احتفل بالحياة طالما أنك تمشي على قدمين

قلتها منذ عام و ما زلت أكررها، لأنه لا يبدو أن ثمة من يود قبول فعلٍ بسيط كالمشي كَمُسَوِغٍ للإحتفاء بالحياة!

لا يشعر الإنسان بالقيمة الحقيقية لحياته، و لا يعي واقع أنه يرفل في دنيا من الخيرات، إلا (على الأغلب) في حالتين: أن يكون قد لامس الموت في وقت ما من حياته، و كانت مغادرته وشيكة، إلا أنه عاد قبل ذهابه بمعجزة. أو أن يكون قد قُدِرَ له أن يعيش ناقصاً، إن اعتراه عجزٌ من أي نوع، و لو بسيط، فيستبدل النقص فيه بأن يعيش بكثافة بما هو متاح لديه، مثل الذي يغرق فينازع الهواء بشهقاته ليلتقط أكبر قدر منه.

______________________________________________

“لماذا يخلق الإنسان لنفسه حاجات لا يمكنه تلبيتها؟ أو أنه ليلبيها يقايض مقابلها من عمره؟ و هي غير ضرورية و ليست جزءاً من جوهر الحياة، و لكنه فقط يريدها! و على الرغم من أن الناس يحبون الوفرة من حولهم في كل شئ، إلا أن تلك الوفرة قد تقود إلى حالة من الارتباك بدلاً من الشعور بالرضا.”

و إذا كانت بعض الظروف تجعل المرء ينجح بتغيير أولوياته، فإن ذلك يعني أن القدرة موجودة لديه من الأساس.

______________________________________________

في وسط كل تلك المتغيرات التي يمر بها العالم، أراقب كيف ضاقت نفوس الناس من حولي عن الحياة، ما عاد أحد يشعر بالرضا، و أراهم يتدافعون في نوبة استهلاكية يبدو الجميع فيها مخدراً و يطلب المزيد، و كلما جاء المزيد تضاعف معه القلق من فقدانه.

و أنا ما زلت أعيش على أطراف أصابعي، أفترش الزوايا المظلمة، أحبس أنفاسي و أمنع شهقات الدهشة من أن تنفلت مني فتلفت انتباه البشر لوجودي على هامشهم. فقط أفكر و أحادث نفسي و لا أكلمهم، لأنهم لا يصدقونني عندما أخبرهم بأنهم يبحثون في الاتجاه الخاطئ عن سعادتهم، و لا يقتنعون أني أعرف شيئاً لا يعرفونه، و يستهجنون سعادتي مثل مرض ينبغي لي طلب العلاج منه.

______________________________________________

أنا سعيدة، ليس لأني خالية من الأحزان، بل لأني أتجاهل وجودها. عمري طوى صفحة العشرين و قد رأيت و سمعت و عرفت ما جعل وجداني يعيش الستين، بينما روحي انتكست لتعلق عند فرح العاشرة، أما جسدي فمعطوب قفزاً للتسعين، و عقلي أظنه الناجي الوحيد، لا بأس به! أنا أعشق الحياة، أستطعم تفاصيل الدنيا و تبهجني أمورها البسيطة، أيامي تأملٌ لم يفقد دهشة الطفل بعد و لا شغفه باللعب، و تفلسف يشبه حكمة العجائز و كثافة تجاربهم. قفزت مراحلي الأولى ثم حين صرت امرأة أخذت في الارتداد نحو مراحل الطفولة و الصبيانية التي فأتتني، أو حُرمت بالأحرى منها، إلا أن ما تبقى من حيوية جسمي قَيَّدَ انطلاقتي، و خيراً فعل، و إلا ما كان هناك ما يوقفني عندما أستلم الأرجوحة لو لم تفعل أوجاع حوضي، و لا ما يمنعني من ركل الكرة و الجري وراءها لولا جهل أطرافي بالركض و القفز، و لا ما يردني عن التنافس مع الصغار في لعبة الهرب و الاصطياد لولا أقدامي التي ترفض التعجل بالإرتفاع إلا لتوقع هيكلي بأكمله ليرتطم بقسوة الأرض، و قسوة إشفاق الناس.

أنا سعيدة، لأني اختلست من حيوات الناس الذين قابلتهم في الكتب و كونت لنفسي حياة، و أنقذتني أحلامي عندما صودر مني عمري و كمنت في قبري أنتظر البعث، ثم انتفضت فجأة على الموت و خرجت من مقبرتي القديمة و ما عدت أنظر للخلف. عندما اكتشفت بأني المجدف الوحيد في مركب ممتلئ عن آخره بالخاملين المتقاعسين الكسالى، قفزت إلى الماء و اخترت أن أواصل دربي سباحة، لوحدي. و تركت المركب بمن فيه لضياعه أو غرقه.

