يَحْصل الإنسان على أولوياته و على ما يُكَّرِس نفسه له،

و بقية الأشياء لا تقع لمجرد رغبتك بها.

في يوم الخميس (قبل يومين)، و بعد مرور أسبوعين على المفاوضات التي جَرَت بيني و بين مُعِد العرض الذي يُفترض به استقطابي للعمل مع شركة أخرى، أرسلت بريداً الكترونياً أخبره فيه بأنني أفهم بأنه (بعد عدم تلقي أي إجابة لهذه الفترة الطويلة) ليس من المتوقع أن نكون قد توصلنا لاتفاق إيجابي، إلا أنني سأُقَدِر تكرمه بإرسال كتاب رسمي يتضمن الجواب، و كان ذلك ألطف بكثير مما دار برأسي حول انعدام اللباقة (أو الكفاءة) التي تنطوي عليها مسألة التجاهل (أو الإهمال)، ثم لم يكن أسهل عليه من إرسال ذلك الرد المعلب (نموذج مسبق التحضير، مثل نموذج العرض الذي لم يتم تعديله منذ لا أدري متى و كنت قد تلقيت تصحيحاً على ثلاثة أمور تَضَمَنَها كنت قد أبديت تحفظي عليها، و كان الاعتذار على كل منها بأنها تغيرت منذ مدة و لكننا “ما انتبهنا نغيرها”!)

كلا لم يمكنني التنازل لأي بند قد يقلل من احترامي، فلم يعد لدي ما أريد إثباته عند هذه النقطة من مساري المهني، و إن تم وضع أي شرط يرمي لإرغامي على أن أثبت شيئاً، لا أجدني مضطرة للرضوخ إليه، و حتى ذلك المبلغ الذي أصررت على عدم النزول عنه (و هو أجري الحالي في الواقع)، أقولها بتواضع، ليس حتى قريباً من سعري، و لكنه كان لِيُقَدِم لي برهاناً على الأقل بثقتهم بما لدي، بمستقبلي، و بما يمكنني إضافته لأي مكان أكون فيه. أما ذلك التمييز الذكوري الذي كان يسحقني قهراً ببداية حياتي العملية فهو أمر اعتدته و تعلمت التعامل معه بطريقتي، و هو شئ لن ينتهي يوماً، كلنا نعلم ذلك، فلو كان سيختفي من أي مكان لَشُفِيَت منه البيوت أولاً فضلاً عن ساحات الحياة الأخرى. فكل الأمر أنني كنت أنا، و بقيت أنا، لا أتصنع لأنني أثق بما أنا عليه، و كل أحد يريد أن يكون نفسه و لا يجعلهم يرون منه ٱلا ما في نفسه (الإنسان المُدَّعِي لا يمكن أن يكون مرتاحاً مع نفسه بالمناسبة).

و الآن، لست على عجلة من أمري، و لم أكن يوماً، و لكنني لست بموقعي و أضطر كل يوم لإبقاء رأسي منخفضاً فقط ليسعني المكان الذي سقفه أدنى بكثير من تطلعاتي العالية، و الأمل بالتغيير ينعدم حين يبلغني تعبير الإدارة عن كوني أكبر منهم و بأنني خسارة فيهم (هم يقولون!)، أي بصراحة هي مشكلتي و ليست بيدهم حيلة فما قَصَّروا معي من قبل و كان لهم الفضل بإطلاق يدي لعمل كل ما أردت حتى بلغت أقصى ما سيمكنني بلوغه معهم، و حتى محاولات إبقائي ليست إلا من باب التقدير المبالغ به (بالنسبة لي)، فلست من الصنف الذي يتحمل الجلوس دون حراك، و مسألة أن أنال أجراً مقابل تقطيع وقتي بشغله بما يروق لي هي أعقد مما يمكن لي معالجته، و المخاطرة هنا تكون باعتياد الخمول و فقد اللياقة. إدارتي الحالية أبوية، تميل لتسيير الأمور بمنطق الرجولية (بالأعراف الاجتماعية) و هذا ما يجعلني في حجم أقل من أن يجعلني بالكاد مرئية إلا حين أسبق الجميع، في مكان يأتي فيه جميع الذكور أولاً ثم لو تبقى مكان للحديث عن المؤهلات و الكفاءات فلا بأس، و غالباً لا يتبقى مجال للترجيح بمفاضلة مثل هذه.

