“ألمانيا” و أخي و جائزة “نوبل”


أكثر ما يستهويني من بين العلوم الاجتماعية هو “الاقتصاد” كونه محور كل شئ و عليه تُبنى كل المتغيرات (سياسية/ اجتماعية/ نفسية…)، و منذ أن تعلمت كيف أرى العالم بنظرة “الاقتصادي” بات فهمي للعلاقات بين الأشياء أكبر. أما “الفيزياء” النظرية فإنها أكثر ما يستهويني من العلوم الطبيعية كونها المدخل لتفسير كل ما يحصل من حولنا ارتباطاً بكل حقول المعرفة، و الأهم أنني أستمتع بانعكاسات رؤية “الفيزيائي” على كل ميادين الحياة، هكذا تَتَبُعْ الروابط بين العلوم المختلفة يُقدِّم فهماً أوسع لها.

الفيزياء مستقبل1
الفيزياء مستقبل2
الفيزياء مستقبل3

و لكن يبقى يشد انتباهي تعثري “بالألمان” في كل قراءاتي على تنوعها، شعراء و فلاسفة و اقتصاديين و علماء في كل تخصص موجود على وجه الأرض، حتى استيقظت اليوم و أنا أتساءل “What is in Germany”؟ ليخرج منها كل ذلك؟ و لماذا لا نعرف عنهم الكثير؟ خلال السنوات الماضية قرأت الكثير عن فلسفة الهند و ذكاء الصين و اجتهاد اليابان للتعرف على اقتصاداتهم و ثقافاتهم عن قرب، و لكن الأمر كان سهلاً لأن الكتب عنهم سواء المكتوبة بأقلامهم أو بأقلام غيرهم عنهم متوفرة بكثرة، و من الجلي أن لديهم الحرص على تقديم أنفسهم للعالم، و هذا ما يجعلني أتساءل هل “الألماني” يتعمد العمل بصمت إلى أن تتحدث عنه نتائج عمله؟ هل يخشون من تسرب أسرارهم فيتعلم العالم منهم؟!

“الألماني” الوحيد الذي تواصلت معه طوال حياتي كان الشخص من مجموعة التعلم التبادلي الذي اختارني للتدرب معه على التخاطب باللغة الإنجليزية، و لم يعلم بأنني (بنت) إلا حين تطوعت بإخباره بذلك بعد أكثر من سنتين تقريباً، لم يهتم أبداً بمعرفة جنس الكائن الذي يتحدث معه، ربما هذا واحد من عناصر تفوق “الألماني”، أي تركيزه على الهدف الذي يعمل عليه. أيضاً أثار إعجابي كيف أن تحديد الوقت الذي سيتمكن فيه من استخدام الجهاز للاتصال من أجل دروسنا معاً كان يتعين بعاملين اثنين، الأول هو أن يكون قد أنجز الأعمال المكلف بها في البيت و التي لها أوقات لا يمكن أن تخضع لمزاجه أو لأوقات فراغه من شئونه الخاصة، لا وقت للتسلية، أن تكون فرداً في أسرة يُلزمك بالالتزام بالقواعد التي يضعها مُعيلوك في المنزل. أما الثاني فهو ألا يكون قد استنفذ وقته اليومي على الجهاز بإنجاز واجبات تعليمية أخرى، نعم، في الوقت الذي يمتلك كل واحد منا هنا جهازه الخاص، يتشارك الطالب “الألماني” جهازاً واحداً مع إحدى عشر شقيقاً، و لكل منهم وقتٌ محدد، و لا يمكنه الحصول على المزيد إلا بموافقة أحدهم على التنازل له عن وقته مقابل استرداده في مرة لاحقة. حتى أنا تفاجأت بأنه ما يزال في هذا البلد “الأوروبي” عائلات ممتدة بهذا الحجم في حين بدأت صعوبات المعيشة تدفع العائلات لدينا لتقنين الإنجاب، و ربما يكون جيلنا هو الأخير الذي سيحكي لأحفاده عن إخوانه الإثني عشر و سيندهشون لذلك ربما و لن يتمكنوا من استيعاب إمكانية حصوله!

قرأت “كفاحي/ هتلر” في فترة مبكرة من حياتي، و لكن لا أظن أن تلك القراءة تعطي صورة عن “ألمانيا” الواقع، خاصة في العصر الحالي، لا أدري. حين بحثت اليوم عثرت على كتاب “الناس و الحياة في ألمانيا”/ أحمد قاسم جودة، و حصلت على نسخة من الدستور “الألماني”، و ورقات عن “التعليم في ألمانيا” و كذلك “إجراءات طلب اللجوء” 🙂 من يدري، ربما بعد أن أعرف المزيد عنها سأرغب في اللجوء إليها!

