أسبابٌ أخرى للموت


موت المسنين أمر طبيعي، و موت المرضى أمر طبيعي، موت الرجال في الحرب أمر طبيعي، أن يقع لك حادث و تموت دون تخطيط أمر طبيعي. ليس أن الموت في سن الشيخوخة أو بالمرض أو بإصابة في الحرب أقل مأساوية من موت الشباب أو الأصحاء أو الآمنين في بيوتهم (أو ما يُسمى بموت الفجأة)، و لكن حين يكون الإنسان “أنثى” فإنه قد يملك أسباباً أخرى للموت.

من غير المألوف لدى المرء أن يفتقد أحداً لم يقابله أبداً، و أنا لا أفتقدهن على وجه الدقة، إلا أن رابطاً ينشأ بيني و بين كل روحٍ أتعرف عليها حين تكون قد غادرت بقهرٍ عظيم، أو بحزن عظيم. أشعر بأن آلامهن ما زالت مُعَلَّقةً هنا تحتاج لمن يُنهيها، حين يخترن “الموت” نفير طوارئ، نداء استغاثة، حتى مع حقيقة ألا فرصة لهن بعده، تنتهي الدنيا من عملها معهن، و لكن… ماذا أقول؟! إن الرحيل على تلك الشاكلة يُهَيِّج في النفس مشاعر مختلفة عما نشعره حيال الميتات المتوقعة، المُمَهدِ لها، المُبَرَرَةِ لنا بالصورة التي تجاري قُصُورَ أفهامنا.

اللواتي يفكرن أكثر من اللازم فتقتلهن الأسئلة، تتراكم الحيرة في صدورهن حتى تخنق أنفاسهن، حِسُهُن الرهيف مثل حجر الرحى فوق الرأسِ ليس ثقيلاً فحسب، و لكن له دَوَرَانٌ لا يتوقف مُصدراً ذلك الصوت الرتيب لاحتكاك الحجرين بينما تنطحن الحبوب بينهما، و إما يقودك إلى الجنون و يثير نوازعك الشيطانية أو تستسلم لوطأة ضغطه عليك، تستكين تحته بينما تذوي ذُبالتك حتى تنطفي. “باولا” العنيدة التي رَغِبت بالمغادرة و لم تتجرأ على التدخل لإنهاء حياتها بالقوة تورعاً عن إهانة الإرادة العليا التي وهبتها إياها لِتُحسِن استغلالها بالبناء و النمو و إحداث فارقٍ من نوعٍ ما، و مع هذا تركت نفسها لتنزلق نحو معبر الخروج دون مقاومة، بل الأرجح أن اعتراضها على الاستمرار في عالم تعجز فيه عن إنقاذ الجميع هو ما حفَّز جسدها الفاني على التمرد عن العمل، أن يدخل في حالة سبات تُعفيها من أن تقرر، أن تُحَمِل الآخرين مسؤولية القرار ببقائها على ما هي عليه فهي ترفض أن تكون جزءاً من دنيا الآلام التي فاقت قدرتها على الفهم، أو بتركها تذهب، عامٌ كامل، إصرارٌ على الغياب و الأم تمنع ابنتها من أن ترحل دون أن تخبرها “لماذا؟” أن تنام هكذا و لا تستيقظ (و كذلك لا تموت) قبل أن تحكي لأحدٍ ما الذي اعترى أعماقها مستعصياً على البوح، و لا كيف انتهى مخزونها من اللغة عن أن يكفي التعبير عن بشاعاتٍ لم تحتملها. مثلها “هديل” تشترك معها في أنهما من الذين وصفتهم “إيزابيل الليندي: “نجوم وحيدة ترسل نورها الخاص، لا يتعلقون بشئ و لا بأحد، فهم إذن لا يعرفون الخوف. يمكنهم أن يلقوا بأنفسهم في الهاوية و هم واثقون من أنهم سيطيرون بدلاً من أن يُسحقوا. و يمكنهم أن يتحولوا إلى طيور لكي يروا العالم من علِ، أو إلى ديدان لكي يروه من الداخل. يمكنهم أن يسكنوا فضاءات أخرى، و أن يسافروا إلى مجرات أخرى. إنهم يبحرون في محيط لا متناهٍ من الوعي و المعارف.” و لكنهم فقط (لا) يعيشون!

