{إن خيرَ من استأجرت القوي الأمين(٢٦)}*القصص

و لكن ما هي “القوة” المطلوبة في العامل بأجر، و كيف هي “الأمانة” اللازمة؟

ما أعرفه هو أن القوة غير مرتبطة بسلامة العلامات الحيوية للجسم وفق مقاييس الصحة، بقدر ما هي مرتبطة أكثر بالقدرة على إتيان الأفعال النشطة و الإستمرار بالتحركات المؤثرة (السلحفاة سبقت الأرنب).

فيما يتعلق بنطاق العمل (المهنة)، القوة هي الطاقة اللازمة لإحداث التأثير المطلوب، لا أكثر و لا أقل (أحيانا تكون طاقتك تفوق المهام التي يتم تكليفك بها، و هذا مزعج تماماً مثل عندما يتم تكليفك بما يفوق طاقتك). و لا يمكن أخذ أعلى درجة منها و تطبيقها على كل المجالات بدعوى “…إن خير من استأجرت القوي…” فالقوة نسبية، و ينبغي أن يكون النوع الذي تنشده في أجيرك من القوة متوائماً مع الوظيفة المُعَّيَن لها، و ليس الغرض الذي أُرِيدَ له “القوي” يحتاج دائماً القوة الجسمية لأدائه، فقد تكون القوة في النفس، أو بالقدرة على فهم تخصص محدد، أو إحداث تأثير سلوكي يدفع الأمور نحو التحسن، أو تقديم دعم معنوي يرفع أداء الآخرين…

أما الأمانة (للالتزام بالعمل فيما أوتي المرء القدرة على إنجازه) فلا أظنها تقاس بالنسبية، فمهما كان ما سوف تُؤْتَمَن عليه، توجب أن تحافظ عليه، أن تصون مسؤولياتك و تؤديها بنزاهة تامة. ليست النزاهة التي تتظاهر بها تحت وطأة الرقابة، بل ما تكون أنت عليه حتى بلا إشراف، أن تكون مُرَاقِب فعلك و مُحَاسِب ضميرك، دون أن يكون هناك ضرورة لتدجينك (بالإرغام) على التَقَيُد باتِباع دليل (سياسة الالتزام و عقوبات المخالفات)، و لا أن تكون تلك الأمانة قابلة للتقلص و التمدد عكسياً مع تمدد و تقلص حجم نفوذك أو سلطتك أو فرصتك بالإفلات من المسؤولية.

و بهما (القوة و الأمانة) يتم رسم معايير الأفضلية بين الذين يتم استخدامهم لتنفيذ المهام نفسها، في هاتين الميزتين يكون التباين ما بين موظف و آخر.

و لكن، سؤال: القوي الغير أمين، أم الأمين الغير قوي؟
في الواقع، شاهدت كل قوي غير أمين يتحول إلى انتهازي متسلق مستبد، كما لاحظت أن كل أمين غير قوي هو مشروع سلبي انهزامي منسحب.

قلت كل هذا من رأسي و موقعه على الوسادة الآن، و النعاس يطوف بأجفاني، فلا بحثت في الأمر و لا قرأت مراجعة فيه، فقط هي خواطر مرت بذهني و الآية ما زالت عالقة بتفكيري منذ ساعات أتأملها بسياقها الذي وردت فيه و مقتطعة من لسان قائلتها، فمن رأى غير ما أرى فليصوبني مشكوراً.

لماذا يتلذذ الإنسان “الحقير” باحتقار الآخرين؟!!


