قصة قديمة!

عثرت عليها و أنا أُقلِب في ركام أعمالي الغير مكتملة (و هي كثيرة)، تعود لشهر أبريل من العام 2010 حيث كنت أحاول تحضير مجموعة قصص قصيرة لتسليمها من أجل المشاركة بمسابقة “سعاد الصباح” فئة القصة القصيرة، و لكنني لم أتمكن من التفرغ حتى إتمام العشرين نصاً المطلوبة، لم يسعني الحماس سوى لإنجاز أربع قصص، و كانت الخطوة الأصعب دائماً في اختيار “الموضوع”، ليس “العنوان” بل الفكرة، القضية التي علي أن أجعلها محور الحبكة، مع أن ثمة الكثير مما أود الكتابة عنه، و لكنها مشكلتي بالعجز عن “الكتابة” تحت الطلب، و هي أزمة عانيت منها باختبارات “التعبير” المدرسية (في المراحل المتقدمة).

ففي المرحلة “الابتدائية” دَاوَمَت معلمة اللغة العربية على إرسالي في كل حصة تسليم للمواضيع المطلوب إنشاءها إلى خارج الصف، و لا ترافقني بل تطلب مني الذهاب إلى الإدارة بدفتري لأخبر المديرة من كتب (لي) بالنيابة عني و ذلك بعد أن كانت قد استنفذت طاقتها باستنطاقي لأعترف “من الذي كتب عنك؟”!! و هكذا صمدت و قاومت قرفاً كان على وشك أن يدفعني لتلفيق كذبة أحمي بها نفسي من سيناريو تكرر مرة كل أسبوعين طوال السنتين النهائيتين من المرحلة الابتدائية، و لكنني فكرت: ماذا لو تطور الأمر للتوجه إلى والدي بملاحظة تسأله الامتناع عن الكتابة بدلاً مني (و هو المؤهل الوحيد في البيت الذي قد يمكنه تجاوزي، و الحقيقة أنه معلمي الأول)؟ و حينها سيخبرهم صادقاً بأن لا علاقة له حتى بدروسي و دوره في هذا المجال لا يتعدى توفره لطلب مساعدته عند الحاجة، و قد أسَسَنا جميعاً على نظام الاستقلالية التامة و الجهد الذاتي بالتحصيل (و لا يظهر هو للتدخل إلا عندما تظهر الأصفار)، و عندها ستنكشف الكذبة و سيكون إحراجي اشد من “البهدلة” التي مارَسَتْها علي تلك السادية بتلذذ حتى و هي ترى كيف هو تفوقي في جميع مناهج اللغة العربية تحديداً، و هي نفسها التي كانت تسمح لي بحمل كراسات الإملاء العائدة لزميلاتي الطالبات من أجل تصحيحها بالمنزل، و لا أفهم تناقض ثقتها التامة بقدرتي الإملائية ثم تشكيكها في قدرتي على الكتابة!

لاحقاً، في المرحلة “المتوسطة”، كنت محظوظة بمعلمة أليفة آمنت بي و شجعتني و عززت ثقتي بنفسي و دفعتني نحو القراءات التي تصقل اللغة و تثري مخزون المفردات، إذ كانت أمينة تلك المكتبة المهجورة المقفلة معظم الوقت، و قد سَخَّرتها لأمري. ثم في المرحلة “الثانوية” حصلت أيضاً على سيدة فاضلة عاملتني بميزان النِد للنِد، و من خلال تقديرها لأي بذرة إبداع محتملة قربتني من زميلة كانت رفقتي بها خلال السنة النهائية و لسنتين أو أكثر قليلاً بعدها من أغنى الفترات بحياتي، تشاركنا في لقاءاتنا المُجَدولة حفظ الآيات القرآنية و الأبيات الشعرية و فهمها و الكتابة عنها قبل أن تفرقنا الدنيا بانفصال الدروب و اختلاف المشاغل. و لكن في تلك المرحلة، ربما جُرَّاء الإطراء الدائم الذي حصلت عليه من عدة جهات، و المديح الذي كان يرجع لي مكتوباً على كراساتي موقعاً من شخصيات لا أعرفها و لم أقابلها بشكل شخصي، من غرفة المُدِرسات و من الإدارة و من مكتب إدارة التوجيه، تضخم اعتزازي بنفسي مع مسحة تمرد “صامت”، فكنت لا أتورع عن رفض إنجاز المقال المطلوب مني فوراً و أصر على تسليمه مع بقية الطالبات و لا أرى مبرراً لاعتبار الجميع يستحقون مهلة أسبوع للتسليم بينما يتم التعامل معي و كأنني جهاز سيخرج من وحدة التخزين نصوصاً جاهزة، حتى أنني تجرأت على كتابة مثل ذلك الاعتذار في امتحان نهائي لم يوافق فيه أي من الموضوعين المطلوب اختيار أحدهما “مزاجي”، و كتبت قطعة “مزاجية” و قلت “هذا ما لدي”!