كذلك “حنان” و “آمنة “، النقيضتان في كل شئ. حنان التي شربت البنزين و أضرمت النار في نفسها بعصبية، كانت ممنوعة عن الحياة، آمنة التي انزلقت من الشرفة و هي تفتل خصلة من شعرها بهدوء حالم كانت تعيش حياة ماتت حنان احتجاجاً على عدم السماح لها بعيش جزء بسيط منها. و لكن ربما ما كان يجمع كل منهما هو عجزهما، ليس العجز في شخصيتيهما عن الالتفاف على المشاكل و إيجاد الحلول للتعقيدات في حياتهما و التوجه نحو إنجاز ما سيعوض كل من فقدت شيئاً بأشياء تسد الفراغ المتخلف عنه، بل عجز في انعدام المساندة من الناس الذين يعرفون و يتغاضون عن التدخل، العجز في انعدام القوانين المُنصفة التي تجعل إحداهما تشعر بالقوة لمواجهة التعنيف المُمارس عليها، الضعف الذي تقوم مجتمعاتنا ببرمجة الإناث عليه و كيف يتم تدريبها على ألا تسير إلا بظل رجل، بل أي ذكر، تفقد اتزانها بمجرد ظهور أدنى إشارة لخسارته، الضعف بتربية البنات على السلبية التي تتضخم معها بينما تكبر حتى تتحول لمجرد كائن تابع اتكالي غيور يضع شخصاً واحداً بعالمه و يجعله المحور لكل أفكاره و عواطفه و أفعاله.

هذه أسبابٌ للموتِ غيرَ أسبابِه: (تضخم) الوعي، و “أنيميا” الوعي.

قوة التخلي عن الأشياء،

الناس، و الأماكن…

يعرف الذين يعرفونني كيف أبرع بالتخلي عن أي شئ، لا أتشبث بالناس و لا بالأماكن، ليس فقط بأن أدع الأمر من يدي بسهولة، و لكنني أيضاً لا أشعر بالحاجة و لا أرغب و لا أطلب، ليس أنني أحيا حالة زهد متواصلة و لكنني انتقائية فيما يتعلق بتفاصيل أيامي، ثمة ما هو “ضروري” و كذلك ما هو “ممتع” و الشرط أن يكون كلاهما بالمتناول. و ربما هذا هو السبب في حصولي على الكثير من (جوهر) الحياة لا من سقط متاعها. ربما اكتسبته كسلوك حين انتبهت منذ طفولتي المبكرة لألم الفقد، حين تكونين الصغرى بين عدة كبار تعتادين أن يتم اغتصاب ألعابك منك بالقوة ليس بشكل مؤقت بل من نوع التملك بوضع اليد، و حين يمتنع من كان لك عليهم حق الاحتواء عن حمايتك و فوقها يتحولون لمصدر التهديد الأساسي بحياتك، و حين دون اكتراث تتعرضين للتمييز دون سبب يتمكن عقلك الصغير من استيعابه مبرراً لجعلك الأدنى في كل شئ، و لإبعادك عن المركز و تدريبك على البقاء في الزوايا المظلمة، و يغدو كونك غير مرئية هو الطريقة الوحيدة للأمن من العقوبات المتتالية دون ذنب منك شخصياً و لكن لأنك لا تعرفين بعد كيف تدافعين عن نفسك و هذا ما يجعلك مثالية جداً كموضوع تنفيس عن غضبات متراكمة من أمور لا صلة لك بها! كل ذلك يدفعك لتطوير الأساليب التي تساعدك على التخلص مما يتخلف عن الفقدان من آلام، و هكذا تكبر فيك نزعة “Just Let it Go” كحيلة للبقاء و تجنب أن تصرعك أوجاع لم يعلمك أحد كيف ينبغي معالجتها.