أنا سعيدة، ملأت كل مكان فرغ من إنسانه عندي بعمل نبيل أقدمه لغريب بينما القريب لا يدريه.
بأقصى جهدي إلا قليلاً، أعمل و أتعلم، أقرأ و أكتب، لأني بلا أحد، و ليس لأحد منا سوى نفسه، و لولا ملأت ذاتي و أوقاتي بكل ما فيها، لقتلتني الغربة و لتحولت إلى واحد من القطيع، لكني اخترت أن أعيش بعمق.

______________________________________________

الحياة لم تكن تمازحني عندما غمرتني بالوفرة من كل شئ، و أنا بقيت أتجاهلها و أكمن في زاوية مظلمة أفتش عن المخرج من هذه الدنيا، ثم عندما قررت النهوض لاستئناف حياتي المؤجلة سلبتني كل شئ و كأنها تقول لي “هذه بتلك”.

الآن لا يمكنني الركض و لا التسلق، و لا الركض و لا الرقص، كل ما بقي لدي قدرة على المشي بسرعة الزحف، مع حذر من السقوط دون مقدمات، أو الانزلاق هكذا دون أسباب، رعب من الارتطام يحطم هيكلي المعطوب و خوف حتى من الهواء يفقدني التوازن، و عادت الوفرة من حولي في كل شئ، إلا في نفسي، و كأن الحياة تعيد قولها لي “هذه بتلك”!

______________________________________________

تعلمت ألا أجعل نفسي أعاني بالمجان، أستخرج أي نتيجة إيجابية من أي مأساة أتعرض لها، و لا أتركها تنتهي و حسب مثل أية مسرحية تُختتم بإسدال الستار. أعرف جيداً كيف أرى الجمال بين أكوام من البشاعة.
غير الدروس التي نتعلمها من أخطائنا، نكتشف كيف أننا فيما مضى بالغنا بتقدير أشياء زائفة على حساب الأشياء الحقيقية، و نحن من شوهنا بساطة الأشياء ثم قلنا لا نفهمها!

و أنا سألت الله دوماً أن يجعل حياتي تسير بما يتجاوز التوقعات، ليس مهماً أن تكون أسهل، بل تمنيتها تكون أصعب، لكي تقدم لي الأسباب لمواصلة النضال حتى لا تموت روحي و لو ضمرت كل خلايا جسدي.

الكتابة فعل تفكير

مثلما “الحكة” فعلُ تنظيف، أعذروني لم أقاوم إغراء كتابتها بهذا الشكل رغم أنني لم أرى الرابط بينهما، و لكن أعجبني وقع العبارة، قلت لي سأحتفظ بها لمناسبة أخرى فلم أُطاوعني. هكذا دائماً، تبدأ الفكرة لدي بعبارة تتردد برأسي، أكتبها و أدعها تستريح دون قلق من أن تضيع (في الواقع تضيع مني قصاصات كثيرة أكون قد سجلت عليها أفكاراً أولية ثم لم أعثر عليها أبداً)، لو كانت خواطر قصيرة يمكن تقديمها بعبارة واحدة أو بضعة عبارات، أنشرها على صفحتي في “Facebook” (أنشأت حسابي عليه منذ 2007 و لا يستهويني تغييره لأي بديل أحدث)، أما لو شعرت بأنها فكرة أود العمل عليها لاحقاً بمقال فإنني أصنفها تحت بند “بذرة تحتاج للنمو و التحسين” وفقاً للغة “ويكيبيديا”، خلال ذلك سأكون أسجل بعض العناوين، عدد من الكلمات المفتاحية، سؤالين أو ثلاثة من أجل البحث، إلى أن يأتي اليوم الذي أجدني فيه مصممة على “الجلوس” لإتمام تلك الفكرة حين تكون قد كبرت حتى لم يبقَ لها متسعٌ في ذهني.

“الأفكار العاصفة، و الأفكار المشطوبة” هذا ما أسميت به طريقتي بالكتابة، لا أدري حقيقة ما إذا كانت شائعة إلى حد ما أو أنها نوعٌ من الهوس الشخصي لم يتم اكتشافه لدى أحد غيري بعد. و هي طريقتي من بداية مراحلي التعليمية و ما زلت أستخدمها ليس فقط في أنواع الكتابة الإبداعية، بل حتى في المتطلبات العملية و الأوراق الأكاديمية. لأشرحها ببساطة، أقوم بكتابة أي فكرة تجول برأسي و لها صلة بالموضوع الذي أكون قد اخترته، أو تم طلبه مني، أي معلومة و أي سؤال، خطوط و خربشات تلخيصية و نجوم و أسهم و أوامر بالحبر الأحمر تخبرني بم يجب علي فعله، الشكل النهائي يجعل من المستحيل على أي شخص أن يتمكن من فهم كل الذي امتلأت به الورقة و لو قرأه مئة مرة، لأنني أضع الهيكل فقط مدركة بأن البناء مكتملاً سيظهر لي بينما أقوم بتعبئة الفراغات لاحقاً، حتى أنا لا أملك تصوراً مسبقاً حول كيف سيظهر الشكل النهائي. في الوقت الذي سأقرر فيه الجلوس لخلق أي معنى من هذه الفوضى، سأحتاج لمخططي الأولي هذا مع قلم، و سأبدأ العمل على القطعة المطلوبة بربط كل الذي سجلته سابقاً في كتلة متماسكة، و كل جزء أكون استخدمته سأشطبه بتمرير القلم فوقه لمرات كافية لمحوه عن إمكانية قراءته، لا أريد أن أراه مرة ثانية فلا أتشوش بإعادة التفكير به، و عندما أنتهي مما خططت لإخراجه، يتبقى معي أحياناً بعض القطع الزائدة فأتخلص منها، فالصورة تكون اكتملت و لم يتبق لها أي مكان، و بعدها لن نرى على تلك الأوراق إلا أسطر معبئة بالجمل و لكنها مغطاة بالخطوط، هكذا تكون انتهت حياتها، استخدمت الكراسات لسنوات و لكني استبدلتها لاحقاً، ليسهل علي التخلص من الأوراق التي انتهيت منها، بِرُزِمِ الورق المسطر أو بالنوع الذي يُطلق عليه “ورق حجازي” و هو المفضل عندي بتسطيره الشبكي حيث يسمح لي بالكتابة على جوانبه الأربعة، بطوله و بعرضه، و أينما قلبته.

