“لدي قصة ستجعلك تؤمن بالله”

لا أعلم متى بدأ الهوس لدى صُنَّاع الأفلام باستخدام الكتب العظيمة لإنتاج أفلام لا يمكنها أبداً مجاراة الكتاب مهما كانت ضخامة إنتاجها، و لكنني سأبقى أترقب اليوم الذي سيتمكن فيه الفيلم من الإقتراب و لو بجزء منه من الجودة التي كان عليها الكتاب، أما حالياً فما زلت على قناعتي من أنه لا يمكن أن تتساوى تلك المحاولات لجمع مزيدٍ من المال بتفاصيل خرجت من رأس كاتب ربما كان المال آخر ما كان يفكر بالحصول عليه من خلالها. و لأخفف قليلاً من تأثير تحيزي للرواية المكتوبة كنت قد أقنعت نفسي منذ مدة بأن الفيلم لن يكون أكثر من مجرد لوحة توضيحية لجزء من 100 حتى لو كان جيداً و ليس فقط مجرد تصوير هزيل لم يحقق أي نجاح إلا بتسطيح الموضوع بأكمله.

حتى مع شعوري بالإنزعاج قليلاً حيال تخريب رواية نالت إعجابي منذ قرأتها أول مرة قبل خمس سنوات تقريباً، إلا أنني حاولت إلهاء نفسي عن المقارنة و تذكير نفسي بأن هذا ليس سوى فيلم آخر، تجارة ترفيهية، و علَيَّ ألا أرفع توقعاتي، و مع هذا أحبتته من جانب معين، بلغة “هوليود”، راقت لي المؤثرات صوتاً و صورة، الأمور التي حاز على الجوائز السينمائية بسببها، و وقعت في غرام “النمر”، فصوته آسر، و تذكرت قصيدة “The Tiger” ل”William Blake” و وجدت إنها تلائم ذلك المخلوق تماماً. و بالمناسبة، لقد حرصت دائماً على الإكتفاء بإعطاء إشارات عن مواد قراءاتي و مشاهداتي، لا أقوم بتقديم مراجعة تفصيلية و لا أعتبر تحدثي عن الشئ تزكية له، و أنا أتجنب ذكر محتوى يحتاج أن يسبقه التحذير بإفساد القصة، تلك عبارة يعرفها المنضمين لمجموعات القراءة أو هواة متابعة الأفلام، تعني أنه سيتم سرد الأحداث أو الإخبار عن تفاصيل ستفسد المتعة لدى من يود قراءة الكتاب أو مشاهدة الفيلم لاحقاً.

“ثمة باستمرار جمجمة متجهمة ترافقني باستمرار، لتذكرني بمدى سخف الطموح البشري. لكنني أسخر من هذه الجمجمة، أنظر إليها قائلاً: إنك تتبعين الشخص غير المناسب، لعلك لا تؤمنين بالحياة، لكنني لا أؤمن بالموت، فامضِ في حال سبيلك! لكن الجمجمة تقهقه بمكر و تزداد التصاقاً بي. سبب التصاق الموت بالحياة إلى هذا الحد ليس الضرورة البيولوجية، بل الغيرة. فالحياة رائعة إلى حد أن الموت واقع في غرامها، غرام استحواذي غيور يتشبث بكل ما يمكنه الحصول عليه.”

“إنها معادلة مأساوية بالنسبة إلى الطامحين إلى أن يصيروا كُتاباً: موضوعك جيد، و كذلك قدرتك التعبيرية. شخصياتك مفعمة بالحياة إلى حد أنه يمكنك أن تستخرج لها شهادات ميلاد. الحبكة التي وضعتها لهم عظيمة، بسيطة و مشوقة. كما أنك قمت بأبحاثك، و جمعت الوقائع التاريخية، و الاجتماعية، و تلك المتعلقة بالطقس و عادات الأكل، التي ستمنح قصتك المصداقية و الأصالة. الحوار يتدفق بالحيوية، و يمور بالتوتر. الوصف يتفجر بالألوان، و التناقض، و التفاصيل الدالة. حقاً، يستحيل ألا تكون قصتك عظيمة. لكن هذا كله لا يعني شيئاً. على الرغم من الوعد الواضح المشع في قصتك، تأتي اللحظة التي تسمع فيها بوضوح ما كنت تسمعه يتردد همساً طوال الوقت في خلفية تفكيرك، و الذي يقول لك الحقيقة البسيطة الفجة: لن تنجح الرواية. ثمة عنصر ناقص، تلك الشرارة التي تجعل قصة تنبض بالحياة حقاً، بصرف النظر عن درجة الدقة في هذه المعلومة أو تلك، قصتك ميتة عاطفياً، هذا هو الأمر الأساسي. أقول لكم، إنه اكتشاف مدمر للروح، فهو يترك صاحبه يعاني من جوع مزمن مؤلم.”