هذا هو الشئ الذي ربما يعتبره أغلب الناس اختلالاً في الطبيعة البشرية، و لكنني لا أهتم أبداً لطلب الأشياء و لا الحصول عليها و لا حتى التمسك بها، ليس فقط الأشياء مادية كانت أم معنوية، بل الأشخاص كذلك. بشئ من التعمق، حتى أنا أجده نوعاً من الاختلال لأنه كثيراً ما يعاكس ما أشعر به، فلا تأتي تصرفاتي ملبية لِوَحِي عواطفي، و غالباً ما يبدو و كأن روحي لا تكترث لعذاب مشاعري و لا لفورة أهوائي و تواصل دورانها في أفلاك أبعد. هكذا جاء اعتيادي، الخوف و الفرح و الحزن و الحب، كلها أحاسيس أوقفها كلما اقبلت علي لأتأملها، تتحول المشاعر لدي إلى أفكار، و الأفكار لها نفع أكبر من المشاعر، و أفكاري لا أحتكرها لنفسي، أفكاري أوزع منها على الجميع و لا تنتهي و لا ينقص منها شي، بل تبدو و كأنها تزيد كلما قدمت منها للغير. كل إحساس يوشك أن يعتريني أتملص منه فلا أسمح له بأن يغمر روحي، ثم لا أشعر به كما ينبغي، إلا الغضب، ربما، هو الغضب فقط من يغلبني، يسلبني كل قدرة على المقاومة، باندفاعه يكتسحني، يشل وعيي دون مقدمات أدركها لأتحرز من هجومه. هو الغضب إذن المدخل لقلبي، و لتجعلني أراك، عليك أن تنجح بإغضابي، ثم أغضبني مرة لأسمعك، و توقف بعدها عن إثارة غضبي لأن الثالثة تعيد إخراجك من عالمي! و هذا موضوع آخر، و لكنني أفكر كيف تحترق الصديقات معي منذ الإساءة الأولى؟ حتى أنا لا أفهم لماذا لا أقدم فرصة ثانية! يُتعبني ذلك. الناس الذين لا أحبهم من أعماقي يعمرون بقلبي أطول من الذين أعطيهم من روحي. كلما جعلتهم أقرب، تخلصت منهم بشكل أسرع! أبقى أحبهم و لكنهم يغدون بحكم الأموات بالنسبة لي، أعجز حتى عن نطق أسماءهم، يصبح مجرد تذكرهم جارحاً أكثر من جرح إيذائهم لي نفسه. لا أعرف شيئاً عن “الفرصة الثانية”، معنى “الفرصة” في قاموسي هو ما يتوفر لمرة واحدة إما نتمكن من اقتناصه فور مروره بنا في ذلك الزمان و المكان و إلا… انتهى!