جو العائلة الواحدة هذا ينسف كل الفرص العادلة، و لكنه يغرز فيك حس الانتماء و الولاء فتتشبث بطبيعتك الوفية في صراعك مع حنقك، أقصى ما قد يدفعك إليه الاستياء هو المغادرة مُخَيَب الآمال. بينما حسبت بأن انتقالي لبيئة معيارها الاحترافية و المهارة و التأثير سيضعني بمكاني، نسيت بأن كل القيم تتبدل بمجرد مواجهة ذكر (سعودي) مقتنع على الأرجح بأن الطبيعة ميزته علي و بأنه متفوق بذكورته على أي شئ قد أتفوق فيه عليه، و على الأغلب يشعر بأنه مُزَاحَم في عالمه بالكائنات التي لم يعتد النظر إليها بِنِدِّيَة و احترام (و إنسانية).

أذكر أحد الشركات كانت تحت التأسيس بنهاية العام ٢٠٠٩ وهي قائمة الآن، و لا أعلم كيف تم طلبي لها، و حين ذهبت للمقابلة كان لديهم موظف “سعودي” واحد فقط و البقية هم من ناتج عملية الاندماج التي وُلِدَت بها هذه الشركة، ثم عندما ذهبت في المرة الثانية لرؤية العرض كان قد اختفى، و أخبروني بأنه استقال معترضاً على توظيف “أنثى” حتى و هو يدري بأنها لقسم مستقل، و المثير للسخرية هو أنني لم أنتقل لأنه كان مجرد عرض مُشَكِك برقم مجحف (كالعادة) في اعتقاد من الشركات بأنها تتذاكى بتعيين فتيات بثلث رواتب الشباب يساهمن بتحسين نسبتها من التوطين (السعودة) و يشتغلن بضعفي المجهود (إنها سطوة الأحكام المسبقة و المواقف المعلبة).

التخوف بالبداية كان مُبَرَراً لأنه كان مُرافقاً لاختبار المجهول، مع أن تجربة المصارف متقدمة قليلاً و لكن باختلافات جعلتها أسهل لأنها محددة بأقسام منفصلة بمثابة واجهة استقبال لا ارتباط لها بتنفيذ العمليات، و الشركات الأجنبية العاملة في السعودية سبقت إليه ببضع سنين، و أيضاً هي ليست معياراً لأن بيئة الإنتاج فيها مختلفة حتى بالنسبة للذكور و الانسجام فيها هدف عام لا يشبه الاستنفار الطارئ الذي وجدت الشركات المساهمة نفسها تواجهه فجأة بمرسوم ملكي و مميزات إجرائية مُعَلَّقة على حجم الإقبال عليه أو الإحجام عنه.

ما بين قرار مجلس الوزراء (120) في 2006 الصادر بتوجيه ملكي حول زيادة فرص و توسيع مجالات عمل “السعوديات” حتى اليوم، حدث الكثير من المتغيرات و تم اختبار الأمر بنتائج سلبية بمعظمها، بسبب فئات من الفتيات خرجن للعمل و هن يُنشدن إما تزجية الوقت لحين معرفة ما سيطرأ على حياتهن، أو تجنباً للملل الناجم عن الفراغ من أي التزام، أو الانفلات من رقابة الأهل من باب التغيير، أو لعوز مادي يتحملن جزءاً من مسؤولية سَدِه بضغطٍ من عوائلهن. و قد زامَلْت تلك الأنواع و بإمكاني صنع مسلسلات حول طرائف (و فضائح) الفترات التي انتسبن خلالها للوظيفة، و لكن الآن، لم يتبقى من تلك النوعية إلا القليل، فهذه الأصناف لا تستمر، و لا يمكنها الاستمرار مهما حاولت، هنا يمكننا أن نعتبر الناجيات منا، الصامدات حتى الآن، هن صاحبات الأهداف (الحقيقية)، ذوات الاستعداد العالي و الميل الطبيعي للاجتهاد، اللواتي يبرعن بوضع أنفسهن رزمة كاملة في خانة الأرباح لا النفقات، و لذلك يتضاعف شعوري بالقرف من الذين ما زالوا يعاملوننا بارتياب يظهر على شكل تمييز مقيت و معاملة مُتشككة حول ما إذا كانت قيمتنا على قدر التكاليف المرصودة لنا أم أننا مجرد مشروع تجربة احتمالات فشلها أكبر من نجاحها، فلا عذر لهم الآن، و قد التمسنا لهم العذر من أجل الإساءات الماضية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s