*يان مارتل

Life of Pi by Yann Martel


“من المؤسف أن يكون ذلك الحس الجماعي الذي يحققه الإيمان العمومي للناس، هو نفسه الذي أوقعني في مشكلات كنت بغنى عنها. فقد انتَقَلَت ممارستي الدينية، مع الوقت، من انتباه أولئك الذين لا يهمهم الأمر، و يسليهم فقط، إلى أولئك الذين يهمهم الأمر و لا يسليهم.

-لماذا يذهب ابنك إلى المعبد؟ سأل الكاهن.
-شُهد ابنك في كنيسة و هو يرسم إشارة الصليب! قال الإمام.
-صار ابنك مسلماً. قال المعلم الهندوسي.

أجل علم والداي بذلك كله و ساءهما الأمر، فهما لم يكونا على علم بأنني أمارس الهندوسية و المسيحية و الإسلام معاً.”

“كان مقدراً أن نلتقيهم، ليس واحداً بل الثلاثة معاً، و ليس الواحد بعد الآخر، بل ثلاثتهم في وقت واحد، و كأن كل واحد منهم قرر، إذا رآنا، أنه الوقت الأنسب للتعرف على والد الفتى المؤمن المتواضع. حين رأيت الأول ابتسمت، لكن حين اكتشفت أن ثلاثتهم يسيرون معاً تحولت ابتسامتي إلى رعب. حين بدا أن ثلاثتهم يتجهون نحونا قفز قلبي هلعاً… تبادل ثلاثتهم نظرات الاستياء…”

“كان أبي يعتبر نفسه جزءاً من الهند الجديدة، هند غنية و عصرية و علمانية كالآيس كريم. و لم يكن ثمة عظمة تَدَيُن واحدة في جسمه. كان رجل أعمال، رجل أعمال معروف، شغيل و مهني، معني بتناسل الأسود أكثر من أي فكرة وجودية أو أخلاقية… كان القلق الروحاني غريباً عنه، القلق المالي هو الذي يهز وجوده… أمي كانت صامتة، برمة و حيادية في ما يتعلق بالدين. فهي نشأت هندوسية و كانت تربيتها التعليمية إنجلية، و يبدو أن كلاً من الإثنين ألغى الآخر…”

“…ساد صمت غريب، كسره الكاهن حين قال بصوت مفعم بالكبرياء: -بيسين فتى مسيحي جيد، آمل أن ينضم قريباً لجوقتنا.

والداي، المعلم الهندوسي و الإمام بدوا متفاجئين.

-لابد من أنك مخطئ، إنه صبي مسلم طيب، فهو لا يفوِّت صلاة الجمعة و معرفته بالقران تتحسن باضطراد. قال الإمام!

نظر والداي و الكاهن نظرات ملؤها الشك.

جاء دور المعلم: -كلاكما مخطئ، إنه صبي هندوسي طيب، أراه طوال الوقت في المعبد…

نظر والداي و الكاهن و الإمام بذهول.

-لستُ مخطئا. قال الكاهن –أنا أعرف هذا الصبي حق المعرفة… و هو مسيحي.

-أنا أيضاً أعرفه جيداً و أقول لك أنه مسلم. قال الإمام.

-هراء! صرخ المعلم: -بيسين وُلد هندوسياً و يعيش هندوسياً و سيموت كذلك!”