و الحقيقة أن علي أن ابالغ أحياناً و أُزَيِف كثيراً و أقول أشياء لا أعنيها، عوضاً عن إعلان الحقيقة التي تحزنهم و لا أفهم لماذا! كلهم يعتبرون عجزي عن التعلق بالأماكن و الأشياء و الناس، و عدم قدرتي على طلب امور أسعى للحصول عليها ثم أكافح للتمسك بها، أمر غير “طبيعي” و مثير للريبة و يجعلني عصية على الإلتزام، و لكنني لا ارى ذلك صحيحاً، و لا أرى ما أنا عليه إلا “نعمة” و هبة و رحمة لمن يُحسن تقديرها. بإمكاني أن أستيقظ كل يوم في مكان مختلف، و لا أشعر بالغرابة و لابجدة الأماكن. كل شئ في أي وقت يبدو مألوفاً لدي و لا أتذكر ما قبله إلا بشكلٍ منفصل، و كأنني أستعيد ذكريات أحد غيري. و لا أعرف الشوق و لا أظنني اشعر بالحنين لأي شئ مضى و انتهى، لا أعرف حتى كيف يكون التحسر على الماضي، ربما لا أنسى بمعنى الكلمة، و لكن كل شئ يصبح بعيداً عني و كأنه لم يحصل لي، كأنني كنت أراقب فقط! و هذا لا يعجب أحد بي، عندما لا أفكر بالغائبين و لا أعبر عن اشتياقي للعائدين، و عندما يخبروني بأنهم يفتقدوني، و عندما يسألوني ما إذا كنت أفكر بهم (و كيف)… علي أن أجيد التمثيل و أدعي الإحساس بأي شئ يجعلهم يبتهجون! و هذا غريب، لأن عدم معاناتي لا تسعدهم، و لكنهم يفرحون لو قلت بأنني عانيت مشاعراً سيئة بسبب حدث ما!

قبل ثمان ساعات من الآن، فعلتها لأُثبت وجهة نظري أمام نفسي، أن أختبرني قبل أن آتي و أُخرِف عليكم بكل ذلك الكلام عن قدرتي على ترك الأشياء تذهب بسهولة أو بصعوبة، لا فرق، فأنا لا أسمح لصعوبة الأشياء أن توقفني عن الإقدام على فعلها، و الآن أنا أشعر بأنني أقوى و بلغت المستوى الذي لم أتصور وجوده من الخفة، و اكتشفت بأن فروة الرأس ناعمة جداً مثل بشرة الأطفال، و مع الشعور بالماء الدافئ و هو ينسكب فوق رأسي مباشرة، أحسست بأنني أريد أن أطير، و تمرير اليد بالإتجاه المُعاكس مثل تمريرها فوق قطعة مخمل، الصورة من الخلف تظهره بشعاً جداً و لكن المهم هو ما يفعله بالوجه، و أرى أخيراً بأنني صرت أشبهني. و أدري بأني سأسمع عند ظهوري الأول أمام الجميع عدة صرخات تقول لي أو تسألني باستنكار: “مجنونة؟!” و سيتبرعون كلهم بمحاولة إقناعي بأن أندم و بأني تجرأت على اقتراف تشويه فظيع لشكلي، و هذا ما يحدث دائماً، تتخلين عن الشئ فيحشد الجميع قواهم لجعلك تصدقين بأنك تخسرين باختيارك و عليك ألا تفرطي بسهولة بهذا الشئ أو ذاك، و تتأملين وجوههم قليلاً فتتذكرين بأن الكلام موجه لك من أشخاص لم يعرفوا أنفسهم يوماً ماذا يريدون تحديداً، و لو عرفوا و مهما أظهروا تمسكاً فإنه لا يتعدى مرحلة التحسر على ما ليس لديهم دون حتى الإنتقال لمرحلة العمل بجهد في سبيل الحصول عليه! حسنا أنا مجتهدة جداً و لذة الأمر أنني أتخلى مهما كان في الأمر صعوبة و أنتم في طلبكم لا تتحركون حتى لالتقاط ما في المتناول.

“لدي قصة ستجعلك تؤمن بالله”

لا أعلم متى بدأ الهوس لدى صُنَّاع الأفلام باستخدام الكتب العظيمة لإنتاج أفلام لا يمكنها أبداً مجاراة الكتاب مهما كانت ضخامة إنتاجها، و لكنني سأبقى أترقب اليوم الذي سيتمكن فيه الفيلم من الإقتراب و لو بجزء منه من الجودة التي كان عليها الكتاب، أما حالياً فما زلت على قناعتي من أنه لا يمكن أن تتساوى تلك المحاولات لجمع مزيدٍ من المال بتفاصيل خرجت من رأس كاتب ربما كان المال آخر ما كان يفكر بالحصول عليه من خلالها. و لأخفف قليلاً من تأثير تحيزي للرواية المكتوبة كنت قد أقنعت نفسي منذ مدة بأن الفيلم لن يكون أكثر من مجرد لوحة توضيحية لجزء من 100 حتى لو كان جيداً و ليس فقط مجرد تصوير هزيل لم يحقق أي نجاح إلا بتسطيح الموضوع بأكمله.

