تقولُ لي: “نحن لا نفهم الموت”، أقولُ لها: “بل نحن لا نفهم الحياة”!

قالت لي الكائنة الخرافية التي الْتَمَسْت منها التوجيه كلاماً هو من أعمق ما قد قيل لي و أكثره ارتباطاً بالواقع، (الواقع المُدْرَك و ليس المنظور)، قالت لي أشياء صَدَقْتُها، و جعلتني أقتنع بأنه من الممكن أن ندع “الموت” يستوطن زاوية الرصيف الأقرب للحي الذي نسكنه ثم نتجاهل مراقبته لنا و نتظاهر بعدم رؤيته، أن نُبدي التجاهل لوجوده بينما نَرْقُبه من حيث يَرْقُبنا، هكذا ببساطة، دون تشنج أو عدائية، أن نتوقف عن مهاجمته للدفاع عن وجودنا.

“نحن لا نفهم الموت، نفهم فقط أنه سيحصل.. أكره شخصيًا فكرة النهاية، و الموت حقيقٌ بأن يثير داخلنا ذاك الرعب و الرغبة بأن نظل بعد موتنا، خلودٌ بطريقة ما.. الشعراء فكروا بهذا، كان الشعر وسيلتهم لتخليد من يحبون مثلما فعل شكسبير مع محبوبته و كما قال بإحدى السونيتات.. لذلك أتفهم جيدًا رغبتك بأن تتركي ورائك خطًاً يتبع، أنك كنتِ يومًا ما هنا.. هذا جزء من رفضنا للموت، و عشقنا للحياة بأي صورة كانت.”

“لا أشجعك بأن تحاولي فهم الموت، أو تدقيق النظر إلى عينيه.. لا أنصحك أبداً، دعيه.. ارمي فوقه غطاءً أسود اللون.. لكن لا تجعليه يغيب تمامًا عن الصورة، ضعي بذهنك أنه بأي لحظة و بدون أي سبب سيرمى الغطاء و ينقض ما تحته عليك، هذه حقيقة، فهمك أو عدم فهمك لها لن يشكل أي فرق.. لكن إدراكك و تقبلك لها سيكون نعمة، لو حدقتي طويلاً إلى الموت و تفكرتي به، فلن تخرجي عن اثنتين.. إما أن تصبحي ذات مزاج اكتئابي تشاؤمي، لا ترين لأي شيء قيمة.. أو انك ستصبحين من أتباع مدرسة كارب دييم.. و تقضين عمرك باللهو مادام منتهيًا على أية حال.”

“و بخصوص إحساسك بالضياع، سأقول لك شيئًا أرجو أن يكتب على قبري.. كل ما نحتاجه موجود داخلنا ، و كل الأجوبة نعرفها، علينا فقط أن نرغب حقًا و أن نبحث بما فيه الكفاية.”

ثقي بي يا خرافية، ثقي بي، أدري كيف أتفاهم مع “الموت”، فقد صافحته مرة (منذ أربعين يوماً تحديداً)، و لم يكن بارداً و لا مخيفاً، بل كان دافئاً ودوداً.

و قلت له: “ليس الآن، لست مستعدة بعد.”

و لكنني بدأت منذ ذلك الحين أُوضب أيامي، حتى لا أترك شيئاً غير مكتمل، أو أنقطع عن تأدية مهمة لا يكون واضحاً لمن سيتسلَّمها من بعدي كيف سيُكْمِلها، أعدت ترتيب أولوياتي بحكم الضرورة حتى لا أُخَلِف من ورائي الفوضى، و تجَنَّبْت مباشرة أي مشروع لا يظهر بحساباتي التقديرية أنني سأتمكن من إنهائه كما يجب (و بوقته).

و لكن الموت؟ لا بأس عليه. “الموت” حين تغدين مألوفة لديه، يبتسم عندما تحضرين، يسحب لك المقعد بلطف، و يسألك أتشربين شيئا قبل أن نبدأ؟ ثم ينصاع لرغبتك بانصرافه على أن يعود لتسجيل طلباتك لاحقاً، حين تكونين جاهزة للتفاوض، حين تدركين جيداً ما تودين الاحتفاظ به مقابل ما ستقبلين التنازل عنه.

لا تخشي علي من الوقوع بفخ الكآبة، فأثر “الموت” عكسيٌ علَي، و في كل مرة حصلت بيني و بينه مواجهة، أعود أكثر اسْتِطْعاماً للذة الحياة، أفتش عن أحلى ما فيها لأعيشه، أُقشِّرها من طبقات الأوساخ المتراكمة عليها بفعل بشاعات البشر و أعتصر لبابها بشَغَف، آخذ منها قدر استطاعتي و أعطيها بكثافة أشد مما كنت اعتدت أن أعطيها من قبل، نعم هو التطلع نحو ما يُخَلِدنا في ذاكرة الناس لنُبقي إرثاً منا يتم تداوله من جيلٍ لجيل (جرعة تفاؤل مُفرطة).