“تقوى بيسين مثيرة للإعجاب، ففي مثل هذه الأوقات المضطربة من الحَسَنِ أن نرى فتىً قريباً هكذا من الله، جميعنا نتفق على ذلك… لكنه لا يستطيع أن يكون هندوسياً و مسلماً و مسيحياً في آن. هذا مستحيل. عليه أن يختار…”

936751_10201166812120683_1182336559_n

غولدن غلوب أفضل موسيقى تصويرية
أوسكار أفضل مخرج: أنغ لي
أوسكار أفضل تصوير سينمائي
أوسكار أفضل موسيقى تصويرية أصلية
أوسكار أفضل مؤثرات بصرية

8 thoughts on ““لدي قصة ستجعلك تؤمن بالله”

  1. كانت من الروايات القليلة التي أعطيتها 5/5 … وأحببت الفيلم أيضاً مع أنه اختصر أشياء وأضاف أشياء ولكن مؤثراته خيالية ، ومع ذلك أتفق معك على أن الرواية المقروءة تفوقت على الفيلم في Life Of PI

    إعجاب

    • أحب الأعمال المتقنة (المتعوب عليها)، أدري بأنها نتاج مجهودات جبارة و عقول مبدعة، و لكنها تأخذنا بانبهار حتى تبعدنا قليلاً على جوهر الفكرة.

      إعجاب

  2. مرحبا صابرين.. مدونتك تبدو ثرية وأتطلع لقراءة المزيد منها!
    عنوان التدوينة جعلني أظن أنك ستتطرقي لموضوع السؤال الذي طرح في بداية القصة.. ولكن بما أنها سيرة وانفتحت راح أدلي برأيي..
    أعتقد أن يان مارتل أخطأ بطرح هذا السؤال “هل أخبرك بقصة تجعلك تؤمن بالله” وكان من المفروض أن يسأل”هل أخبرك بقصة تجعل الحياة مع دين أكثر جمالا أو سحرا” لأن الاجابة في الأخير كانت ان القصة بالحيوانات “الدينية” أجمل من القصة العادية الواقعية..

    إعجاب

    • شكراً مها، و أنا تعبت نهار أمس و أنا أعبث بآلتك الصحراوية و أتفحص قطعها و كيفية تركيبها، أبهرتني حقيقة، و عثرت على أفكار مسجلة لدي سلفاً في كراس ال”to-do” على شكل “outlines” للعمل على كتابتها لاحقاً ، أي لاحقاً في الواقع 🙂 ، أنت أدرى كيف نخبئ كلماتنا حتى نتمكن من صياغتها بشكل جيد حين فراغ…

      هل أخطأ “مارتل” حقاً بالإستحواذ على كل تركيزنا بطرحه لهذا السؤال صراحة في مقدمته؟! أو أنها كانت عبقرية منه أن يترك الأمر لقراءة كل منا الخاصة، قرائتك المبنية على تجربتك و اختبارك الواقعي و مدى انفتاحك الحالي على ما أراد قوله؟ هل نسيتي عمق ما مررت به مع زميلك الكاثوليكي؟ أدري بأنك تعلمتي بنفسك أن أسلوب “التلقين” لا يعمل في مثل هكذا مسائل.

      http://machineinthedesert.wordpress.com/2012/01/20/catholic-colleague/

      كان من حظي في ذلك الوقت أنني قرأت هذه الرواية مجموعة مع كل من:

      “رحلة بالداسار”/ أمين معلوف
      “جامع العوالم”/ إيليا ترويانوف
      “اللوح الأزرق”/ جيلبرت سينويه

      هل لك أن تتصوري مفعول هذه الجرعة حيت تؤخذ مرة واحدة؟! نعم كانت الأعراض اللاحقة لها عبارة عن قراءات و بحوث و مقابلات و أفكار و تساؤلات و حللة كل البناء المتجمد القديم الذي تم صب قالبه في رؤوسنا عنوة في بلدنا الصحرواي هذا.

      كلنا نقول المعنى نفسه و لكن بلغات مختلفة، هكذا نقنع أنفسنا بالتوقف عن ضرب رؤوسنا بالحيطان كلما لم نتمكن من الفهم.