حتى مع شعوري بالإنزعاج قليلاً حيال تخريب رواية نالت إعجابي منذ قرأتها أول مرة قبل خمس سنوات تقريباً، إلا أنني حاولت إلهاء نفسي عن المقارنة و تذكير نفسي بأن هذا ليس سوى فيلم آخر، تجارة ترفيهية، و علَيَّ ألا أرفع توقعاتي، و مع هذا أحبتته من جانب معين، بلغة “هوليود”، راقت لي المؤثرات صوتاً و صورة، الأمور التي حاز على الجوائز السينمائية بسببها، و وقعت في غرام “النمر”، فصوته آسر، و تذكرت قصيدة “The Tiger” ل”William Blake” و وجدت إنها تلائم ذلك المخلوق تماماً. و بالمناسبة، لقد حرصت دائماً على الإكتفاء بإعطاء إشارات عن مواد قراءاتي و مشاهداتي، لا أقوم بتقديم مراجعة تفصيلية و لا أعتبر تحدثي عن الشئ تزكية له، و أنا أتجنب ذكر محتوى يحتاج أن يسبقه التحذير بإفساد القصة، تلك عبارة يعرفها المنضمين لمجموعات القراءة أو هواة متابعة الأفلام، تعني أنه سيتم سرد الأحداث أو الإخبار عن تفاصيل ستفسد المتعة لدى من يود قراءة الكتاب أو مشاهدة الفيلم لاحقاً.

“ثمة باستمرار جمجمة متجهمة ترافقني باستمرار، لتذكرني بمدى سخف الطموح البشري. لكنني أسخر من هذه الجمجمة، أنظر إليها قائلاً: إنك تتبعين الشخص غير المناسب، لعلك لا تؤمنين بالحياة، لكنني لا أؤمن بالموت، فامضِ في حال سبيلك! لكن الجمجمة تقهقه بمكر و تزداد التصاقاً بي. سبب التصاق الموت بالحياة إلى هذا الحد ليس الضرورة البيولوجية، بل الغيرة. فالحياة رائعة إلى حد أن الموت واقع في غرامها، غرام استحواذي غيور يتشبث بكل ما يمكنه الحصول عليه.”

“إنها معادلة مأساوية بالنسبة إلى الطامحين إلى أن يصيروا كُتاباً: موضوعك جيد، و كذلك قدرتك التعبيرية. شخصياتك مفعمة بالحياة إلى حد أنه يمكنك أن تستخرج لها شهادات ميلاد. الحبكة التي وضعتها لهم عظيمة، بسيطة و مشوقة. كما أنك قمت بأبحاثك، و جمعت الوقائع التاريخية، و الاجتماعية، و تلك المتعلقة بالطقس و عادات الأكل، التي ستمنح قصتك المصداقية و الأصالة. الحوار يتدفق بالحيوية، و يمور بالتوتر. الوصف يتفجر بالألوان، و التناقض، و التفاصيل الدالة. حقاً، يستحيل ألا تكون قصتك عظيمة. لكن هذا كله لا يعني شيئاً. على الرغم من الوعد الواضح المشع في قصتك، تأتي اللحظة التي تسمع فيها بوضوح ما كنت تسمعه يتردد همساً طوال الوقت في خلفية تفكيرك، و الذي يقول لك الحقيقة البسيطة الفجة: لن تنجح الرواية. ثمة عنصر ناقص، تلك الشرارة التي تجعل قصة تنبض بالحياة حقاً، بصرف النظر عن درجة الدقة في هذه المعلومة أو تلك، قصتك ميتة عاطفياً، هذا هو الأمر الأساسي. أقول لكم، إنه اكتشاف مدمر للروح، فهو يترك صاحبه يعاني من جوع مزمن مؤلم.”