ربما لأنها الطريقة الوحيدة التي قد تُحَسِّن من شعوره حيال ذاته، هو فارغٌ من الداخل و لا شئ يُشعره بالكفاية، يعرف جيداً كيف لا تمتلئ نفسه الخاوية بشئٍ سوى إحساسه بدونية مكانته و نقص قيمته، و عجزه عن بلوغ أي قَدَر يتمكن الآخرون من بلوغه بالفعل و الجد و الاجتهاد. أما التعب؟ فهذا ما لا تمتلك إليه روحه البليدة المستهترة الخاملة سبيلاً تَشّقُ عليه بإتيانه، كلا ليست المشقة خياره فهو لم يعتد إلا على الوصولية و التملق و الاستغلال (أو الركون إلى الهامش)، هكذا يحقق رغباته و يشبع نهمه بل لهفته نحو أي أمر قد يحقق له أدنى إمكانية للظهور و الاستعراض، فقط أن يكون مرئياً و معترفاً به بأي صفة. و كلما سمح له الناس بالاقتراب منهم زادت محاولات تحقيره من شأنهم، و كلما أبعدوه عنهم سَلِموا. و حين لا يكون لديه شئ ليفاخر به، لأنه حتى لا يحاول عمل أي شئ، يكون سلاحه الكذب و التزوير و اختلاق هالة حوله ينسجها من شبكة أكاذيب تبتلعه فيما بين عُقَدِها لأنه يتوه فيها و يُضَّيع مداخلها و مخارجها و ينسى كيف لا تكون الكذبة التالية متعارضة مع واحدة قالها قبل قليل، بل كيف كلما طال تدليسه، تبدو كذباته المتلاحقة حين يتم تجميعها في رواية متصلة مستحيلة الحصول و لا يمكن أن تكون قد حدثت مثلما يرويها بالقياس مع الواقع و بوزن المنطق و تحكيم العقل، مع شخص واحد، و ليس هو قطعاً! فلو كان أصلاً على هذا القدر من الذكاء و المفهومية و النباهة ، لوَظَّفَ كل قدراته تلك في مبادرة خَيِّرَة تُغَير ما في قلبه من سواد، أو إنجازِ عملٍ يستحق عليه التقدير، بدلاً من أن يبقى يتسول التعاطف و الاهتمام بوسائل مُنَفِرة، و لا ينتبه حتى لنفور الجميع منه، و يظهر اقتناعه بأن رفضهم له ناجمٌ عن غيرةٍ و حسد!

كيف يمكن جعل المنغمس بفساد قوله و فعله، راضياً عما هو عليه (بالتقليل من كل ما أي أحد غيره عليه) أن ينقطع عن المناداة على بضاعة وهمية أشبه بمحاولة بيع الهواء ثم يوضب بسطته و يتراجع لداخل جحره و يتوقف عن أذية المارين بالطريق التي يعسكر في زاوية منها؟! طالما كانت عقدته تكاد تخنقه فلم لا يَكُف أذاه بأن ينطوي على نفسه و يدمر عالمه الخاص و لا يتجاوز لمساحات المجاورين له (رغما عنهم بالتأكيد)؟! لأن من يكون قَدَرُه التعامل مع مثل هذه النوعية من البشر (و هو ليس منهم) و مهما كانت صلتهم به، فإنه لا يوفر أقرب فرصة سانحة لمغادرتهم و تركهم لجحيمهم الذاتي يتقلبون فيه على جمر الإقصاء و التجاهل الذي لا يزيدهم إلا احتقاراً لأنفسهم، ذلك الاحتقار الذين يعبرون عنه بصورة احتقار موجه للخارج، لكل شئ و لكل أحد، من خلال تضخيم الواحد منهم أناه و استصغار ما عداها، و البحث عن العيوب في كل جميل، و افتراض المشاكل وراء كل فعلٍ حَسَن، و التشكيك بخير النوايا، و الشماتة بكل نازلة يُبْتَلى بها غيره، التشكي، الاعتراض، التطلب… قائمة طويلة تشمل كل الصفات التي تشترك في كون الناتج منها نوع من الثرثرة المملة المفضية إلى الشعور بالعذاب لدى من يجد نفسه مُلزَماً بالتقاطع مع ذلك “الحقير الذي يتفنن بالتحقير” في معاملة مهنية أو صلة اجتماعية أو حتى قرابة دم. أما لو اجتمع اثنان من هذا الصنف، فلست أكيدة ما الذي قد تكون عليه علاقتهما و شكل تحاورهما، هل ينسجمان معاً أم يكون نفورهما من بعضهما البعض شبيه بنفور الناس منهما معاً؟!