قوة التخلي عن الأشياء،

الناس، و الأماكن…

يعرف الذين يعرفونني كيف أبرع بالتخلي عن أي شئ، لا أتشبث بالناس و لا بالأماكن، ليس فقط بأن أدع الأمر من يدي بسهولة، و لكنني أيضاً لا أشعر بالحاجة و لا أرغب و لا أطلب، ليس أنني أحيا حالة زهد متواصلة و لكنني انتقائية فيما يتعلق بتفاصيل أيامي، ثمة ما هو “ضروري” و كذلك ما هو “ممتع” و الشرط أن يكون كلاهما بالمتناول. و ربما هذا هو السبب في حصولي على الكثير من (جوهر) الحياة لا من سقط متاعها. ربما اكتسبته كسلوك حين انتبهت منذ طفولتي المبكرة لألم الفقد، حين تكونين الصغرى بين عدة كبار تعتادين أن يتم اغتصاب ألعابك منك بالقوة ليس بشكل مؤقت بل من نوع التملك بوضع اليد، و حين يمتنع من كان لك عليهم حق الاحتواء عن حمايتك و فوقها يتحولون لمصدر التهديد الأساسي بحياتك، و حين دون اكتراث تتعرضين للتمييز دون سبب يتمكن عقلك الصغير من استيعابه مبرراً لجعلك الأدنى في كل شئ، و لإبعادك عن المركز و تدريبك على البقاء في الزوايا المظلمة، و يغدو كونك غير مرئية هو الطريقة الوحيدة للأمن من العقوبات المتتالية دون ذنب منك شخصياً و لكن لأنك لا تعرفين بعد كيف تدافعين عن نفسك و هذا ما يجعلك مثالية جداً كموضوع تنفيس عن غضبات متراكمة من أمور لا صلة لك بها! كل ذلك يدفعك لتطوير الأساليب التي تساعدك على التخلص مما يتخلف عن الفقدان من آلام، و هكذا تكبر فيك نزعة “Just Let it Go” كحيلة للبقاء و تجنب أن تصرعك أوجاع لم يعلمك أحد كيف ينبغي معالجتها.

هذا هو الشئ الذي ربما يعتبره أغلب الناس اختلالاً في الطبيعة البشرية، و لكنني لا أهتم أبداً لطلب الأشياء و لا الحصول عليها و لا حتى التمسك بها، ليس فقط الأشياء مادية كانت أم معنوية، بل الأشخاص كذلك. بشئ من التعمق، حتى أنا أجده نوعاً من الاختلال لأنه كثيراً ما يعاكس ما أشعر به، فلا تأتي تصرفاتي ملبية لِوَحِي عواطفي، و غالباً ما يبدو و كأن روحي لا تكترث لعذاب مشاعري و لا لفورة أهوائي و تواصل دورانها في أفلاك أبعد. هكذا جاء اعتيادي، الخوف و الفرح و الحزن و الحب، كلها أحاسيس أوقفها كلما اقبلت علي لأتأملها، تتحول المشاعر لدي إلى أفكار، و الأفكار لها نفع أكبر من المشاعر، و أفكاري لا أحتكرها لنفسي، أفكاري أوزع منها على الجميع و لا تنتهي و لا ينقص منها شي، بل تبدو و كأنها تزيد كلما قدمت منها للغير. كل إحساس يوشك أن يعتريني أتملص منه فلا أسمح له بأن يغمر روحي، ثم لا أشعر به كما ينبغي، إلا الغضب، ربما، هو الغضب فقط من يغلبني، يسلبني كل قدرة على المقاومة، باندفاعه يكتسحني، يشل وعيي دون مقدمات أدركها لأتحرز من هجومه. هو الغضب إذن المدخل لقلبي، و لتجعلني أراك، عليك أن تنجح بإغضابي، ثم أغضبني مرة لأسمعك، و توقف بعدها عن إثارة غضبي لأن الثالثة تعيد إخراجك من عالمي! و هذا موضوع آخر، و لكنني أفكر كيف تحترق الصديقات معي منذ الإساءة الأولى؟ حتى أنا لا أفهم لماذا لا أقدم فرصة ثانية! يُتعبني ذلك. الناس الذين لا أحبهم من أعماقي يعمرون بقلبي أطول من الذين أعطيهم من روحي. كلما جعلتهم أقرب، تخلصت منهم بشكل أسرع! أبقى أحبهم و لكنهم يغدون بحكم الأموات بالنسبة لي، أعجز حتى عن نطق أسماءهم، يصبح مجرد تذكرهم جارحاً أكثر من جرح إيذائهم لي نفسه. لا أعرف شيئاً عن “الفرصة الثانية”، معنى “الفرصة” في قاموسي هو ما يتوفر لمرة واحدة إما نتمكن من اقتناصه فور مروره بنا في ذلك الزمان و المكان و إلا… انتهى!