*يان مارتل

Life of Pi by Yann Martel


“من المؤسف أن يكون ذلك الحس الجماعي الذي يحققه الإيمان العمومي للناس، هو نفسه الذي أوقعني في مشكلات كنت بغنى عنها. فقد انتَقَلَت ممارستي الدينية، مع الوقت، من انتباه أولئك الذين لا يهمهم الأمر، و يسليهم فقط، إلى أولئك الذين يهمهم الأمر و لا يسليهم.

-لماذا يذهب ابنك إلى المعبد؟ سأل الكاهن.
-شُهد ابنك في كنيسة و هو يرسم إشارة الصليب! قال الإمام.
-صار ابنك مسلماً. قال المعلم الهندوسي.

أجل علم والداي بذلك كله و ساءهما الأمر، فهما لم يكونا على علم بأنني أمارس الهندوسية و المسيحية و الإسلام معاً.”

“كان مقدراً أن نلتقيهم، ليس واحداً بل الثلاثة معاً، و ليس الواحد بعد الآخر، بل ثلاثتهم في وقت واحد، و كأن كل واحد منهم قرر، إذا رآنا، أنه الوقت الأنسب للتعرف على والد الفتى المؤمن المتواضع. حين رأيت الأول ابتسمت، لكن حين اكتشفت أن ثلاثتهم يسيرون معاً تحولت ابتسامتي إلى رعب. حين بدا أن ثلاثتهم يتجهون نحونا قفز قلبي هلعاً… تبادل ثلاثتهم نظرات الاستياء…”

“كان أبي يعتبر نفسه جزءاً من الهند الجديدة، هند غنية و عصرية و علمانية كالآيس كريم. و لم يكن ثمة عظمة تَدَيُن واحدة في جسمه. كان رجل أعمال، رجل أعمال معروف، شغيل و مهني، معني بتناسل الأسود أكثر من أي فكرة وجودية أو أخلاقية… كان القلق الروحاني غريباً عنه، القلق المالي هو الذي يهز وجوده… أمي كانت صامتة، برمة و حيادية في ما يتعلق بالدين. فهي نشأت هندوسية و كانت تربيتها التعليمية إنجلية، و يبدو أن كلاً من الإثنين ألغى الآخر…”

“…ساد صمت غريب، كسره الكاهن حين قال بصوت مفعم بالكبرياء: -بيسين فتى مسيحي جيد، آمل أن ينضم قريباً لجوقتنا.

والداي، المعلم الهندوسي و الإمام بدوا متفاجئين.

-لابد من أنك مخطئ، إنه صبي مسلم طيب، فهو لا يفوِّت صلاة الجمعة و معرفته بالقران تتحسن باضطراد. قال الإمام!

نظر والداي و الكاهن نظرات ملؤها الشك.

جاء دور المعلم: -كلاكما مخطئ، إنه صبي هندوسي طيب، أراه طوال الوقت في المعبد…

نظر والداي و الكاهن و الإمام بذهول.

-لستُ مخطئا. قال الكاهن –أنا أعرف هذا الصبي حق المعرفة… و هو مسيحي.

-أنا أيضاً أعرفه جيداً و أقول لك أنه مسلم. قال الإمام.

-هراء! صرخ المعلم: -بيسين وُلد هندوسياً و يعيش هندوسياً و سيموت كذلك!”