بين “الألمان” و جائزة “نوبل” علاقة وثيقة، يظهر ذلك في قائمة الفائزين بها منذ بدايتها و حتى اليوم، زائد الذين رفضوها أو الذين تم منعهم عن قبولها، و لكن ما علاقتهم بأخي أو ما علاقة أخي بجائزة “نوبل”؟! لا يوجد علاقة حقيقة و لكن لم يسعني إلا أن أُقنع نفسي بأنه كانت لتكون هناك علاقة وطيدة، و لكن كيف؟! 🙂 في الليلة الماضية كنت أقرأ عن قانون الفعل و رد الفعل “قانون نيوتن (الإنجليزي) الثالث”، و أتذكر حين حكى شقيقي الأكبر عن موقف حصل له مع استاذ العلوم لا أعلم في أي المراحل تحديداً و لكنها بالصفوف الأولية لأنه بدأ بالتقدم بعدها بصعوبة بسببٍ من ذلك و أشباهه من المواقف التي تدمر العقول التي تُبدي الفضول العلمي مُبكراً (عليك بحفظ ما جاء في الكتاب و لا تتفلسف، و فوق هذا يخفون عنا بأن “الفلسفة” أصلاً “علم”). و الذي صار هو أنه عندما شرح لهم المُعلم تلك النظرية اعترض أخي عليها بما يناقضها مما طرحه لاحقاً علماء آخرين و لا أدري من منهم الذي رأى خبراً عنه مرة و هو ينال جائزة ما على عمله البحثي التجريبي الذي تفرع به من تلك النظرية، فاعتراه إحباط شديد و شعر بالمرارة كيف أن العالم يحتفي بشئ حاول قوله مرة و لم يتم الاعتراف به، بل و نال بسببه توبيخاً مليئاً بالاحتقار حول كيف يجرؤ على مخالفة نظرية وضعها عالمٌ لا يمكنه أن يحلم بأن يصبح و لا مجرد شئ يشبهه. و عني لا أفهم كيف تجاهل ذلك المُربي الفاضل حقيقة أن “نيوتن” و غيره من “العلماء” هم بشرٌ بالمقام الأول، مخلوقين من المادة نفسها التي خُلقنا بها، و بأن كل ما توصلوا إليه هو نتاج اجتهادٍ جِدِي بطرح الأسئلة قبل العثور على الأجوبة، بل إن كل تلك “النظريات” ليست سوى محاولات في طريق اكتشاف تلك الإجابات، و بأن كل باحث يأتي ليُكمل على ما بنى الذين سبقوه، تأييداً أو مخالفةً، هكذا يبدأ البحث عادة، نقطة انطلاق تبدأ مما انتهى إليه الآخرون! ثم يسألوننا باستنكار لماذا لا يخرج منا “العلماء”؟!

كل الأطفال يولدون عباقرة

التفكير العلمي vs إصدار الأحكام

*من كتاب: أهم خمس أفكار في العلوم / مشروع محمد بن راشد آل مكتوم “ترجم”
________________________________________

“إن الموقف الرسمي الذي ينتهجه العلم هو تعليق إصدار الحكم على الأمور و
المضي في تشييد الأفكار العلمية. و هذا الإجراء الذي يعرف ب:
Operationalism أي تحديد (المفاهيم) الغامضة لإمكان قياسها على شكل
(متغيرات) تتكون من عدد من الملاحظات (المحددة)، يسمح بتقدم العلم رغم أن
المسائل المتعلقة بالأسس (المنطقية) له لم تحسم بعد.”

١- التفكير الذي يفكر به العالِم أمر لا يتطلب منطقاً غاية في الدقة أو التعقيد أو خارقاً للعادة.

٢- خطوات التفكير العلمي تبدأ بالملاحظة (إدراك أحداث أو حقائق مادية محددة)، ثم وضع فرضية (تكوين فكرة حول الطبيعة العامة للظاهرة تحت الملاحظة)، يليها التنبؤ (بوقوع حدث مستقبلي تنطبق عليه الفرضية)، و أخيراً إجراء تجربة (اختبار لمعرفة ما إذا كانت النتائج المتوقعة ستحدث أم لا). فإذا تطابقت النتائج مع التنبؤ فهذا يؤكد الافتراض، أما إذا لم تتطابق فيتم إعادة الخطوات على فرضية (معدلة).

٣- التجربة تسفر عن نتائج، و هو ما يختلف عن (التنبؤ) حيث يتم مراجعة و تعديل الفرضية لتوضيح نتائج التجربة.

٤- بتعديل الفرضية يمكن وضع تنبؤات جديدة و إجراء تجارب جديدة لفحص التنبؤات.

٥- بعد إجراء عدة اختبارات ناجحة للفرضية، نطلق عليها اسم (نظرية) حيث تقوم النظريات دائماً بشرح قانون ما، و هو توضيح لبعض صور استدامة حدوث الأشياء في ظل نفس الظروف. و يمكن أن تفترض النظريات السبب أو الأسباب الكامنة خلف استدامة القانون.

