مقبرة الأفيال

يُقال أنه للأفيال موضعٌ تأوي إليه من تِلقاء نفسها حين تشعر بقرب موعد رحيلها عن الدنيا. و هي ربما لا تقصد أن تؤسس مقبرة جماعية و لكنها على ما يبدو تتجه بفعل الإنهاك (الذي تعرفه كإشارة تسبق الموت) للسكن عند مواقع المياه!

الفيلة تشبه البشر في ذعرها من مشاهدة “الميتة”، ربما بحسب اعتقادات سابقة فلم يعد الإنسان الآن يذعر لمشاهد الموت بعد أن بات وجبة يومية تُقَدَم بالمجان في بوفيهات مفتوحة موائدها ممتدة على شكل طوق يحتجز كل الأرض بداخله، بينما الفيل الحي ينهار عاطفياً لرؤية ميت!

و بما أن (العلماء يقولون) للفيل ذاكرة قوية، فلنا أن نتصور كيف تكون فترة احتضاره عبارة عن عملية اجترار ذكريات متراكمة على امتداد سنوات و مشحونة بالتفاصيل، فحياة الأفيال حافلة بالمسؤوليات، الفيل الهندي ربما مسؤولياته أقل (الفيل الهندي مدلل لأن ل”غانيش” رأس فيل)، البشر لا يدَعُونه و شأنه و لذا يكبر معتاداً على رعاية صاحبه، و لو حصل و تغير روتين العناية به فإنه “يحرد” مطالباً بحمامه و حك جلده و ملاعبة خرطومه، و قد يخرج باحثاً عمن يعوضه عن إهمال مالكيه!

الحياة الحقيقية هي للفيل الأفريقي الذي لا يحظى بالاهتمام إلا لمطاردته بالأسلحة من أجل عاجه الثمين، و في الوقت الذي يتم سقي و إطعام و تدليك “الهندي” يكون “الأفريقي” يتشمم دربه ليعثر على مصادر للشرب و يتمرغ في الوحل و بالكاد ينفض عنه الغبار، يكافح من أجل البقاء. و المفارقة ألا أعداء له من البرية فهو لا يخاف حتى الأسود، و لكن عدوه الأوحد هو الكائن الذي يصنف نفسه كأكثر الكائنات تحضراً!

لا أعلم ما الذي جعل كل ما يتعلق بمقبرة الأفيال يخطر اليوم على تفكيري، و لكنني أعلم أنني اعتدت ربط السلوكيات “الحيوانية” بمثيلاتها لدى الإنسان (و العكس)، العجيب أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يختبر كل سلوكيات الحيوانات التي بفعل كبريائه (الإنساني) يحتقرها و يقصيها عن حقها بالوجود التام في هذا العالم و يضعها في خانة أعدائه ثم تظهر فيه كلها مجتمعة، ليس دفعة واحدة بل على مراحل عمره الطويل نسبياً مقارنة بمعظم الحيوانات التي يعرفها أغلبنا!

2 thoughts on “مقبرة الأفيال

  1. هذي كيف ما مريت عليها قبل؟!
    يا الله!
    هذي تشبه موضوع الستوري تيلر ولا يتهيأ لي؟
    لأنه بجد نقل لي تصور الفيلة بمشاعرها وتفاصيلها 💔
    قصة صغيرة لكن عميقة، سأكرر القراءة

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s