“تقوى بيسين مثيرة للإعجاب، ففي مثل هذه الأوقات المضطربة من الحَسَنِ أن نرى فتىً قريباً هكذا من الله، جميعنا نتفق على ذلك… لكنه لا يستطيع أن يكون هندوسياً و مسلماً و مسيحياً في آن. هذا مستحيل. عليه أن يختار…”

936751_10201166812120683_1182336559_n

غولدن غلوب أفضل موسيقى تصويرية
أوسكار أفضل مخرج: أنغ لي
أوسكار أفضل تصوير سينمائي
أوسكار أفضل موسيقى تصويرية أصلية
أوسكار أفضل مؤثرات بصرية

حين “تموت” الفتاة، يكون لديها كل الوقت لتذكر دروس الماضي/ الحياة!


“ذَكَّرني والدي قائلا: لا تثني زوايا الصفحة لتُعَّيني مكان وصولك في القراءة، و لا تَحُكِي الأحرف المكتوبة بأظافرك، و لا ترطبي إصبعك بلسانك عندما تقلبين الصفحات، و لا تستخدمي الكتاب أبداً كوسادة تنامين عليها.”

“إنني مجرد فتاة و ليست أفكاري على أي قدر من الأهمية.”

“إن القصص تخبرنا كيف ينبغي لنا أن نعيش.”

“إن نمو الجسم لا يُحَوِل الفتاة إلى امرأة، و لا تفعل الخطوبة ذلك و لا المهارات الجديدة. و لكن الحب هو ما كان قد حولني إلى امرأة حقيقية.”

“إنك ربما ترى ما تريد أن تراه فقط.”

“كل فتاة تأمل أن تعترف بها أمها و تحبها حتى لو ماتت و أصبحت شبحاً، و حتى لو هربت مع حبيبها.”

“لقد جمع بيننا عالم على شفير الهاوية، فعثرنا فيه على الرفقة.”

“إن رغبتك في التعلم قوية كحاجتك إلى الحفاظ على حسن مظهرك.”

“إن من يفتقر إلى الشفقة ليس بشراً، و من يفتقر إلى الخزي ليس بشراً، و من يفتقر إلى حس الإحترام ليس بشراً، و من يفتقر إلى الخجل ليس بشراً، و من يفتقر إلى حس الخطأ و الصواب ليس بشراً.”

“إن أحداً لا يستطيع أن يعيش بدون الفرح و الغضب و الحزن و الأسى و الحب و
الكره و الرغبة.”

peony-in-love

زهرة الفاوانيا العاشقة/ ليزا سي

“بريد الموتى”؟! ربما ليس الأمر مستحيلاً @!@

“لا يمكن لأحد أن يخترع شيئاً مدهشاً كبريد الموتى ما لم يفعل ذلك إكراماً لشخص يحبه من صميم قلبه. إن هذا المستوى من الذكاء لا يحرضه سوى الحب.”

الوداع المؤقت كامل

“إن الإيميلات لا تكذب. قد تكون أكاذيب بحد ذاتها، و لكنها لا تكذب. يمكننا أن نُعيد بناء رسائل عديدة منها.”

13155271

“و لكنك لن تجد علاجاً للحزن، فبعض الأحزان لا يمكن أن تُشفى أبداً… كن حزيناً… إلى الأبد.”

“و لكن لماذا لا يبدو جميع من يمشون حولي في الشوارع تعساء؟ لأن مذاق المثلجات لا يزال شهياً، و لأن الأيام المُشمسة لا تزال جميلة، و لأن الأفلام الطريفة لا تزال تُضحك، و لأن العمل لا يزال مثمراً، و لأن قضاء الوقت مع الأصدقاء لا يزال ممتعاً، و لأن هناك أناساً آخرين يحبونك أيضاً.”

“في نهاية المطاف، يجب علينا أن ننسى، و لكننا لا ننسى لأننا مستعدون للنسيان أو لأننا شفينا من آلامنا أو انتهينا من الحزن و تصالحنا مع الواقع و تخطينا المأساة و مضينا في طريقنا. فنحن لا نمضي في طريقنا و لا ننسى أبداً، و إنما نفقد تشبثنا بالذكرى و حسب، و نهوي في قاع النسيان لأن التذكر لا يعود يكفينا.”