و الحقيقة أن علي أن ابالغ أحياناً و أُزَيِف كثيراً و أقول أشياء لا أعنيها، عوضاً عن إعلان الحقيقة التي تحزنهم و لا أفهم لماذا! كلهم يعتبرون عجزي عن التعلق بالأماكن و الأشياء و الناس، و عدم قدرتي على طلب امور أسعى للحصول عليها ثم أكافح للتمسك بها، أمر غير “طبيعي” و مثير للريبة و يجعلني عصية على الإلتزام، و لكنني لا ارى ذلك صحيحاً، و لا أرى ما أنا عليه إلا “نعمة” و هبة و رحمة لمن يُحسن تقديرها. بإمكاني أن أستيقظ كل يوم في مكان مختلف، و لا أشعر بالغرابة و لابجدة الأماكن. كل شئ في أي وقت يبدو مألوفاً لدي و لا أتذكر ما قبله إلا بشكلٍ منفصل، و كأنني أستعيد ذكريات أحد غيري. و لا أعرف الشوق و لا أظنني اشعر بالحنين لأي شئ مضى و انتهى، لا أعرف حتى كيف يكون التحسر على الماضي، ربما لا أنسى بمعنى الكلمة، و لكن كل شئ يصبح بعيداً عني و كأنه لم يحصل لي، كأنني كنت أراقب فقط! و هذا لا يعجب أحد بي، عندما لا أفكر بالغائبين و لا أعبر عن اشتياقي للعائدين، و عندما يخبروني بأنهم يفتقدوني، و عندما يسألوني ما إذا كنت أفكر بهم (و كيف)… علي أن أجيد التمثيل و أدعي الإحساس بأي شئ يجعلهم يبتهجون! و هذا غريب، لأن عدم معاناتي لا تسعدهم، و لكنهم يفرحون لو قلت بأنني عانيت مشاعراً سيئة بسبب حدث ما!

قبل ثمان ساعات من الآن، فعلتها لأُثبت وجهة نظري أمام نفسي، أن أختبرني قبل أن آتي و أُخرِف عليكم بكل ذلك الكلام عن قدرتي على ترك الأشياء تذهب بسهولة أو بصعوبة، لا فرق، فأنا لا أسمح لصعوبة الأشياء أن توقفني عن الإقدام على فعلها، و الآن أنا أشعر بأنني أقوى و بلغت المستوى الذي لم أتصور وجوده من الخفة، و اكتشفت بأن فروة الرأس ناعمة جداً مثل بشرة الأطفال، و مع الشعور بالماء الدافئ و هو ينسكب فوق رأسي مباشرة، أحسست بأنني أريد أن أطير، و تمرير اليد بالإتجاه المُعاكس مثل تمريرها فوق قطعة مخمل، الصورة من الخلف تظهره بشعاً جداً و لكن المهم هو ما يفعله بالوجه، و أرى أخيراً بأنني صرت أشبهني. و أدري بأني سأسمع عند ظهوري الأول أمام الجميع عدة صرخات تقول لي أو تسألني باستنكار: “مجنونة؟!” و سيتبرعون كلهم بمحاولة إقناعي بأن أندم و بأني تجرأت على اقتراف تشويه فظيع لشكلي، و هذا ما يحدث دائماً، تتخلين عن الشئ فيحشد الجميع قواهم لجعلك تصدقين بأنك تخسرين باختيارك و عليك ألا تفرطي بسهولة بهذا الشئ أو ذاك، و تتأملين وجوههم قليلاً فتتذكرين بأن الكلام موجه لك من أشخاص لم يعرفوا أنفسهم يوماً ماذا يريدون تحديداً، و لو عرفوا و مهما أظهروا تمسكاً فإنه لا يتعدى مرحلة التحسر على ما ليس لديهم دون حتى الإنتقال لمرحلة العمل بجهد في سبيل الحصول عليه! حسنا أنا مجتهدة جداً و لذة الأمر أنني أتخلى مهما كان في الأمر صعوبة و أنتم في طلبكم لا تتحركون حتى لالتقاط ما في المتناول.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s