حين ننسى الراحلين،

هذا هو “الموت”. فقط أن ننساهم. النسيان فيه موتنا و موتهم، غير ذلك هم أحياء (فينا):

حين تصنع شطيرتين مُتَظَاهِراً بأنك لست وحدك، تأكل الأولى مُتَمَهِلاً بترقب أن يحضر أيٌ من الذين طوتهم الأرض، ثم حين لا فرجة تلوح بنهاية ظلام انتظارك، تتناول الثانية مُتَلَبَساً بما تفترض أن إحساس مُختارَك سيكون عليه، كان ليشعر بكذا و يفكر بكذا و يقول كذا… تبدأ بالتحرك و التموضع مثله، و التكلم بصوته…

و حين تقضم من الأشياء الحلوة نصفها لتترك النصف الثاني لغائبٍ لا يعود، تعيد لفها بغلافها و تضعها بالمكان الذي كان يحوي فوضى لوازمه الصغيرة، و تراقب كل يوم هل اختفت أم ما زال لم يعثر عليها، و بعد مدة كافية لجعلها غير صالحة للاستهلاك (الآدمي) تتخلص منها كي لا تمتد لها يد أحد الباقيين فيتضرر…

يزورني الأموات الذين نسيهم أحبابهم، لا يفهمون كيف يحصل النسيان و هم بمكانٍ كل الذي فيه “الذاكرة”… لا يفهمون، و لا أنا أفهم، فأنا لا أتذكر “مفقوديني” لأنني لا أنساهم، في شئ أكثر من مجرد سيرة قديمة محفورة في الذاكرة، أجعل لهم حضوراً ثابتاً في تفاصيل أيامي، أعيد خلق عمرٍ جديد يكملونه معي…

و يبقى لا يدري أحد و لا يحاول أن يدري كيف أحيا برفقة أطيافي العزيزة الأقرب لي من كل الموجودين في حيزي الزماني و المكاني ذاته. و كيف لهم ملاحظة ما ليس مرئياً لهم؟ لا ألومهم! لأنه لن يمكن لأحد منهم و هم على ما هم عليه من انشغال بهمومهم الذاتية أن يفكر أن كل هذا الهدوء الظاهر مني يمكن أن يكون منطوياً على قلقٍ عظيم، وجود موازٍ لوجودهم، عالم بداخلي فيه ناسه و أشيائه و أحداثه… كلا لن يحدس أحد كيف وراء كل رباطة جأشي هذه هناك خوف يكتسح مفاصلي حيال احتمالات مجهولة. و هل ألوم من هو هانئ بنعمة “النسيان” فقط لأن صخب ذاكرتي المزدحمة يفصلني عن عالمهم و يغطي حواسي عن رؤيتهم، سماعهم، أو حتى التظاهر بالانتباه لحضورهم؟!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s