو ملل.

لم يُطِق الإمبراطور صبراً على انتظارِ انتهاءِ الرجلين من عملهما، ففكر في الذهاب لهما و هما ينسجان قماشه العجيب، بَيدَ أن أمر عدم تمكن الأغبياء، و مَن ليسوا أهلاً للوظيفة التي يحتلونها من رؤية القماش جعلته يتردد في الذهاب. ليس – بالطبع- لأنه يعتقد أنه غبي، أو ليس مستحقاً لوظيفته، بل لأنه رأى أن ينتهز الفرصة و يُرسل من يُرِيد أن يختبره من أخلص رجاله. لم يكن الإمبراطور وحده في ذلك التفكير، فلقد كان كل الناس في المدينة يرغبون في معرفة إن كان جيرانهم من الأغبياء أو عديمي الكفاءة!

“سأرسل حاجبي العجوز المخلص ليتفقد عمل النسَّاجين، فهو خير من يقوم بتلك المهمة. كيف لا؟ و هو الذكي و خير من يشغل وظيفته”. هكذا فكر الإمبراطور في نفسه! ذهب حاجب الإمبراطور العجوز للقاعة التي خصصت للنسًّاجين، و وجدهما يعملان بجد و اجتهاد على منسجهما الفارغ. و يا لهول ما رأى (أو لم يرَ!). فتح عينيه أكثر ليتأكد مما لم يرَ، و قال لنفسه: “إنني لا أرى شيئاً”، بيد أنه لم ينبس بِبِنت شفه. رآه المحتالان قادماً فصاحا فيه أن اقبل لترى نوعية القماش العجيب الذي يتم نسجه. فتح عينيه أكثر و أكثر، و لكن لم يكن هناك من قماش يُنسج، فلجم لسانه و سكت عن الكلام. قال في نفسه: “يا إلهي! هل أنا غبي لهذه الدرجة؟ هل صحيح أني عديم الكفاءة لا أصلح لمنصبي هذا ضمن حاشية الإمبراطور؟ لن أستطيع أن اعترف بأني لا أرى القماش الذي ينسجانه!”

انتبه الحاجب و هو في حيرته العميقة تلك لصوت أحد الرجلين يسأله: “لم تقل لنا ما هو رأيك في القماش؟” لم يحر الحاجب من إجابة غير أن يقول و هو يتشاغل بإصلاح وضع نظارته على رأسه: “أوه… يا له من قماش رائع … تصميمه رائع و ألوانه بهيجة. بالتأكيد سأخبر الإمبراطور بأنني سُحرت بجمال و روعة هذا القماش”. أجاب الرجلان المحتالان بأن ذلك مما يسرهما، و طفقا يصفان له دقائق التصميم و عجائب الألوان في ذلك القماش الوهمي. ظل الحاجب العجوز ينصت لهما بإمعان حتى يحفظ وصف القماش ليكرره على مسامع الإمبراطور فيما بعد… و قد فعل!

بعد ذلك زاد المحتالان في طلباتهما من الحرير و الذهب و الأموال بدعوى الحاجة الملحة لها لإكمال العمل، و مضيا يحشوان كيسيهما و جيوبهما الكبيرة بكل ما كان يصلهما، و يواصلان عملهما الوهمي!

لم يمر وقت طويل حتى أرسل الإمبراطور أحد ألطف خاصة حاشيته ليرى تقدم العمل، و ليعلم موعد تسليم القماش المنتظر. لم يكن حظ الرجل مع المحتالين خير من حظ ذلك الحاجب العجوز، و تكرر ذات المشهد الذي فيه يصف المحتالان جمال القماش و روعة تصميمه، و الرجل يؤمن على ما يسمع، و هو عاقد العزم على عدم ذكر ما (لم) يره حتى لا يتهم في ذكائه، أو في استحقاقه لوظيفته التي يحتلها منذ زمن! هرع الرجل لإمبراطوره يبشره بأن العمل يسير على ما يرام، و وصف له جمال القماش و روعة تصميمه. سرى الخبر في المدينة، و لم يكن للناس من موضوع للحديث غير تكرار مزايا ذلك القماش الجميل الألوان الرائع التصميم!