قـــصــة قـــديــمة:

عن الفنجان الذي رأى و سمع الكثير، و امتلأ بمشاعر و أفكار ما عرفها فنجان قط، و لا إنسان!

أنا فنجان صغير، لا أكبر. لا أتذكر متى ولدت و لا أدري كم عمري، و ليس لي أم و لا أب، و ليس لدي إخوة، و لا يشبهني أي فنجان آخر.

أنا فنجان وحيد. في الخزانة التي أعيش فيها توجد عائلة من الفناجين مكونة من اثني عشر فنجاناً، و زوج من فنجانين فخمين لا أبناء لهما. و كلهم، بخلافي، لهم أطباق تحملهم أو تغطيهم. و هناك معنا بنفس الخزانة فنجان مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و كذلك ليس لديه طبق، إلا أنه متكبر و لا يقترب منه أحد.

أنا أجمل فنجان في الخزانة. لوني أزرق موشىً بخطوط ذهبية بالغة الرقة و مُعَرَق بكسرات من الأسود، ناعم مكتمل الاستدارة (الشكر لمن صنعني)، بينما كل جيراني من الفناجين لهم اللون و الشكل نفسه، و ليس هناك ما يميز الواحد منهم عن غيره.

كأي فنجان آخر، أمر بأوقات أكون فيها ممتلئاً و دافئاً تطفح من جوانبي السعادة، رغم أني بلا طبق، و الفائض من سعادتي ينسكب هدراً. و في أغلب الوقت المتبقي أكون ممتلئاً أيضاً، و لكن بالخواء البارد الأبيض، و حينها أتذكر أوقات هنائي، و تدفئني الذكريات.

أنا فنجان ذكي، و لدي دوماً متسعاً من الوقت للتفكير و أنا أجلس منعزلاً على الرف بعد انتهاء عملي، و الذي هو بالذات مصدر هذه الخواطر الوفيرة التي تملأ أوقاتي الفارغة.

بأذني الوحيدة، أنا أسمع الكثير، و لا أرى إلا قليلاً، و مع ذلك، فإني بخيالي أعود لأرى كل الذي سمعت.

لا أذكر جيداً صاحبي الأول و لا كيف وصلت إليه، فقوة الذاكرة ليست من سمات الفناجين أصلاً، مع أني استثناء بالتأكيد، كل ما أذكره هو أنه كان رجلاً مهماً مشغولاً جداً، لم أره مرة هادئاً و لا مسترخياً. كان حين يرفعني يضغط أذني بشدة و يلصق فمه بي بقوة، و حتى لما يعيد وضعي على لوح طاولته فإنه يضرب قاعدتي بعنف، و أغلب الوقت كان يتجاهل وجودي على مكتبه و يخرج دون أن يلمسني. كنت تعيساً إلا أنني كنت مقتنعاً بأن لكل الفناجين حياة مثل حياتي.

إلى أن جاء يوم لم يتم إخراجي فيه من الخزانة صباحاً، قلقت في البداية ثم اعتراني الفرح بعد مدة عندما أدركت بأني في يوم إجازة و كل الفناجين تعمل، و تسليت كثيراً و أنا أشاهد باب الخزانة يُفتح و يُغلق و الفناجين تذهب ثم تعود مبللة منهكة منزعجة. أما حين امتدت عطلتي ليوم ثانٍ فكان عيد الأعياد عندي، و تكررت تسلية اليوم الذي سبق.

