أورهان و أثاثه الذي يُطقطق

من المجحف بالطبع أن أتجرأ على وضع “عزيز نيسين” بالميزان نفسه مع “أورهان باموك”، لا مجال للمفاضلة و لا للمقارنة على الإطلاق، و لكن كل الأمر أنني ما قرأت “تركيا” إلا من خلالهما معاً، على اختلاف خط كل منهما تماماً عن الآخر. “نيسين” بأسلوبه الساخر الفج الذي يصفعك بالحقيقة مضخمة لتأتي موجعة حارقة و في الوقت نفسه تُفقدك السيطرة على قهقهاتك حتى تتسرب من كل مساماتك، و “باموك” بشاعريته الحالمة و بميله لتقطيع أضخم الصور لأدق أدق تفاصيلها بلغة تسحبك نحو الإستغراق معه في أبعاده المُتَخَيَلَة (بعناية شديدة).

لقد تعرفت على “أورهان” من قبل “نوبل”، و ما غَيَرَت “نوبل” من افتتاني به، لا زاد و لا نقص، ثم و لو ماكانت إلا “إسمي أحمر/My Name Is Red” لكفته ليكون من المفضلين عندي، و كان لصالحه أن آخر ما قرأت له “جودت بيك و أولاده” التي كانت أول ما كتب في الواقع، لأنني لو كنت قرأتها أولاً لما أظنني كنت سأقرأ له بعد، و كان من الجيد أنه لم تتم إعادة طباعتها و توزيعها إلا بعد “نوبل” و قد بدت لي مجرد تدريب (مدرسي) طويل على ممارسة الكتابة و جزء منها ربما كان نوع من “فضفضة” الشاب الذي كانه.

من مقالاته المفضلة عندي (بعد My Father’s Suitcase و التي هي في الأصل كلمة استلام الجائزة) تأتي “When the Furniture Is Talking, How Can You Sleep?” لا أدري هل هي الحرارة، هل هي الرطوبة، هل هي برودة المكيفات؟ و لكن كل الأشياء تُطقطِق هذه الأيام و تجعلني أجفل معظم الوقت، تلك أصوات لا يعتادها الإنسان حتى لو ظلت تتكرر طوال الليل (فقط بالليل، ألا تلاحظون؟!) ثم تصمت قبل شروق الشمس بلحظة، و أنا كلما “طق” تذكرت “أورهان و أشيائه، و كيف حين يُنهضه أرقٌ من فراشه، يبدأ لا يفهم ما تريد الجمادات من حوله أن تخبره، و يتوه في تساؤلات لا يجرؤ على الإفصاح عنها لأي أحد، مع أنه يقول بأن أفكاراً مثل تلك تحصل مع الجميع، و لكن الكل مثله لا يتحدث عنها مُعتقداً أن ثمة سر عظيم للوجود يتكشف له بذاته دوناً عن بقية الخلق.

“أورهان” جَعَل من هذه الظاهرة تبدو غارقة في الكآبة، حين يتساءل لِمَ منفضة السجائر تلك لا تبوح بأحزانها و انكسارتها إلا له هو بالذات؟ و لِمَ عليه أن يكون “كاهن الإعتراف” لتعاسات مزلاج الباب؟ و لِمَ هو الوحيد الذي “يتطهر ” بمجرد فتح “الثلاجة” ليعود في كل مرة ذلك الكائن الذي كان عليه منذ عشرون سنة؟! نعم، أتفق معه بأن أصوات الأشياء تبدو نواحاً تشكو به متاعبها التي لا نفهمها، و لكنني أعرف كيف أوقفها عند حدها فلا تفرض علي الإنجراف بالبكاء معها، بل أتظاهر بعدم سماعها.

“In a while, when I’m asleep, I too shall become part of a story.”
*Orhan Pamuk/ Other Colors: Essays and a Story

pamuk-orhan-other-colors

“إسمي تيراري و أود الذهاب لأمريكا لأتعلم.”

