عندي شباك مفتوحٌ على العالم مثل كتاب

في نافذتي النهارية تُعَشِش اليمامات، ليست قبيحات، و لكنني لم أتمكن من حبها، أحاول و لكنها لا تتجاوب معي، تأكل من الطعام الذي أنثره لها و تشرب من الماء الذي أضعه، و لكنها لا تسمح لي بالإقتراب منها، تفر من يدي الممدودة، تصطف في طابور متعرج فوق الزوائد الحجرية بحائط المبنى المجاور و تأخذ في التحديق بي حتى أضجر و أبتعد إلى الداخل. أوبخها بينما تهرب: “هل هذا الأكل ينزل لكم من السماء؟! إنه مفتت بيدي التي أمدها مسافة إلى الخارج لرشه على السطح الخارجي الممتد أمام شباكي، فكيف لا أنال ثقتكم؟ هل سأطعمكم لأؤذيكم؟!”… و لكن، مهلاً، أليس هذا ما يفعله الإنسان في الواقع، حتى لأخيه الإنسان؟! “حسناً، معكم حق بأن تخشوني”…

في يومٍ جعلتني أقترب بشكل غير معتاد، كانت تتحرك بالقرب من ذراعي: “أرأيتم كيف هي سهولة الأمر؟ الآن أحبكم! هكذا تجري الأمور، نقترب فقط، ثم نحب بعضنا البعض، لا أطلب منكم أكثر من ذلك. لا تخافوا، حتى نحن البشر نفعلها بهذا الشكل”… و طارت اليمامات مبتعدة، ثم لم أعد أرها منذ ذلك اليوم. واصَلْتُ وضع وجباتها حتى تأكدت من أنها لا تأتي حتى أثناء غيابي.

واحدة منهم ما زلت أراها كل يوم على الجزء النافر من أنبوب تصريف في سطح المبنى المجاور. أحاول إقناعها: “يا بنت الطير، ليس سوى أنت و أنا الآن (خلينا نتفاهم)، أنت وحيدة و أنا وحدي، تعالي نتشارك الخبز معاً”، لا يبدو عليها أي اهتمام. قلت ربما أكسب ودها بالدعابة: “يا بنت الطير هالماسورة ما بتطير” و بلحظة أتفاجأ بعنصر آخر لا يشبهها يحط قريباً منها، و الظاهر عينه على أنبوب الاسترخاء (تهديد لسيادتها)… فهمت الآن، لا يمكنك التحرك من مكانك و إلا ذهبت ملكيتك! صحيح، يا لسخافتي كيف لم أنتبه لذلك؟ فحتى في عالمنا “الإنساني” يحصل مثل ذلك!

أراه ينتظر لفترة و حين لا تتزحزح من مكانها يغادر. أقول: “تدري؟ سأبقى أضع بقايا تفاحاتي الصباحية اليومية و لكن لا تطالبيني بأكثر من ذلك، بل و سأطلب منك أن تحفظي المسافة بيني و بينك. و، عفواً، زجاج نافذتي ليس مكاناً لإخراج فضلاتك الحيوية… نعم؟ أدري حتى نحن الناس نفعل ذلك ببعضنا و لكن هذا ليس شأنك” 😦

“أصلاً، تلك الحمامة البيضاء الجميلة التي وقفت على الحافة منذ خمسة أيام، و التي ارْتَعَبَتْ من شهقة الابتهاج التي خرجت مني فرحاً برؤيتها ثم طارت، ستعود مرة ثانية، لأنها تمكنت من جعلي أحبها دون حتى أن تقترب. أحياناً تجري الأمور هكذا، حتى معنا نحن البشر، نحب بعضنا البعض من على بعد” 🙂

————————————————————————–

كتبت عن النوافذ من قبل، أفكر بها كثيراً مثل عالمٍ مفتوحٍ على العالم، إن كانت ثابتة تطل على شارعٍ أو حديقةٍ أو بحر، أو متحركة تطل من سيارة أو قطار أو طائرة:

————————————————————————–

من نافذتي النهارية، تنال مراقبة الطريق الذي لا تهدأ حركته من السيارات و المشاة نصيباً من وقتي، و كأنني أتوقف لمراقبة أيامي: أتأمل كيف معظم السيارات ألوانها بالأبيض و الأسود و الرمادي/ الفضي، و أقل منها درجات معينة من الأزرق و الأخضر الغامق، ثم الأحمر، و بعدها بقية الألوان نادرة. و أفكر هل حقاً كل هؤلاء يفضلون الأبيض و الأسود فقط؟ هل هي ألوانهم المفضلة بالفعل أم هي محاولة فقط للاندماج مع الأكثرية؟

تظهر ألوان مختلفة من وقت لآخر، تجعلني أبتسم تلقائياً و كأنني عثرت على أحجار كريمة كنت أبحث عنها بين حجارة عادية. أحاول تخيل الراكب في السيارة البرتقالية، هل هو رجل مميز لهذا الحد، و هل يشبه لونه؟ أم انه قد اختاره فقط لأنه مختلف؟ الأصفر؟ هل من يركبها متهور لدرجة الحمق، صاخب لا يمكنه التحدث بنبرة منخفضة و لا يفعل أي شئ بشكل صحيح؟ الأخضر؟ هل هو لطيف لهذه الدرجة، صادق و مباشر، أم أنه مجرد دماغ ممتلئ بلون شعار فريقه الرياضي المفضل؟!

————————————————————————–

المشاوير الطويلة لا تضجرني، بل على العكس، تستهويني الحركة، الأوقات التي أقضيها بداخل وسائل المواصلات ليست ساعات فارغة، فهي فسحة وقت ملائمة جداً للقراءة، و حصل عدة مرات أن أكون منغمسة في صفحات الكتاب بين يدي إلى الحد الذي أحتاج فيه لمن ينبهني لتوقفي في وجهة الوصول، غريب كيف أنني حتى لا اشعر بأن السيارة لم تعد تتحرك!

شئ واحد قد يغنيني عن حمل كتاب، و هو “قراءة” لوحات المحلات، الشركات، المستودعات… و كل ما يظهر بطريقي منها، حتى لو عبرت الطريق نفسه لعدة أيام (لسنوات) سأبقى ألتقطها و هي تتابع مسرعة أمام عيني. دائماً أتمنى لو أمكنني التوقف عند بعضها لالتقاط صورة لها لطرافة المسميات فيها أو لغرابة تصاميمها، لو أمكنني ذلك لكان لدي الآن ألبوم ضخم أجمع فيه صور لوحاتي المفضلة. بعض الأسماء أحاول تخيل كيف تم التوصل إليها، و كيف هو تفكير صاحب المشروع هذا حتى تكون هذه علامته التجارية؟ أحياناً يصدمني حتى كيف تمت الموافقة على تسجيل بعضها و كأن لا معيار (لن أقول للذوق) بل لدرجة محددة من الاحترافية لدى الجهات الرسمية المسئولة عن تسجيل تلك الأسماء الفجة! بعض اللوحات تجعلك تتساءل عن كل التاريخ الذي مرت به و أنت ترى كيف تمت تغطية اسم قديم بشريحة اسم جديد مع الإبقاء على بقية اللوحة الكالح، ثم خط شريط يغطي اسم المالك القديم (الذي ما زال بالإمكان قراءته) باسم المالك الجديد.

ألاحظ على اللوحات الكبيرة التي تُعَرِف بالجهات المالكة و المنفذة لمشروع ما، بأن ثمة مربع مظلم مشار إليه ب”الوقت المتبقي لإنهاء المشروع.” و لم أره مرة يعمل. ماذا يعني ذلك؟ هل مات المشروع؟ أم أنه لا وقت محدد لدينا لإنجاز المشاريع و متى ما تم فلله الحمد على كل حال؟!

بعدها بدرجة اقل أحب مراقبة سيارات الشحن على اختلاف أحجامها و قراءة ما هو مكتوب عليها، أحياناً ألتقط أرقام مطاعم أقرر تجربتها من على سيارات التوصيل، و أحصل أحياناً على أرقام شركات اعتبرها مشاريع شركاء أو زبائن محتملين، غالباً لا يتاح لي سوى التقاط الأسماء ثم العودة للبحث عن بيانات الاتصال.

الإعلانات قصة أخرى، لأنها تأتي بجودة أعلى دائماً، و لها قصص و تصاميمها مدفوعة الأثمان تتفاوت بحسب حجم المنشأة. هذه يتاح لي على الأقل تسجيل العبارات المكتوبة عليها لتأملها، بعض الشركات تنال إعجابي بواسطة إعلاناتها.