الكتابة وسيلة واحدة من بين عدة وسائل نسعى بواسطتها لحفر أثار مرورنا يوماً من هنا ( مثلما حَفَرَ الإنسان البدائي رسومه التعبيرية على جدران الكهوف)، و كلما خَامَرَنا الشعور بقرب انتهاء مهلتنا تَعَجَّلنا بالسير لنُحيطَ بأكبرِ ما يمكن من أشياءِنا التي نظن بأنها لا بد أن تُقال الآن (و لكن، بيني و بينك، لا تنخدعي بالتزامي الظاهر حالياً بتكريسي لجزء من وقتي كل يوم لقول شئ، فليس هذا إلا لأنني دفعت مالاً مقابل شغل هذا الفضاء لأملأه بمحض هراء أقوم بصياغته بمنتهى الجدية ليبدو و كأنه على تلك الدرجة من الأهمية).

أما الحياة (العقدة) التي لم أتوصل للتفاهم معها بسهولة، فقد تمكنت بالنهاية من ترويضها (أو العكس ربما)، حتى صَنَعْتُ عالمي بما توفر لدي من خامات (بالمتناول)، عالمٌ بهيج ممتلئ بالألوان، أظن لأنني أعرف كيف أنتقي محتويات أيامي و آخذ أحسن ما في الدنيا و أترك الباقي لمخازن الأقدار.

معضلة التعساء أنهم يريدون كل شئ و يُصِرُون على الحصول على كل شئ، و لا يُقِرُون بأن للإنسان سعة لا يمكنه تجاوزها، فيتعثرون تحت ثقل أحمالهم، ينفقون وقتاً بملاحقة ما يتناثر من بين أيديهم، و ربما يُبْطِئون قليلاً لِلَمْلَمَة ما وقع من بين أمتعة رفقاء طريق الشقاء التي حَسِبُوا أن المرور بها إلزامياً لأنهم ما رأوا غيرها (لم يخبرهم أحد و لا هم سألوا)!

هكذا توصلت لاتفاقي مع “الحياة”، هكذا هو العالم كيف أراه، من موقعي بالأسفل و رأسي مغطى بظلالِ حقلٍ بالكادِ أتمكن من تَبَيُن السماء من بين فُرَج تعريشاته، لا أفهمه و يترك في رأسي الكثير من الفَجَوات أجتهد بإكمال الفراغات بينها باختراع تفاصيل من خيالي. هل هذا سئ؟ أم أنه ليس جيداً بما يكفي؟ ماذا ترين يا خرافية؟ ماذا ترون كلكم؟

2 thoughts on “تقولُ لي: “نحن لا نفهم الموت”، أقولُ لها: “بل نحن لا نفهم الحياة”!

  1. النهايات مؤلمة دائمًا..نادرًا ما نختارها، لا نملك عادةً القدرة على تحديد شكل تلك النهاية او ماهيتها.. نهاية فلم احببناه، نهاية حياة صديق.. او نهاية حياتنا، هي شيء لا يمكننا تجنبه.. كل ما يمكننا فعله، كل ما يجب ان نفعله برأيي.. هو ان نجعل الوقت الذي سنقضيه بين الولادة القسرية و الوفاة الجبرية ذا معنى، ان نجعل مرورنا العابر.. نعم يا صابرين، مرورنا العابر بهذا الكوكب ذا معنى، ان نترك ارثًا.. ارث الغالبية من البشر لن يكون كإرث دوستوفيسكي.. القدر و الواقع، ان غالب البشرية محكوم عليها بالنسيان.. لن يمكن للجميع ان يكون ماركيز اخر، و ان فاق ماركيز موهبة و حكمة.. هذا هو عالمنا و هذه قوانينه، ليس من المهم ان يعرف العالم ان لي اسمًا.. ليس مهمًا ان يقرأ الكل مدونتي الكئيبة، المهم فقط.. ان لا اكون مجرد اسم، ان أثرت بغيري، ان تركت جزءًا مني بغيري.. جزءًا خيرًا.. فقد عشت للأبد.. لعل العطاء، وربط هذا العطاء بالعظيم الذي بالسماء.. هو الشيء الحقيقي الوحيد، الشيء الوحيد ذا المعنى.

    إعجاب

    • المؤلم في النهايات أنها تعني انتهاء جمال كل الذي مر، و ذلك الذي يمر بنا و نمر به هو بصمتنا، و احتمالية وجودي التي صنعتها ليست محدودة بهذا الكوكب بل تشمله و كل ما وراءه، لكل منا أثر سيبقى، و لكن ليس كل أحد يختار عمله، معظم الناس ينتهون دون التحقق حتى من ماهية الرسالة التي تم نذرهم لها، يتغاضون عما هو مقدر لهم و يركنون إلى “اللاشئ”.