بنهاية النهار، فاجأني ذلك الفنجان الذي هو مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و الذي هو متكبر و لا يقترب منه أحد، أقول فاجأني لأنه و بخلاف ما عُرف به من طباع، زحف مقترباً مني و همس لي بأن صاحبي غادر و لن يعود، سمع ذلك من صاحبه الذي كان مسروراً صباح اليوم و هو يهاتف زوجته ليخبرها بأنه على وشك أن يصير الرجل الأهم بعد أن تآمر مع آخرين ليتخلص من سلفه.

و اكتشفت بأن صاحبي لم يكن رجلاً سيئاً و لكنه كان يتعرض للأذى من صاحب الفنجان جاري، الذي هو مثلي وحيد، و بلا عائلة و لا شريك، و قد كان لديه ذات يوم طبق، و قد كسر صاحبه ذلك الطبق بأن رماه، يا للهول، على باب مكتبه بعد أن كان صاحبي أنا خارجاً من عنده في أحد الأيام. تأثرت في تلك الليلة و ترطبت حوافي قليلاً. ثم في نهاري الثالث بلا عمل، شعرت بأني أصبحت حراً أخيراً، و عرفت لأول مرة كيف يكون للفناجين حياة غير الحياة، و تأكدت من أني وجدت السعادة و لم أعد محكوماً برغبات إنسان يحركني متى شاء.

بينما الأيام تمر و أنا في استرخائي اللذيذ، لا العالم يعنيني و لا ما يحدث فيه، انتبهت بغتة إلى أن مكاني تغير! أسكنني سيد المطبخ في زاوية الخزانة بأعلى رف منها. و هنا بدأت احزن، و حزني تحول إلى غبار يتراكم داخل جوفي. عرفت بالفعل كيف يكون للفناجين حياة غير الحياة، و هي تسمى موتاً.

بقيت عاطلاً لزمن لا أعلم مقداره إلى درجة أني فقدت سمعي و بصري و نسيت كيف يكون الشعور و التفكير، و لم يبقَ لدي غير ذاكرة مشروخة بدأت تتفلت مني بالتدريج. و هكذا فقدت أول ذكرياتي، فأدركت بأن رائحتي على وشك أن تنطمس تماماً و عندها سينطفئ بريقي و تتصدع حوافي.

تيقنت من أنها النهاية عندما عادت لي الأحاسيس القديمة بأوضح مما تبقى في ذاكرتي منها. اليد التي تسحبني من على الرف، الماء الذي ينظف قعري، الدفء المنسكب في جوفي، تلك هلوسات ما قبل الفناء لا شك. حتى أن امتلائي غابت عنه حلاوته القديمة و غمرني بمرارة تشبه القدر الذي كان يستدرجني. توهمت كفاً حنوناً يرفعني بأصابع تضمني دون أن تشد أذني، و شفة ناعمة بالكاد تلامسني في شربها، ثم انتبهت إلى أن كل ذلك لم يكن جزءاً من هذيانات احتضاري إذ وجدتني استعيد حواسي شيئاً فشيئاً. رأيت وجه الإنسان الذي أحياني برشفة و التقطت بأذني آخر عباراته: “هذا الآن فنجاني”.

إذا كنت ظننت بأني كنت سعيداً مرة، فذلك لأنني لم أعرف السعادة الحقيقة من قبل. أما الآن، فأنا حقاً فنجان سعيد. و من صاحبي الجديد، صاحبي السعيد رغم شقائه، عرفت كيف يكون للفناجين حياة أفضل من الحياة، و هي تسمى شغفاً. لصاحبتي التي تحبني، لحديثها و لصمتها، لبكائها و لضحكها، صاحبتي التي هي مثلي وحيدة، و بلا عائلة و لا شريك، و بيدها تنسيني بأني بلا طبق. صاحبتي التي تشبهني، و لا يشبهها أحد.

2 thoughts on “قصة قديمة!

    • أشكرك. و بيني و بينك، أفكر بالبحث عنها بما أنني أعرفها و أذكر اسمها و شكلها جيداً لكي أواجهها الآن بعد أن صرت أقوى و تدربت على سلاطة اللسان.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s