قرر الإمبراطور أخيراً الذهاب بنفسه – في نفر من حاشيته، منهم الرجلين الذين أوفدهما من قبل- لرؤية القماش و هو في منسجه. كان المحتالان غارقين في العمل دون وجود أثر لخيط واحد في المنسج! قال الحاجب و رفيقه بصوت واحد وهما يشيران للقماش الذي لا يريانه، و يظنان أن الآخرين يستطيعون رؤيته: “يا لجمال هذا القماش! فليتفضل جلالة الإمبراطور بالنظر في جمال القماش و روعة تصميمه”! صُدِمَ الإمبراطور بحقيقة أنه لا يرى شيئاً مما يصف الرجلان. قال في نفسه: “ماذا يعني هذا بحق الشيطان؟ أيعقل هذا؟ هل أنا غبي لهذه الدرجة؟ أم أنني لا أصلح كي أكون إمبراطوراً؟ ستكون هذه كارثة ماحقة عليَ إن صح أي الزعمين”. لم يجد ما يقول غير: “بالفعل… يا له من قماش بديع و تصميم رائع! سيكون رائعاً عند خياطته. إنني أجيزه”. بالطبع وافق الجميع على ما قاله الإمبراطور، و قالوا بمثل ما قال، بل وزاد أحدهم باقتراح عملي هو أن يرتدي الإمبراطور ثوباً جديداً من ذلك القماش في الموكب الإمبراطوري الاستعراضي القادم! أمَّن كل من كان حاضراً على ذلك الاقتراح العبقري. أخذ الحماس بالإمبراطور فأمر بمنح النسَّاجين وساماً سماه “وسام فارس المنسج” يعلقه كل واحد منهم على صدره!

ضاعَفَ النسَّاجان من مجهودهما، و سهرا الليالي و أحرقا عشرات الشموع لإكمال ثوب الإمبراطور الجديد. أخيراً و بعد اكتمال نسج القماش، بدأ النسَّاجان في عمل “الثوب الجديد” و مضيا يشقان الهواء بمقصات ضخمة، و يخيطانه بإبرٍ ليس فيها من خيوط، و أعلنا أخيراً أن رداء الإمبراطور جاهز ليرتديه جلالته!

حضر الإمبراطور في موكب رهيب، و تلقاه المحتالان و هما يتظاهران برفع جزء مما نسجاه و يقولان له: هذا هو الجزء العلوي من الثوب، و هذا ما ستلبسه في الجزء الأسفل، و هذا هو الشال المصاحب للرداء، و هكذا طفقا يعددان أجزاء الثوب الوهمي، و يكرران: “ستبدو و كأنك لا ترتدي شيئا، و هذا هو بالضبط موطن الجمال في هذا الثوب الأنيق”! كان الجميع من حول الإمبراطور يؤمنون على ما يقوله المحتالان و لا يرون شيئاً، و لكن دون أن يفتح الله على أحد منهم بكلمة اعتراض واحدة!

قال أحد المحتالين للإمبراطور: “هلا تفضلتم جلالتكم بخلع ملابسكم حتى نلبسكم ثوبكم الرائع الجديد أمام هذه المرآة الطويلة”. خلع الإمبراطور ملابسه، و مضى المحتالان يناولانه قطع ثوبه الجديد واحداً بعد الآخر، و من حين لآخر يساعدانه على ربط شيء في الثوب، أو تعديل وضع آخر. اختتما “مهرجان التلبيس” بوضع ما قالا إنه يعرف عند الخياطين ب “القطار” و هو ذلك الذيل الطويل من الثوب الذي يجر من الخلف. سألاه: “كيف يجد جلالة الإمبراطور ثوبه الجديد؟”، و قبل أن يجيب الإمبراطور أجاب الجميع بصوت واحد: “يا له من ثوب رائع، و يا لها من ألوان جذابة”

صاح الحاجب العجوز: “إن المظلة التي نصبت فوق موكب جلالتكم جاهزة الآن في الخارج”. خرج الإمبراطور تتبعه حاشيته، و تسابق بعض المرافقين لحمل “الذيل” في ذلك الثوب الوهمي و مضى الجميع في الإشادة بالثوب و جماله، و لم يجرؤ أحد على التصريح بأنه لا يرى شيئاً. لم يقابل أي ثوب من ثياب الإمبراطور الجديدة طوال مدة حكمه الطويل بمثل ما قوبل به هذا الثوب الأخير!

سمع الناس فجأة طفلاً غريراً يقول في دهشة عظيمة بعد أن وقعت عيناه على الإمبراطور: “و لكنه لا يرتدى شيئا!” صعق والد الطفل و قال و هو خائف وجل بعد أن بدأ البعض يكرر ما قاله الطفل: “لا تلقوا بالاً لما يخطرف به هذا الطفل الأرعن”! استجمع الناس شجاعتهم بعد حين، و بدأ بعضهم في التصريح بما يرى. وصل صياحهم لأذني الإمبراطور لأول مرة، و سرى في عظامه شعور غامض مخيف، إذ كان يدرك في خبيئة نفسه أن ما يقولونه هو عين الحقيقة. رغم ذلك قال لنفسه إن ليس بإمكانه التراجع الآن، و إنه من الأفضل المضي في التمثيل حتى النهاية. أخذ نفساً عميقاً، و رفع رأسه بأعلى من ذي قبل، و ظل رجال حاشيته يرفعون ذيل ثوبه الوهمي.

*هانس كريستيان أندرسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s