أسبابٌ أخرى للموت


موت المسنين أمر طبيعي، و موت المرضى أمر طبيعي، موت الرجال في الحرب أمر طبيعي، أن يقع لك حادث و تموت دون تخطيط أمر طبيعي. ليس أن الموت في سن الشيخوخة أو بالمرض أو بإصابة في الحرب أقل مأساوية من موت الشباب أو الأصحاء أو الآمنين في بيوتهم (أو ما يُسمى بموت الفجأة)، و لكن حين يكون الإنسان “أنثى” فإنه قد يملك أسباباً أخرى للموت.

من غير المألوف لدى المرء أن يفتقد أحداً لم يقابله أبداً، و أنا لا أفتقدهن على وجه الدقة، إلا أن رابطاً ينشأ بيني و بين كل روحٍ أتعرف عليها حين تكون قد غادرت بقهرٍ عظيم، أو بحزن عظيم. أشعر بأن آلامهن ما زالت مُعَلَّقةً هنا تحتاج لمن يُنهيها، حين يخترن “الموت” نفير طوارئ، نداء استغاثة، حتى مع حقيقة ألا فرصة لهن بعده، تنتهي الدنيا من عملها معهن، و لكن… ماذا أقول؟! إن الرحيل على تلك الشاكلة يُهَيِّج في النفس مشاعر مختلفة عما نشعره حيال الميتات المتوقعة، المُمَهدِ لها، المُبَرَرَةِ لنا بالصورة التي تجاري قُصُورَ أفهامنا.

اللواتي يفكرن أكثر من اللازم فتقتلهن الأسئلة، تتراكم الحيرة في صدورهن حتى تخنق أنفاسهن، حِسُهُن الرهيف مثل حجر الرحى فوق الرأسِ ليس ثقيلاً فحسب، و لكن له دَوَرَانٌ لا يتوقف مُصدراً ذلك الصوت الرتيب لاحتكاك الحجرين بينما تنطحن الحبوب بينهما، و إما يقودك إلى الجنون و يثير نوازعك الشيطانية أو تستسلم لوطأة ضغطه عليك، تستكين تحته بينما تذوي ذُبالتك حتى تنطفي. “باولا” العنيدة التي رَغِبت بالمغادرة و لم تتجرأ على التدخل لإنهاء حياتها بالقوة تورعاً عن إهانة الإرادة العليا التي وهبتها إياها لِتُحسِن استغلالها بالبناء و النمو و إحداث فارقٍ من نوعٍ ما، و مع هذا تركت نفسها لتنزلق نحو معبر الخروج دون مقاومة، بل الأرجح أن اعتراضها على الاستمرار في عالم تعجز فيه عن إنقاذ الجميع هو ما حفَّز جسدها الفاني على التمرد عن العمل، أن يدخل في حالة سبات تُعفيها من أن تقرر، أن تُحَمِل الآخرين مسؤولية القرار ببقائها على ما هي عليه فهي ترفض أن تكون جزءاً من دنيا الآلام التي فاقت قدرتها على الفهم، أو بتركها تذهب، عامٌ كامل، إصرارٌ على الغياب و الأم تمنع ابنتها من أن ترحل دون أن تخبرها “لماذا؟” أن تنام هكذا و لا تستيقظ (و كذلك لا تموت) قبل أن تحكي لأحدٍ ما الذي اعترى أعماقها مستعصياً على البوح، و لا كيف انتهى مخزونها من اللغة عن أن يكفي التعبير عن بشاعاتٍ لم تحتملها. مثلها “هديل” تشترك معها في أنهما من الذين وصفتهم “إيزابيل الليندي: “نجوم وحيدة ترسل نورها الخاص، لا يتعلقون بشئ و لا بأحد، فهم إذن لا يعرفون الخوف. يمكنهم أن يلقوا بأنفسهم في الهاوية و هم واثقون من أنهم سيطيرون بدلاً من أن يُسحقوا. و يمكنهم أن يتحولوا إلى طيور لكي يروا العالم من علِ، أو إلى ديدان لكي يروه من الداخل. يمكنهم أن يسكنوا فضاءات أخرى، و أن يسافروا إلى مجرات أخرى. إنهم يبحرون في محيط لا متناهٍ من الوعي و المعارف.” و لكنهم فقط (لا) يعيشون!

كذلك “حنان” و “آمنة “، النقيضتان في كل شئ. حنان التي شربت البنزين و أضرمت النار في نفسها بعصبية، كانت ممنوعة عن الحياة، آمنة التي انزلقت من الشرفة و هي تفتل خصلة من شعرها بهدوء حالم كانت تعيش حياة ماتت حنان احتجاجاً على عدم السماح لها بعيش جزء بسيط منها. و لكن ربما ما كان يجمع كل منهما هو عجزهما، ليس العجز في شخصيتيهما عن الالتفاف على المشاكل و إيجاد الحلول للتعقيدات في حياتهما و التوجه نحو إنجاز ما سيعوض كل من فقدت شيئاً بأشياء تسد الفراغ المتخلف عنه، بل عجز في انعدام المساندة من الناس الذين يعرفون و يتغاضون عن التدخل، العجز في انعدام القوانين المُنصفة التي تجعل إحداهما تشعر بالقوة لمواجهة التعنيف المُمارس عليها، الضعف الذي تقوم مجتمعاتنا ببرمجة الإناث عليه و كيف يتم تدريبها على ألا تسير إلا بظل رجل، بل أي ذكر، تفقد اتزانها بمجرد ظهور أدنى إشارة لخسارته، الضعف بتربية البنات على السلبية التي تتضخم معها بينما تكبر حتى تتحول لمجرد كائن تابع اتكالي غيور يضع شخصاً واحداً بعالمه و يجعله المحور لكل أفكاره و عواطفه و أفعاله.

هذه أسبابٌ للموتِ غيرَ أسبابِه: (تضخم) الوعي، و “أنيميا” الوعي.

3 thoughts on “أسبابٌ أخرى للموت

    • و كيف أنت مع هذا العالم يا “أفنان”؟ عساكِ لا تفكرين أكثر من اللازم، أو تفكرين و لكن تكبحين مشاعرك فلا تغرق في الأفكار حتى تذوب؟

      Liked by 1 person

  1. كثيرة هي القصص التي نسمع بها عن فتيات انتهت حياتهم لأسباب لا ترتقي لحدث الوفاة لو كان الأهل اكثر وعياً و تفهماً.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s