Narrative Nonfiction

نوعي المُفَضَّل من النصوص السردية (قارئةً و كاتبة)، هو الأقرب لي لأنه فئة واسعة تضم التاريخ و السِيَر، و المقالات و الأعمدة الخَبَرية، و الأقصوصة و الرواية، أيضاً اليوميات و المذكرات… هو النص المبني على وقائع حصلت بالفعل و يقدم المعلومات بين ثنايا حكاية، يتم خلالها توضيح التعاقب الزمني لكل حدث حتى لو لم يتم عرضها بالترتيب الذي جرت به في الحقيقة، و على النص مهما طال أو قصر أن ينطلق نحو هدف رئيسي، فكرة واحدة تشمل كل ما يتفرع عنها بجذور مشتركة، الموضوع البارز الذي سيلقي بظله على كل ما سوف يُقال تحته.

هذا ما أحببته كأسلوب للتعبير عن النفس و أميل لأن أجدني فيه أكثر شئ، كلا ليس برثاء الذات و لا ندب الحظ و لا الانغماس في الأنا، فالهم لا يُعلن إلا إن كان عامَّاً، و الوجع لا يُكشف عنه إلا إذا انطوى على دروس يُتَعَلَّمُ منها، و التعب يُشارُ إليه فقط حين يُؤَمَّلُ إيصاله لإحداث تغيير.

بعد سنوات أربع من التدرب على جميع أنواع الكتابة و تأدية الاختبارات فيها، ثم إلحاقها بدراسة أشكال الكتابة الصحفية و امتهانها كذلك لأربعٍ تالية، و التمرن عملياً على أجناس الكتابة التجارية ممارسةً كجزء من عملي لسبعٍ أُخَرْ، توصلت للدرجة من الثقة بقدرتي على أن أعرف حدود مساحاتي التعبيرية في كل حقل منها، و تمييز ما أستمتع حقاً بفعله حيث لا أرى ضرورة لتعذيب النفس بمزاولة أعمال لا تميل لها، و مع هذا لا أعتقد بكون “الكتابة” عمل للمتعة فقط، بل هي أداة قابلة للتوظيف للنفع الخاص و العام على حدٍ سواء.

كقارئ، عليك أن تبذل جهدك لفرز الحقائق عن الآراء، و هذا الأمر لن يُعجزك طالما أنك تمتلك تأسيساً جيداً يتيح لك فهم الصياغات المختلفة وفقاً لسياقاتها، و قد تفيدك معرفتك بالهدف العام لدى الكاتب، لن يعلنه لك بعبارة صريحة على الأغلب، لسبب أنه يريد تحفيز تركيزك لتعمل معه، لتفكر و تستخلصه بنفسك، و لأنه كذلك لا يسعى لرسم موقف مطابق يتحدد من منظوره، بل لمشاركة وجهة نظره و استثارة تفكيرك بالأمر لتكوين رأيك الشخصي، لا يهم أن تتفق أو تختلف معه، فقط ليكون لك رؤية خاصة بك.

ربما يكون من حق الكاتب أن يطمع بتقدير لِكَمْ أحْسَنَ أو كم حاول قول ما لديه بأفضل الطرق الممكنة له، و ليس بالضرورة نيل الموافقة أو التأييد أو الاستحسان، ليس سوى “الموضوعية” ما هو مطلوب منك، ثم عليك أن تضع في اعتبارك بأن اللغة كاشفة للمعرفة، و بأنه على مستوى أداءك اللغوي تكون قدراتك الذهنية، و هكذا قد تقرأ شيئاً و تعرف من خلاله أشياء، المهم أن تتعلم كيف تقرأ النص لا كيف تقرأ الكلمات.

في هذا النوع الذي لا أعرف كيف أُشير إليه بمصطلح مرادف بالعربية، يكون النص مكتوباً لهدف واحد، أو أكثر إن تمكنت من دمجها بأسلوب إبداعي، و تلك الأهداف تدور حول أربعة:

الأول: رواية قصة، عن شخص، عن مكان، عن حدث، عن أي شئ، و هنا غالباً سيتم السرد باستخدام ضمائر و أفعال المتكلم (أنا/ نحن- ــت/ ــنا) “First Person Narrator” لأنك بالنهاية ستقول ما عرفت أو رأيت بنفسك، ما حصل معك أو ما اشتركت بحدوثه، رؤيتك أنت للوقائع أو كيف يبدو ذلك الشخص من زاوية ارتباطك أو اتصالك أنت به، خبراتك و تجاربك، ملاحظاتك و أفكارك، مشاعرك و مواضيع شغفك، معارفك و ذكرياتك… و على القارئ أن يكون مُدركاً أن ما تحكيه هو جانبك “أنت” من القصة، فلا يُفترض به أن يُحاكمك و يُكَذِبك و يُخَطِّئك، و لا يشجعك و يُصَّدِقك و يؤمن بك، و إن فعل فهذا شأنه.

الثاني: تقديم معلومات أو شرح حول موضوع معين دون افتراض أن القارئ لديه فكرة مسبقة حوله، أو لا. أن تتشارك أمراً تعلمته أو بحثت فيه، أن تطرح ما لديك و تجعله قابلاً للنقاش (المباشر و غير المباشر)، متجنباً أن تُهمل أداء فرضك بعناية و تبحث جيداً و تعود للمراجع المعتمدة قبل التطرق للموضوع، حتى إن كانت كتابتك عنه مدفوعة أصلاً بتساؤلاتك المتصلة به، لا يمنع هذا أن تسعى للحصول على المتوفر عنه من حقائق تطرح من خلالها أسئلتك حتى لا تُصَّعِب الأمر على القارئ و تكون قد قدمت له أساساً يضيف عليه بتفاعله معك أو مع نفسه.

الثالث: تحريك الوعي نحو الاهتمام بقضية أو حالة عامة نوعاً ما، تكون أنت متخصصاً فيها أو متمكناً من الإطلاع على العمق الذي لا يتسنى لكل الناس بلوغه، تأتي لهم بحقائق موثقة لتُحدث التأثير المطلوب أو بالحد الأدنى تُوَصِل ما لديك مما شاهدته أو عرفته مع تدعيمه برأيك إن رغبت أو آراء غيرك من المهتمين، بغرض إقناع القارئ بضرورة اتخاذِ تحركٍ ما أو الامتناعِ عن فعلٍ ما بسبب ما قد ينتج من آثار مترتبة عليه بشكل أو بآخر فيما يتعلق بما أوردته من وقائع.

الرابع: وصف تجربة استثنائية لا يتمكن كل الناس من اختبارها بأنفسهم، قس عليها الناس في بيتك مثلاً، أو في مدينتك، في بلدك، في المنطقة التي تنتمي إليها، أو في كل العالم، شئ غير اعتيادي و لا سائد و لا مألوف (على نطاق ضيق أو أوسع)، تقوله بأسلوب ملئ بالعناصر التي تغطي الحواس الخمس و أكثر، تقدم من خلاله ما مررت به بدقة مُغرِقة بالتفاصيل، تحرص بها على ألا تدع مجالاً لأي تساؤل يتخلف لدى القارئ حول أي نقطة زمنية أو مكانية تخللت ما مررت به، و لذلك يتحتم عليك استخدام لغة غنية بالتصورات و التشبيهات و الاقتباسات، و كذلك توظيف شخصياتك من البشر و الحيوانات و الجمادات… لجعل القارئ يعيش ذاكرتك لبعض الوقت ثم يخرج منها و قد استوعب مخزونك فيها من ذلك الحدث.

One thought on “Narrative Nonfiction

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s