8 thoughts on “عندي شباك مفتوحٌ على العالم مثل كتاب

    • كلا أنت لست جاهلة 🙂 اليمام هو نوع من حمام بري، حجمه أصغر و سيقانه أقصر و أشكاله ليست بمثل جمال الحمام الداجن، و يقال بأن كل محاولة لتدجينه لا تنجح @!@

      إعجاب

    • نعم، ربما تصرفات الطير و الحيوان لم تفقد عفويتها إلى حد ما، و لكن تحركاتها صارت حذرة و محكومة بخوفها منا كبشر بناءً على ما تراكم لديها من خبرات سيئة معنا، يؤذيها البعض فلا تعود تثق بالإقتراب من أحد.

      إعجاب

    • مؤمنة جداً بأن اختيارات الإنسان، أعني تفاصيله الصغيرة، حين يختار أشيائه بحرية و لا يفرضها عليه أحد، تعكس جوانب عميقة من شخصيته، تفكيره و وجدانه.

      وجودك لتقرأها يجعلها أجمل 🙂

      إعجاب

  1. هذه الگـتابات كم هي جميلة تشعرني و گـأنني اتكلم عن نفسي فأنا اعتبر النافذة عالماً اخر جميـل حتى مع فضلات اليمامات الحيوية التي ملأت بها نافذتي
    فأنا دائماً اراها تقف مصفوفة بجانب بعضها تنظر الى الحياة في الخارج لذا اظن بأنها رفيقتي المقربة
    واحياناً كما قلتي اتسـائـل لا بل يقتـلني الفضول لمعرفة لما يخبئة الناس في الخارج وكيف هي حياتهم هل هم سعداء ام تلفهم الگـآبة
    وكل ما ذكرتيه في السفر كل شي اظنه يشبهني واحياناً لا اتمنى لو يطيل السفر لانني بطبيعتي احب التصوير واحب النظر في كل شي وازينه في مخيلتي المحلات القديمة البيوت القديمة المهجورة اللتي ملئتها انواع عديدة من الرسومات القبيحه و الاشجار المتناثرة وكيفية تحملها في الصحراء والجبال وما ادراك ما الجبال هذا عشق فأنا انبهر جدا بخلق الخالق للجبال من نهايتها الى بدايتها من الجبال الصخرية الى الجبال الرملية حقاً ايقنت بعدها انني احب الصحراء بجميع الوانها من اللون الذهبي او الاصفر مرورا بقليل من الاحمر الى اللون البني الداكن …
    وكما ايضاً تجذبني الشاحنات الكبيرة وغيرها من الشاحنات ولكن كما قلت سابقاً يقتلني الفضول لمعرفه هؤلاء الناس حقا كيف هو يومهم وهل شاق عليهم السفر هل هم فرحين ام كئيبين صحيح انني فضولية لكنني اعتبر نوعاً ما فضول ( لقافة ) لكن اظن انه شعور جميل في التطلع في وجوه الناس وكيفية معيشتهم كم احب التطلع في الوجوه الكئيبة وفضولي الشديد لما هي هكذا وصولاً الى الوجوه السعيدة لكنني حقا سعيدة بهذه الأشياء …
    لكن حقا هل انتي تشبهينني في هذه الاشياء اجد كثيرا من كتاباتك حقاً وكأنك تتكلمين عني …
    mooraa

    إعجاب

    • و أنت جميلة، و أنا أعرفك و يمكنني أن أؤكد أنك من نوع الناس الذين يرون التفاصيل الجميلة في أعمق أعماق البشاعة المحيطة بها، و لديهم تلك القدرة العجيبة على تفتيت المشهد الكبير لعناصر و جزيئات و وحدات أصغر و تحليل كل ما يتعلق بها بدقة و استغراق في عوالم موازية فيها كائنات خيالية وظيفتها أن تظهر انعكاسات ناس هذا العالم مضخمة لتصير أوضح و أقرب لفهمها و استيعابها، و أمنيتك أن يجعل كل أحد من نفسه جديراً بمحبتك لأنك لا تحبين حين يستحق منك أحدهم أن تبغضي ما هو عليه.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s