٦- إن الفرضية مؤقتة بطبيعتها. و تبدو الفرضية مقبولة في وقتها إلا أنها لا بد أن تخضع للاختبار عن طريق وضع تنبؤ يتعلق بحدث مستقبلي.

٧- التنبؤ هو نوع من الرهان بأن الحدث المستقبلي سيتطابق مع الفرضية. و إذا فاز الرهان فإن الجائزة تكون زيادة مصداقية الفرضية، و هناك جائزة أيضاً حتى بخسارة الرهان و هي عبارة عن التمعن في الطريقة التي يسير بها
الكون.

٨- عندما تتنبأ و تختبر صحة تنبؤك فهذا يعني المجازفة أن الفرضية يمكن أن يثبت خطؤها، و مع ذلك فإن لم تقم بوضع التنبؤات و اختبارها فأنت تجازف بأن تؤمن بأفكار خاطئة.

٩- التنبؤات التي تظهر صحتها لا تثبت صحة الفرضية! هذه التنبؤات فقط تقدم تأييداً إضافياً للاعتقاد بصحة الفرضية.

١٠- يرى البعض أن العلم لا يبدأ بالملاحظات أو الحقائق، و لكنه يبدأ بالمشاكل.

١١- يمكن أن تأخذ الفرضية شكل النموذج (التصوير أو التمثيل لحقيقة ما) إذ يُخترع النموذج لتفسير ظاهرة ما. تبتكر النماذج للأشياء التي لا يمكن ملاحظة محتوياتها.

١٢- الفرضية المقبولة لا بد أن تكون أبسط فرضية تفسر أي ظاهرة محل الدراسة.

5 thoughts on ““ألمانيا” و أخي و جائزة “نوبل”

  1. الثورة على الواقع من أهم مكامن الإبداع ، وأخيك ثار على الواقع ولو أن الظروف لم تسمح له . ولكن يكفيه شرف النقد والتحليل . مقالك جميل وخصوصاً انني مُذ فترة انا ابحث عن الألمان .

    إعجاب

    • حتى حين نقرأ سِيَر كل أولئك الأعلام، نجد أن القاسم المشترك بينهم هو أن “الظروف” لم تسمح لهم، و لكنهم أيضاً لم يسمحوا للظروف ألا تسمح لهم. إيمانك بنفسك لا يجعلك تنتظر أن يؤمن بك الآخرون، و لكن نحن يتم تدريبنا منذ الصغر على دفن أحلامنا و جعلها غير مرئية حتى لنا.

      لو عثرت لاحقاً على أية مراجع جيدة فسوف أتشاركها معك.

      إعجاب

      • كلامك جميل جداً ، فعلاً الإيمان قوة حتى وان لم يطوع المحيط المادي والمعنوي لصالحة ولكنه سيبقى كالحصن المنيع صامداً رغم الظروف ..

        شرفٌ كبير أن أشاركك القراءة والنقاشات الثقافية ، وسأكون بأنتظارك . بإذن الله

        إعجاب

  2. حديثك مناسبٌ جدًّا لما يحدث في رأسي مؤخرًا…يا أختي المدارس والفصول الدراسية تعجّ بتكميم الأفواه وقمع كل فكرة خارقة للعادة، وكما قلتِ .. الأساتذة يشعرون الدارسين بأن هذه النظريات أشبه ما تكون بنظرياتٍ مقدّسة..وأن العلماء أبعد ما يكونون عن عالمنا..بالرغم من أنها حقيقة (أقصد وجود العلماء) لكن هذا كله لم ينتج إلا من الأساليب الهادمة للذات العلمية ..
    بالرغم من ذلك فقد بدا لي أن الأمل قادم من كل اتجاه وتغيّرت أفكار كثير من القادات نحو التغيير، أعني بكلمة القادات الأشخاص الذين قد يكون لهم أثر كبير في فسح الممر العلمي للآخرين ..
    لا أعرف متى نصل إلى المرحلة التي يصبح الإيمان بالعلم والعلماء في مجتماعتنا شيئا مؤكدا وبابا مفتوحًا للجميع أيًّا يكن..

    هذه بعض القرقعة التي أحدثت في رأسي..آمل أنها تروق لك…

    وهذا اقتباس راق لي جدًّا:
    (يحتاج الإبداع إلى الشَّجاعة الكافية للتخلّي عن المسلّمات ) *إريك فروم.

    فقد صدق .. كل هؤلاء العلماء قيل لهم أنهم مجانين..وبعضهم لم يكملوا دراستهم بسبب الاحتقار / ولكنهم كلهم اتفقوا على فكرة أنهم قد تخلوا عن المسلّمات التي يقيّدها المجتمع،،،

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s