الألم الذي يمكن احتماله و لكن ليس قبوله

534428

في اليوم الذي ذهبت فيه لحضور هذا العرض، كان ينبغي أن أصطدم بهذا الموقف لأتأكد من الأمر الذي شعرت به دوماً و كنت أتظاهر فقط بأنه غير صحيح: أن مجتمعنا ليس فقط مجتمع التصنيفات الجاهزة، بل إنه يعاني كذلك من محدودية تلك التصنيفات و عجزه عن التعامل مع كل ما هو من خارج القوالب التي تم رصها سلفاً في دماغ الواحد من أفراده، و أي شئٍ زائد عنها ستحتاج لأن تحشره في رأسه بالقوة ليتمكن من استيعابه. فالجيل الحالي من أهل أرضنا الطيبة تربى على أن ثمة فئات في المجتمع مصنفة تحت عنوان “مُعاق” و تم ربط هذا العنوان، ليفهمه، بصورة كرسي بعجلات متحركة، و حتى حين بدأت محاولات تعديل برمجة الثقافة السائدة فيما يتعلق بهذا الموضوع، صارت محاولات لتوسيع التصنيف و تغيير عنوانه إلى “احتياجات خاصة” و مع هذا ما زالت الصورة الراسخة في ذهنية الغالبية هي الكرسي المتحرك بعجلات، ربما تسامحاً يُلْحِقون بها الحوامل و المسنين على اعتبار أنها فئات قد يمكننا القول عنها أنها تحتاج عوناً خاصاً يختلف عن احتياج الإنسان في حالته السوية. و هذا يفسر كيف يرفض أحدهم طلب تخصيصك بالمساعدة فقط لأنك تعاني قصوراً (في الواقع أنت تجاهد لتجعله لا يظهر إلا طفيفاً) بقدراتك الحركية و مهما حاولت أن ترهق نفسك و تنفق كل تركيزك لتتمكن من الوصول لأقرب مستوى من العيش الطبيعي، سيبقى هناك ما يُعجزك أداؤه من الحركات التي يأتيها الشخص السليم في مثل عمرك دون حتى أن يضع فيها أي تركيز يصرف كل حواسه عما عداها حتى يقدر على تنفيذها.

قلت لرجل الأمن بأنني عاجزة عن ارتقاء الدرج و لو كان هناك بديل السلالم “المنزلق” فلن أواجه مشكلة معه طالما معي من يساعدني أو يكفي وجود درابزين أتوكأ عليه (أو أتسلقه بالأصح)، فوجهني لمدخل “المعاقين”، قالها هكذا، جاءت مثل ضربة على الرأس، فابتلعت رغبتي بأن أتوقف لمناقشته بذلك، ذهبت لذلك المدخل، رجل الأمن الواقف هناك لم ير مقعداً بعجلات فأوقفني “إلى أين؟” فأخبرته بما دار بيني و بين زميله، “لا ممنوع، هذا المدخل للمعاقين فقط”، “و أنا لا أستطيع صعود الدرجات”، نظرة تمسحني من الأسفل للأعلى “لماذا ما بك أنت؟” “ماذا هل يجب أن أحمل معي تقريراً طبياً أو بإمكانك فحصي إن أردت”، حسناً، حالتي هي كذا و كذا. و تسمى كذا و كذا، و من أعراضها كذا و كذا، و ما زالت تلك النظرة الخاوية التي يبدو عليها عدم الفهم. هذا ما أتحدث عنه، سألتني ما بي و قلت لك و أنت لا تعرف عنه، لا يهم مع أنه من المُهين لي أن أقف لأناقش معك وضعي الصحي، و الآن أنا مغادرة. “كلا ما قلت غادري و لكن ما الذي يثبت؟” ما الذي يثبت ماذا؟ أنا لا أدَّعي شيئاً فأنا أسير طالما يمكنني المشي و لو من الذاكرة، أنا لست “مُقعدة” و لا أحتاج أن أورط أحداً بمرافقتي من أجل تحريكي، كل ما هنالك أن هذا دَرَج، و لن أرفض لو تفضلت بإدخالي من خلاله و لكن عليك أن تجد طريقة لفعل ذلك. ثم، سؤال المسئول، سؤال الإدارة، و “تفضلي، أعتذر و لكن هذا هو النظام”! أي نظام يا عمي، لا أحد يحترم النظام مثلي و لكن لا تكلمني بتلك الطريقة المهينة، ضعوا في لوحات إعلاناتكم “نستقبل الشخص السليم و المقعد فقط، و نعتذر عن الاعتراف بغيرهما.”