      أقتبس عني من موضعٍ آخر:

      “لا تنتظر من أحدٍ أن يغير لك واقعك، أنت تحصل على المواد من مصادر متفرقة، ثم تعمل على ذلك بنفسك. لا تتحدث عن الوحدة و التكاتف بينما لم يتم العمل على الإنسان “الفرد” كونه أصغر وحدة مكونة لأي نوع من الجماعات و العلاقات و الروابط، واحد، قرين، أسرة، جيرة، جماعة، مدينة، دولة، قارة، عالم… فإذا لم تعمل على جودة العنصر المكون فلا تتحدث عن الخردة التي ستنتج من تجميع عدد من هذا العنصر في تركيبة واحدة. و لذا متى ما كان الشخص يقدم نفسه كأولوية و هو الوحدة الخام التي ينبغي عليه التركيز على صقلها و تطويرها و تحسينها لأقصى ما يمكن، ثم يتوسع إلى الذي بقربه، ثم من هم بمحيطه و هكذا حتى يمتد تأثيره و يُوجد فارق في هذا الكون، و لكن هذه العملية بمراحلها كاملة، لا تتوفر لكل البشر، من يمشيها كاملة معدودون في هذا العالم، و لذا مبدئياً و كنواة، نعمل معاً و لكن حتى في تشاركنا تكون كمية الشغل الكبرى موجهة لذواتنا، اعمل على وعيك الذاتي أولاً، و أنا كذلك، و هو و هم و كلنا، و من المجموع يتشكل وعي أكبر يضاف إلى “الوعي الكوني” بمفهومه الأبسط.

      فلا أحد يمكنه أن يجعل من إصلاح ذوات الآخرين مهمته الشخصية و يترك نفسه، إلا حين يبلغ مرحلة معينة من الوعي يكون فيها انتهى من إنجاز المراحل الأولية مع “ذاته”، و لكن عملك على نفسك لا يعفيك من مسؤوليتك مع الجماعة و لكن بما يتماشى مع متطلباتهم و ليس بما يتماشى مع رؤيتك “الذاتية” و إلا تحولت إلى مجرد “ديكتاتور” آخر يعطي لنفسه الحق أن يفرض على الناس السير بقوة العنف و على ما يراه لهم على اعتباره لنفسه الأعرف و الأعلم و الأقدر و إلا ساق لهم الهلاك، و كوني لا أتعامل بالتشخيص و الأسماء أترك لك استجرار الأمثلة من واقع الآن لأفراد و جماعات تلعب مثل هذا الدور و لك أن تقيس ما ينتج من وراء توجههم هذا من تدمير لذواتهم و لغيرهم كذلك.

      خذ وقتك و ابذل سنوات في التأمل، و ستجد أن معظم من في محيطك، غير مجموعة التأثير التي تكون قد اصطفيتها في مرحلة ما و بُتَ واحداً منها، عالقون في الدرجة 175 على مقياس “هَوكنز” و يُفنون أعماراً من عمرهم في التقلب نزولاً لما دونه و صعوداً لا أكثر من إليه، و ستبقى تحترم اختياراتهم المتماشية مع حدود وعيهم و لن تفرض عليهم مرحلتك و كذلك لن ترفضهم و تعاديهم، عليك قبولهم مثلما هم، كما تنتظر منهم أن يقبلوك مثلما أنت، فلا تحسب أن تدرجك طلوعاً بدرجة وعيك سيضمن لك أن من هم دونك لن يتوجهوا إليك بالكراهية لاختلافك عنهم. و أنا حين أكون في المرحلة ما بين 540 إلى 600 فلست مؤهلة بعد لترك تركيزي على صقل ذاتي و التوجه للناس البسطاء حسني النوايا الذين يمطرونني بالمحبة و أكترث لهم و أعاونهم و أرعاهم وفقاً لما هم على استعداد لاستقباله مني لا أكثر، بالمواعظ المتعالية و التحقير من الشأن و طعن الآخرين في ذواتهم و إلا زدت الأمور سوءاً و “ما كان الرفق في شئ إلا زانه…” بل و حتى لو فتح الله علي من فتوحاته و بلغت درجة ال700 إلى 1000 فلن يكون لي أن أطغى و لو كان لطغى الأنبياء و لا لوم عليهم! “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ…” و لا تعكس ذاتك على الناس، فأنت ذاتك و هم ذواتهم، و مشروعك يبدأ من داخلك و لو كنت متحرقاً لأن تبدأ العمل على البشرية بأكملها فسوف يظهر شغفك هذا على شكل الدافع الذي يعينك على أن تجتهد بكليتك على نحت ذاتك و الوصول بها لمرحلة استحقاق صنع التغيير و تحمل كل المشاق التي ستبرز في طريقه.”

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s