السلحفاة سَبَقَتْ الأرنب، و ما زال الأرنب مغروراً!

ليس هذا فقط، في المرة التالية التي عاد فيها للتباهي بسرعته، كان الأرنب متعلقاً على ظهر السلحفاة، لم يكلف نفسه حتى عناء المناوبة بين الجري و الاستلقاء، بل اختار ببساطة أن يصبح “متسلقاً” يصل معها حين تصل بعد عناءٍ تَضَاعَفَ بثقله!

هذه قصة “الأرنب و السلحفاة” الجزء الثاني، التتمة التي تخيلتها في رأسي. فالأرانب فصيلة وقحة بين الكائنات، ما زالت تحب التفاخر بسرعتها التي لا تعرف لضآلة حجمها و محدودية تنقلها، أن هناك من يفوقها بها بفارقٍ هي أعجز من أن تؤمن حتى بوجوده. فالأرانب ليست ذكية كذلك، و إن كانت على قناعةٍ أشبه باليقين من أنه في الفهم أيضاً لا يسبقها أحد.

يُثبت ذلك قصة حصلت مؤخراً، ليس مع السلحفاة، بل مع ابن عمها، الضفدع 🙂 حيث أن الأرنب لا يَنِي يتحدى العالم بسرعته، إذ في إفلاسه من كل شئ، يحسب أن لِميزته هذه قيمة لا تضاهيها قيمة أي ميزة عند أي كائن آخر، و بطبيعته، و مثل كل مرة، أخذ بالتبجح بسرعته و سرعته و سرعته… حتى شعر الضفدع بالقرف (هذا و هو النَقَّاق الذي يكاد يقود كل الأشياء إلى الجنون بنقيقه المتواصل “من صباح الله خير” دون توقف حتى لابتلاع ريقه، و هذا ما جعل الجميع يتأهبون لاستقبال شئ من رذاذه في وجوههم كلما أتى دور أحدهم بمواجهة نقة من نقاته التي لا تنتهي). قال: “أتحداك في سباق أخير”! وافق الأرنب و قال: “هيا بنا الآن”، و لكن الضفدع طلب تأجيل الأمر للغد.

مع جهورية نقيقه تلك، تمكن من استدعاء كل جماعته للالتقاء معاً بعد الغروب. قبل الغروب بساعة تنطط الأرنب لجحره متمهلاً فيما بين قفزة و أخرى للتبجح بثقته بالفوز في منافسة الغد. كم هو عاشقٌ ذلك الأرنب لأي استعراض ينطوي على المنافسة! بل إنه بارعٌ بتحويل أبسط الأفعال لقضية تنافسية مع هوسه بمراقبة كل ما قد ينجزه سواه ليظهر بالأخير و يستحوذ على شئ من المجد أو ينسب تفصيل ما من هنا أو هناك لنفسه، و هوايته بالتلصص على الأبواب المواربة لسماع ما يقوله الآخرون ثم يجتهد بتحضير رواياته الملفقة التي ينبغي أن تكون حتماً مثل التي تناهت لسمعه في جولته (التجسسية) “و لكن” أعجب أو أفضل أو أقوى منها بزيادة “نهاية” درامية تجعلها “لا” تشبهها!

خطة الضفدع كانت ذكية بتوظيفها لغباء الأرنب، الذي حين يكون منغمساً بفعل ٍ استعراضي، لا يعود ينتبه إلا لنفسه و ينصرف كل تركيزه على كل ما قد يغذي نزعته إلى الظهور حتى لو تطلب الأمر دفع هذا و مزاحمة أولئك و تسلق تلك. و لأن الضفدع علم جيداً أن أرنبنا المزعوم سيكون مَعْمِي البصيرة على عادته، توصل للفوز بالطريقة التي لن يتمكن ذلك الأرنب المغفل أبداً من إدراكها. كل ما سيتذكره أنه كان كلما تقدم ظناً منه أنه قد ترك الضفدع خلفه، و بعد كل التفاتة يحاول فيها رؤيته ليتلذذ بلحظة التشفي، يُبهت برؤيته أمامه! كيف؟ لن يعرف أبداً، لأنه لن يصدق أن ثمة من يمكنهم العمل جماعة ًمن أجل واحد، لن يفهم كيف يقبل البعض تأدية واجباتهم بلا تفاخر. كلا، لن يستوعب كيف يتعاون الناس دون إشهار الفضل فيما قدموه من جميل القول أو الفعل!

في الواقع، ما زال الأرنب حتى اليوم يثرثر حول قدرته العظيمة على الجري، لا يتعب، و لكن توقف الجميع عن الاستماع إليه منذ زمن، و أُغلقت الأبواب جيداً بوجهه. و لكن، كم سيصمد في منطقة التجاهل؟ و كيف يتحمل قضاء أيامه دون تنافس في أي شئ؟ هل يغادر قريباً ليعيد أداء الدور الذي لا يتقن سواه في مكان آخر لا يعرفه فيه أحد؟ هل يبقى و يقرر التغير ليغدو كائناً أفضل؟ كل شئ ممكن، إلا أنه لم يُثْبِت حتى الآن غير أنه رقعةً دبقة تلتصق برداء ناصع فتفسد صفائه، ربما لا تزول بمجرد إعطائها الوقت، ربما ينبغي إزالتها بالقوة، ذلك قد يفسد الرداء، و مع هذا سيكون ترميمه ممكناً. لا شئ مستحيل 🙂

4 thoughts on “السلحفاة سَبَقَتْ الأرنب، و ما زال الأرنب مغروراً!

  1. مساء الخير ، مدونة جميلة ومبدعة ، لكن عندي إستفسارات تقنية عن الموقع وأسفٌ على ذلك ، كيف لي أن أتابع مدونتك ومدونات غيرك ، حاولت إضافة الكثيرين لكن لم أستطع ؟؟؟

    إعجاب

    • أليست لديك مدونة على wordpress؟ إذن حين تتصفح مدونة ثانية على الوورد بريس بينما أنت مسجل دخول على لوحة تحكمك، سيظهر لك خيار في الأعلى في الطرف الأيمن من الشريط الأسود follow، و في حال عدم التسجيل لديك خيار المتابعة بإدخال بريدك الإلكتروني يظهر لك في القائمة الجانبية.

      مرحبا بك، و أشكرك..

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s