      إعجاب

  3. أحب تحليلك واتطلع لقراءة الكتب المقترحة أعلاه..
    نعم اسلوب التلقين ليس جيدا ولكن أعتقد ان ما حدث في روايته هي سؤال مضلل..
    Misleading question
    لأنه في الأخير فعلا روى قصتين وبعد أن خير الرجل فأختار القصة العجيبة، قال:
    “وكذلك الأمر مع الله”
    فهو لم يرد على سؤاله الأساسي، مجرد مثال على أن القصة ذات الحيوانات أكثر جمالا وأن كل شيء ممكن بإرادة الله.. أو أن المعجزات لها تفسير طبيعي وليس بالضرورة فبركة.. لكنها أبدا – حسب رأيي-لا تثبت وجود الله.. لكني احب اسمع رأيك في كيف أثبت ذلك؟
    من ناحية صناعة الأفلام التقليدية، عندما يطرح سؤال في البداية فإن على الكاتب انهاؤه في النهاية.. فالنهايات المفتوحة كثيرا ما تعبر على عدم قدرة الكاتب على اجابة سؤاله فيتهرب منه.. وهو مشهور في أفلام مطلع القرن الماضي، كعندما يغمى على البطلة وينتهي الفلم..
    لكنه لم يتركها نهاية مفتوحة، بل ختمها ولذلك أثار استيائي بعض الشيء، لكن أحب أن أعرف قرائتك انت وكيف أجاب على سؤاله؟
    مدونتك جميلة ويسعدني أنني وصلت لها فيبدو أن لديك الكثير مما أحب.. سأحاول قراءة المزيد منها 🙂

    إعجاب

    • قد لا يمكننا معرفة ما قصده الرجل تحديدا، و لكنه يلمح بشكل واضح للمعجزات الخوارق التي ترتكز عليها (شعبيا) معظم الأديان، سواء كانت لها تفسيرات كما أشرتي أو أنها مجرد فبركات بنى عليها الإرث الجمعي. هنا بدا الأمر و كأن فيه مسحة تهكم، مع أنه لم يقل بأنه سيثبت وجود “الله”، بل قال “ستجعلك تؤمن بالله” و بمثل هكذا قصص تؤمن غالبية الجموع. إنه لا يريد أن “يثبت شيئا” لإن “الإيمان” فعل قلبي يفسده التفكير، و قد أمعن الإنسان على مر عصور بإفساده و تحويله لواحد من أعمال العقل، و كما هو واضح، هو يتناول “الإيمان” بأبسط صوره، بعيدا عن الرمز و المسمى و الطقوسية، البذرة التي تنمو من تلقاء ذاتها في أعمق نقطة من “بداءة” الإنسان، حين لا يعمل على صقله أو تلقينه أو “برمجته” أحد، حين يتم استئصاله من ارتباطه بالجماعة و سطوة الموروث، وحده هناك بقعة في محيط، يخاطب أخلاطه المكونة لطبيعته، مع أنني لم أدرس بعد ما الجانب الذي قد يمثله كل من الحيوانات التي بقيت مع “باي” على المركب (الضبع و السعلاة و حمار الوحش و النمر) إلا أنني حدست بأنها لا يمكن أن تكون اختيرت بشكل عشوائي و دون هدف. ثم بعد تصارع كل منها مع البقية، يتبقى ما سيجعله يؤمن، و لكن يؤمن بم؟! بوجود “الله” فقط. القوة التي ينتمي إليها و هو جزء منها، ثم يعتقد بكل أديان و آلهة الأرض لا كحقائق لا يمكن إثبات صحتها بأي وسيلة، و لكن بكونها وسائل الإنسان بمخاطبة موضوع إيمانه، اللغات التي ابتكرها ليتواصل مع المصدر الأوحد، الملجأ الذي يتحصن به من ضعفه و نقصه و عجزه، الإيمان كاحتياج لا كفرض. و عني، لم اعتبر أن الكاتب هنا “ختمها” بل على العكس شعرت بامتلائي بالأسئلة التي تمكن من تمريرها خلسة بين ثنايا ما جعله يبدو و كأنه أجوبة، ثم تركنا لحالنا كيف سنقرر التعامل مع تلك الأسئلة.

      إعجاب

      • ردك عميق، شكرا على تكريس الوقت لكتابته..
        يبدو أنني كنت متسرعة في طلب أن يلقمني الإجابة ولذا خاب ظني في البداية على الرغم من استمتاعي بالرواية عموما!

        إعجاب

  4. التنبيهات: tweets خواطر عشوائية | بعدما دخلت الآلة في الصحراء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s