Tererai Trent تَزُورُ ذاكرتي اليوم! هكذا بدون موعد، و بلا مناسبة، وجدتني أتذكر تلك السيدة من زيمبابوي، تقول لم يكن تعليم البنات أمراً مُعترفاً به في قريتها التي تعاني نقصاً في الغذاء، و ندرة الماء، و لا تعرف الكهرباء، فلم يُسمح لها أن تلتحق بالمدرسة، بسبب الفقر فضلاً عن كونها أنثى، و في الوقت نفسه كانت الفرصة تُهدر على شقيقها الأكبر (الطالب اللامبالي) الذي أحسنت استخدام كتبه المدرسية بأفضل مما فعل، فَعَّلَّمت نفسها القراءة و الكتابة، ثم تطور الأمر بأن أخذت تُنجز عنه فروضه المدرسية، و عندما لاحظت المعلمة أن مستوى الواجبات المحلولة متقدم بكثير عن مستوى الأخ، اكتشفت الأمر، فتوسلت الأب أن يجعل ابنته تحضر الصف، و بالفعل، ذهبت و لكنها انتظمت لفترة قصيرة، فقد قَدَّمَها و هي بعمر الحادية عشر لرجل مقابل “بقرة”، بعمر الثامنة عشر كان لديها ثلاث أطفال تكافح لإعالتهم تحت رحمة التعنيف بالضرب و الاحتقار من قِبل الزوج.

في أحد أيام 1991 زارت قريتهم عاملة أوربية تابعة لإحدى المنظمات الإنسانية و جمعت فتيات القرية حولها و سألتهن عن أحلامهن، تقول “تيري” بأن دهشتها كانت أكبر من استيعابها، مجرد أكتشافها بأنه يحق لها التفكير بشكل مُستقل، تقول بأنها كانت تجهل أن الأمنيات مسموحة لها! أخبرتها الناشطة أن لكل منا الحق بالإيمان بنفسه “لستِ مضطرة للعيش بهذا الشكل، يمكنك تغيير حياتك”، فكانت الإجابة: “إسمي تيراري و أود الذهاب لأمريكا لأتعلم.” أمَّنَتْ الزائرة مُؤَكِدةً: “إن كنت تؤمنين بأحلامك فسوف تتحقق”.

لاحقاً، قامت “تيري” بإعداد قائمة (مكتوبة) لأحلامها تتدرج من كل هدف للذي يليه، و كان الهدف الأول: “العيش في أمريكا”، ثم الحصول على “البكالوريوس”، ثم إتمام “الماجستير”، ثم نيل “الدكتوراه”، لَّفَتْ الورقة و حشرتها في علبة اسطوانية من الصفيح و دفنتها تحت صخرة، تقول “لكي تحتفظ بسرِي”! و في 1998 انتقلت مع زوجها و أبناها للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، و بعد ثلاث سنوات من هجرتها حصلت على “البكالوريوس” في العلوم الزراعية، ثم في 2003 أنهت “الماجستير” و كان قد تم ترحيل زوجها من أمريكا بتهمة إساءة المعاملة، التقت زميلاً في الجامعة و تزوجته، و في 2009 أصبحت د. “ترينت”.

و لكنها كانت تعود مهما كانت ظروفها، كلما أنجزت بنداً من قائمتها لمكان تلك الصخرة لِتُخرج لفافتها و تقوم بشطب ما تم تحقيقه ثم تعيدها لمكانها مثل أول مرة دفنتها. و كل رحلة الإصرار على التعلم تلك، استغرقت منها 25 عاماً لم تتراجع خلالها عن العمل بجدية تامة على تغيير مصيرها و من ثم العودة لقريتها لتغيير مصير ناسها و ذلك ببناء المدارس و نشر التوعية بضرورة التعليم بين سكانها و السعي لجمع التمويل اللازم لتنفيذ خططها. كلا لم تنتهي القصة بعد، في 2011 تبرعت لها “أوبرا وينفري” بمبلغ مليون و نصف المليون دولار أمريكي لكي تتمكن من بناء مدرستها “الحلم” في قريتها الأم.

ليس “التعليم” فقط هو القودة الدافعة لتغيير مصائر البشر، بل قبله يكون إيمان المرء بنفسه و بأحلامه، و أن يعرف قبل كل شئ أن من حقه أن يكون له “حلم”.

LOC Dr. Tererai Trent

هذه واحدة من اللواتي وردت قصصهن في كتاب “Half The Sky/ Nicholas D. Kristof, Sheryl WuDunn” و بالمناسبة، الفيلم الوثائقي، الذي تم تصويره بعد نشر الكتاب، فيه طاقة مُلهمة تتجاوز التي يتم الشعور بها مع القراءة فقط (متوفر للمشاهدة على Youtube)، و لقد تمت ترجمة الكتاب إلى العربية تحت عنوان “نصف المجتمع/ الدار العربية للعلوم، ناشرون”.

half-the-sky