نظرات مثل هذه ليست جديدة علي، اعتدتها، تلك التي تشبه اتهاماً لك بأنك فقط “مختلف”، مختلف عن هؤلاء و مختلف عن هؤلاء، أنت وقح لأنك تحيرنا و نحن لا نعرف ما بك، و لكن ليس أوقح من ذلك “الجين” النادر الذي جعلني واحداً من ضمن أربعين ألف مصاب في بلدي وحدها، ليس أوقح من أن يترك ٥٩٩٩ شخصاً في كل العالم ليجعلني المصاب المتمم لرقم الستة آلاف، ثم يترك ٤٩٩ شخصاً في السعودية وحدها ليجعلني المصاب المتمم للرقم ٥٠٠، الحقيقة أنني شخصياً لا أفهم كيف نسميه نادراً و نحن بهذا العدد، و كيف لا يتم الاعتراف بنا على كثرتنا، ربما علينا أن نجتمع يوماً بمكان واحد و نرفع صوتنا حتى ينتبه لنا مجتمع لا يعير انتباهاً إلا للجلبة، أو قد يكتفي رجل الأمن ذاك بتلبية دعوتي له لاستقبال عائلي ليرى بنفسه كم من الممكن أن يتواجد منا في بيت واحد، ربما قد تكفي زيارة واحدة لمشفى المخ و الأعصاب للتعرف على فئة هي ليست سليمة، و ليست مُقعدة، و لا “معاقة” لذلك الحد، للموافقة على إلحاقها بالاحتياجات (أو القدرات) “الخاصة” التي تم إلحاق حتى المتفوقين ذهنياً بها تحت عنوان “الموهوبين” و نحن لا نطالب بدعم و لا “تأهيل” و كل احتياجنا شئ من التساهل في مواضعه، أما في غيره فلسنا أقل من أحد، بل على الأغلب أكثر لو وضعنا في الاعتبار كم الجهد الذي تبذله واحدة مثلي فقط لتتفوق بما تنجز على أقل الأصحاء اكتراثاً بكيف ينفقون أيامهم، كلا لا أحد يفهم غضبك حين تشعر بالإهانة من فعلٍ لا يمكن لمن تختلف عنهم رؤيته مُهيناً، لا يمكنهم أبداً، فقط الذي يجرب بنفسه سيعرف، و أنا حين التقت عيني بعين شريكتي في قاعة التأهيل الحركي اليوم، رأيت هذا الغضب، لم يظهر فقط في عنادها و امتناعها عن التجاوب مع المُعَالِجَة، و لكنه تفجر في نظراتها و لم يره غيري، لأنهم لا يعرفونه، أنا أعرفه.

2 thoughts on “الألم الذي يمكن احتماله و لكن ليس قبوله

  1. مررت على تدويناتك في قراءة سريعة يا صابرين.. هناك طبقات شتى اتمنى معرفتها في كل قراءة لك.. وكل تدوينة تبعثر بعض المعلومات التي \علي تركيبها لأفهم شخصك وما تمرين به في حياتك.. يبدو أنك أشعلت فضولي..
    تدوينة النوم كانت غريبة وكأنها تخوض في عالم آخر.. وتلصيق الأسلاك الكهربائية ذكرتني بفحص مررت به عندما كنت صغيرة.. وقتها حصلت على تشبيه “alien” أطلقه أخي الكبير.. لكن راق لي تشبيهك الرومانسي بالفستان والغزل..
    اخترت ألا تفصحي عن الجين المسبب لحالتك.. ربما لأنك تركزين على وصف التجربة بدلا من حشو المعلومات العلمية.. لكن اسمحي لي أن اكسر هذا الغموض كعادتي بسؤالي عن التفاصيل.. ما هو اسم الحالة؟ كنت أود القراءة عن مجموعة ال499 شخص في السعودية..
    دمت بخير وبود..

    إعجاب

    • أحب الذين يجعلوني “أفكر”. و الذين يطرحون الأسئلة، أحبهم أكثر 🙂

      جميلٌ التقاط التشابهات في تجاربنا، هكذا يكون بناء التواصل الإنساني.

      و في الواقع، لم أختر ألا أُفصح، بل اخترت أن أُفصح و لا أحتكر معرفة الأمر لنفسي، و لكننا ما زلنا في طور اكتشافه (نحن و أطباؤنا)، و قد قلت حتى الآن كل ما عرفناه، و كلما سيجد جديد سأقول عنه، للأسف ما زالت ملفاتنا تجوب أنحاءً من أوروبا بينما تكبر مثل كرة ثلجية، و المفارقة أنها بينما تكبر تأخذ في تقليص الاحتمالات و تقريبنا من الإجابة أكثر. أشعر بأنني مُباركة بهذه التجربة، و أستحي حتى من أن أسميها “ابتلاء”. إنها النعمة أن أعرف شيئاً بنفسي ثم أتمكن من إخباره عن معرفة. أريد أن أنشر وعياً و أتمكن قبل التأثير على الجهات المعنية بإدخال التعديلات التي نحتاجها في كل مكان، أن يكون تأثيري موجهاً إلى الذين يتلبسهم البؤس فقط لأن معاناتهم مختلفة عن غالبية البشر و لأن النقص اعتراهم في أشياء، تعمى أبصارهم عن رؤية بقية ما لديهم، ألهمني بذلك ما أعاينه في كل مراجعة لي بالمشفى حين يبدو حضوري فجَّاً و كأنني أدخل بالألوان وسط ملامح مرسومة بالرمادي، و يصعب علي استيعاب كل ذلك البؤس الذي تتقمصه تلك الوجوه، و كأنها تؤدي دوراً تم إقناعها بأنها لا يجب أن تظهر به و إلا قد تخدش عُرفاً تم قولبتها عليه، حتى إنها تُشعرني و كأنها تستقبل تبسمي في عيونها بمنزلة “وقاحة” مُهينة!

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s