جوع الثور؟!!


يُقال بأن هذا هو معنى “البوليميا” (يونانية)، و المقصود بها الشراهة العصبية، و لا أفهم لِمَ تم تشبيهها بجوع الثور تحديداً! لماذا ليس “البقرة” أو “الفيل”؟ ربما لأن “الثور” يميل للعنف! و لكن في حالتي سأُفَضِل أن أشبه “الخروف” في حالة تسمينه قبل ذبحه. و قد بَدَأَت انتكاستي هذه منذ ما يقارب الشهرين، و لم أقم بربطها بالبداية بأي توتر (مثلها مثل عجزي عن النوم) في محاولة للتغاضي عن أية تهمة بالقلق قد أقبض على نفسي متلبسة بها كوني لا أسمح لنفسي بالإستسلام للمخاوف. و هكذا تجاهلت الأمر حتى تفاقم، دائرة مزعجة من الإندفاع بالتهام أنواع من المأكولات كانت محذوفة حتى من على هامش نظامي الغذائي ثم العجز عن النوم بنوبة طاقة مفرطة لا يسمح لي إنهاكي بتفريغها في أنشطة كافية. ثم انتبهت للرقم على الميزان، و كان رقماً لم أره منذ سنوات طويلة جوعت نفسي فيها دون تساهل فقط لأبقي هيئتي فيها مقبولة لدى مرآة ذاتي. ذلك التجويع كان رد فعل مبالغ فيه من قِبِلي نتيجة معاناتي في جميع سنوات طفولتي المبكرة من الإساءات المتعلقة بوزني الزائد حتى تدمر كل تقديري لوجودي و تم إقناعي بأنني أقرب لعاهة ما كان ينبغي لها أن تُوجد بهذه الصورة، و حين صَدَّقْت تماماً بأنني مذنبة، كانت الطريقة الوحيدة للتكفير عن جُرمِي، لتجنب اللوم و التقريع و التحقير هي بدخولي طوعاً نفق الجوع الإرادي لأنني كرهت مواصلة العيش و الشعور بالعار يكسر كل ما بداخلي، و انعكس رفضي لما أنا عليه بكراهية موجهة نحو الأكل، نفور من معظم أصناف الطعام و الإكتفاء بمواد محدودة، كما مررت بفترات عافت فيها كل حواسي أي أكل، و فترات من العيش على السوائل فقط، هكذا لسنوات، تَبَّدَل خلالها موقف البعض مني، للبعض صرت مرئية أكثر من قبل (و أحلى)، و تغير حنق البعض إلى استحسان، و تطرف البعض بمناشدتي أن أعتني بصحتي و أعود كما كنت! و لكنني كنت قد بلغت الوجهة التي لا عودة منها. نسيت كيف يكون الإحساس بالشبع، لسنوات، لا أذكر تحديداً متى بدأ ذلك و لكنني أعرف كيف لم أعد أشعر سوى بالجوع. الجوع لكل شئ، جسدي جائع، و روحي جائعة أكثر، و عقلي جائع أكثر شئ. جوعت نفسي لأُريهم كم جعلوني أكره حياتي و أرجو الموت كلما رأيت نظراتهم و سمعت تعليقاتهم و تلقيت من أياديهم الوجع. و قد كانت توطنت نفسي على الأمر و اعتادته حتى صار أسلوب حياة مندمج بكل عاداتي و توقفت عن شغل تفكيري به. و لكنني الآن أمر بنوبة نهم مُرعبة، و آكل و لا أنام، و حين لا أتمكن من النوم أعود للأكل، و وزني زاد خلالي شهرين اثنين بنسبة 5% فوق الحد الأعلى المسموح لي، (كنت قد نَظَمت المسألة بيني و بين نفسي بوضع حد أدنى و حد أعلى مسموح لي التذبذب فيما بينهما)، و أشعر بالثقل و الضيق و لإختناق مثل بطانية قديمة مطوية، و لكنني لا أبذل جهداً لإيقاف الأمر لأنني اكتشفت بأنني أعرف السبب، و لن يمكنني التعامل معه إلا حين أكون قد تعاملت مع السبب، و أدري بأن النتيجة الحاسمة التي أترقب متى يقوم طبيبي بإخباري بها سوف تحدد ما إذا كنت سأعود لمعالجة هذا السُعَار المؤذي الآخذ بالتفاقم أم سأقرر بأنني لن أكترث و سأعيش البقية من عمري بذهنية السائح الذي لا يكبح نزواته (المُباحة) استمتاعاً بتواجده المؤقت في بلد جميل مقابل تعهده أن يَعود لنظامه و يُعيد ترتيب تفاصيله بعد رجوعه من رحلته. و إلم يعد؟ لا بأس. سيكون عاش أياماً جيدة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s