حين هدوئك يزعجهم!

أن تكون من “الكاظمين الغيظ” في أيامنا هذه، يعني أنك سوف تبلغ حتماً مرحلة أن تتسمم بغيظك، لأنهم لا يتوقفون عن إغاظتك، و أنت تُذَكِّر نفسك كل يوم: “هذا ميناء هادئ و مسالم، مدخل جزيرة جميلة و فخورة بنفسها، بَدَأَت للتو بتشجيع الهدوء و السلام. فإن أمكَنَكِ يا أفكاري الالتزام بهذه القوانين الجديدة، فأهلاً و سهلاً، و إلا فلترجعي من حيث أتيت.”، و هذا الجزء من الاقتباس الكامل من “طعام صلاة حب” الذي أحتفظ بقصاصة منه في محفظتي و أعلقه على شكل شرائح في عدة أماكن و لا يغيب عن نظري و لو لمرةٍ في اليوم (كل يومٍ) على الأقل، منذ أربع سنوات تقريباً، حين احتجته بشدة في ذلك الوقت، و لا أحتاج الآن سوى تذكير نفسي به حتى لا أبتعد عنه:

“أحرص على مراقبة أفكاري طيلة الوقت، لن أكون مرسىً للأفكار الضارة بعد اليوم. فالمرسى هو المكان الذي تأوي إليه السفن، ميناء الدخول. و ميناء عقلي على الأرجح ميناء متهالك، مزقته العواصف، و لكن موقعه جيد و عمقه مناسب. ميناء عقلي هو خليج مفتوح، إنه المدخل الوحيد لجزيرة ذاتي. و قد خاضت هذه الجزيرة الحروب، و الآن ستلتزم بالسلام بقيادة زعيم جديد وضع سياسات جديدة لحماية المكان، و الآن ستكون ثمة قوانين أكثر صرامة بكثير بخصوص من يدخل هذا الميناء. لا يمكن لأحد الدخول بعد الآن بأفكاره القاسية المؤذية، بسفن أفكاره المُعَذِبة، بسفن أفكاره المُستَعبِدة، بسفن أفكاره الحربية، كلها ستطرد. كذلك لن يتم بعد الآن استقبال الأفكار المليئة بالغضب و السخط، بالمتمردين و القتلة القساة، بالمومسات اليائسات، بالقوادين و المحرضين المتخفين على متن السفن. و لن يتم أيضاً استقبال الأفكار آكلة لحوم البشر، حتى المُبَشِرون سيتم التحقق بعناية من صدقهم. هذا ميناء هادئ و مسالم، مدخل جزيرة جميلة و فخورة بنفسها، بدأت للتو بتشجيع الهدوء و السلام. فإن أمكنك يا أفكاري الالتزام بهذه القوانين الجديدة، فأهلاً و سهلاً، و إلا فلترجعي من حيث أتيت.”

و لكن حتى و قد ألزمت أفكاري الذاتية بصرامة قوانيني القديمة: المرونة/ الهدوء/ ضبط النفس/ التركيز على المواضيع المهمة. و التي أضفت لها مؤخراً: إبعاد السلبيين/ قل شيئاً إيجابياً. و في كل يوم حين أؤكد لنفسي كل صباح، حين أفتح عيني بابتسامة، و أرسل لكل الكون امتناني، شكراً للضوء شكراً للهواء، و “الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا و إليه النشور”، بأنني لن أسمح لأحد أن يعكر صفائي، و لن أُعطي أذناً لفجاجة الأشياء تخترق حصني الهادئ، كما لن أدع أمراً يسلبني رضاي يعبرني دون فلترة، يبقى هناك أولئك الذين تُعجِزُنا محاولات التخلص من ظهورهم السلبي الأسود في مساحاتنا بمجرد انتهاءنا من تطهيرها بعناية، و تأتينا كل تلك الإرشادات الخبيرة بألا نتأثر بغير ما بدواخلنا و بأن لا سلطة خارجية يمكنها العبث بواقعنا الوجداني! و أقول: نعم، معكم حق، يمكنني أن أتفادى الاصطدام ببعير باغتني بالظهور بمنتصف دربي جاهلاً أنه يُعرِّضني و يعرض نفسه لخطر الإصابة بالأذى. و لكن ما العمل مع الذين يقذفون بأنفسهم كتلة حماقة نرتطم بها فجأة مثلما يباغت قاطع الطريق قائد السيارة فلا يُمهله الفرصة لكبح انطلاقته؟!

هكذا بعض الناس على استعداد لرمي أنفسهم أمامك حتى لو تطلب الأمر أن تدهسهم حتى تراهم، مهما حاولت تجاهل اجتهادهم في جعلك تنفتح على استقبال تسرباتهم لتُلَوِث عالمك، لا يتوقفون، لا يبدو أنهم يتعبون، بل لا تزيدهم مقاومتك إلا إصراراً على التربص بك، أولئك الذين لا حياة لهم إلا بقدر ما يتسلقون تطفلاً على أيام غيرهم، تلك الأصناف التي تحترف تحويل نفسها إلى ضحايا تتسول الرعاية تغطي بها عجزها أو كسلها عن أن تكون لها حياة خالية من التسلق (و التشعبط) على حيطان الآخرين، نوع من البشر أضعف من أن يقود حتى نفسه، و مع هذا لا يصلح لأن يتبع من يقوده، شئ لا شكل له و لا تعريف. كل فعله يشي بخوفه من أن يكون مع نفسه، يتواجهان دون حماية من الآخرين يعلق عليهم هشاشته، أن يضطر لأن يكون بذاته فيكتشف أنه لم يكن يوماً، و هو لا يريد أن يجرح نرجسيته و كان قد كذب على شخصه حتى صَدَّق بأنه “كائن” بحياة كاملة و نسي بأنه قد احترف منذ عمر التقاط الفتات الساقط من عيش من يزاحمهم وجودهم.

“فليقل خيراً أو فليصمت” ابتلعتها كثيراً لتمنعني عن أن أتقيأ غليظ القول الذي لا أقبله لنفسي قطعاً فلا أحبه لأحد، و ليس بطبعي أن أُكِنَّ الضغينة لأحد (أحرص على جعلها علنية) لأنني لا أحترم النفاق و لا المنافقين، بإمكاني أن أتعامل بخصومة مُتبادلة طالما كان مُعترفاً بها (و من نِدٍ لنِد)، و تبقى قواعد الاحترام تحكمها، أما إضمار الأمر و إظهار عكسه فلا يعمل معي، و بالنسبة للَجْمِ نفسي عن رد المزعجين (الذين هدوئك يُزعجهم)، و بقياس تاريخ انفجاراتي، أدري بأنه قريب، لا يمكنني العض بشدة على فَكَيَّ إلى الأبد، ليس عملي أن أؤذي نفسي لأستمر بحماية من لم يكن على قدر من الوعي ليحمي نفسه بإتباع السلوكيات المقبولة و التزام التهذيب العام، أو أقلها قراءة إشارات قدوم العاصفة التي ما زال يستدعيها و يُهَيج غضبها و مازال يظن بأن هدوءها هو القبول، و مهما قلنا بأن الصمت هو خير جواب، إلا أن ثمة مَن بالتجاهل يتمادَون، هنا يغدو الأمر ضرورياً للتشدد بموقف صاخب، أن تصدمه ببضعة كلمات مؤلمة، و إن كان لن يفهم إلا بالصوت العالي، فلا بأس، ستتعب أنت اليوم لترتاح منه إلى الأبد، سواء بابتعاده عنك أو بتغيره.