هناك أيضاً طريقة كتابة الأسئلة و الإجابة عليها، ثم تكوين النص الذي تنتظم فيه تلك الإجابات بشكل مترابط. هذه طريقة جيدة عندما أعمل مع شريك أو فريق، اقتبستها من الطريقة التي تم تعليمنا بواسطتها في المدرسة كيف ننشئ القطع باللغة الإنجليزية، و لاحقاً أيضاً كجزء من تنفيذ التحقيقات و التغطيات الصحفية أثناء نشاطي الإعلامي. و يمكن للشخص اللجوء لها حين يشعر بميل شديد للكتابة في فكرة معينة دون أن يعرف ما الذي ينبغي أن يتحدث فيه بالتحديد ليسير نحو التعبير عنها كما يجب، أو حين يضطر لتقديم الموضوع كمتطلب تعليمي أو مهني. أفكر هنا بذهنية القارئ، أضع العنوان بخطٍ كبير في رأس الصفحة، أحاول ألا أتذكر كل شئ أعرفه عنه، أستعيد فضولي نحو ما سأرغب عادة بمعرفته، و ستأتي كل الأسئلة (التي أجهل إجاباتها و التي أعرفها)، أسجلها على الورقة، و من ثم أقوم بأداء فرضي بالبحث لاستيفاء كل الأجوبة، و أثناء كتابتها سيتحتم علي أن أشرح المقصود منها، بالتعريفات و الأمثلة إن لزم الأمر، ثمة وضعٌ و رأي، ثمة مشكلة و حل، و كل منا لديه تحليلات و تساؤلات، مقارنات و تقييمات، تحصل على الحقائق ثم تطرح رأيك حيالها، و تجعل النقاش متاحاً بإعلانك انفتاح ذهنك على التلقي لا نزعتك نحو التلقين الوعظي.

و ما زلت أتمرن لأنني لم ابلغ المستوى المطلوب من الإتقان بعد، ستجدون هنا مثلاً بعض مقالاتي مغلقة بشكل سئ، و هذا لأنني كثيراً ما أعجز عن صياغة “قَفلَة” ملائمة و أستعجل عن صرف المزيد من الوقت حين أتذكر كيف سأنسحق لاحقاً تحت ضغط الأعمال الأخرى المؤجلة. نعم تعلمت المبادئ الأساسية، و اجتزت التدريبات اللازمة، و لكنني ما زلت لا أجيد الكتابة دون مجهود، حتى في مجالاتي المفضلة (الشؤون الإنسانية، الأدب و النفس، العلوم النظرية و الاجتماعية…)، و مجرد امتلاكي للأدوات لا يعني مهارتي العالية باستخدامها، إذ ما زلت أعتمد على حسي بالانضباط الذاتي و استعدادي للعمل الشاق، و أتصور كم سيريحني لو تمكنت من حيازة القدرة على الكتابة دون طقوس، في أي وقت و في أي مكان و بأي طريقة، بلا حاجة للتخطيط و التصنيف، ثم الفرز و الحصر، و المراجعة و التنقيح، أريد أن أكون على تلك الدرجة من البراعة، مثل بعض المحظوظين الذين يمتلكون موهبة طبيعية للكتابة بلا حاجة لحشد تركيزهم أو تكريس حضورهم بالكامل في عملية ينتهي معظمنا منها و وهو مُستَنزَف القوى مثل عدَّاءِ “ماراثون” لا يبلغ خط النهاية أبداً، و ليس توقفه في كل مرة إلا لِيُعاود الركض تالياً في المسارِ الذي لا ينتهي به فائزاً و لا مهزوماً.

وقتٌ و طاقة، هذا ما يتطلبه منك الأمر لتستثمره نمواً في أدواتك التعبيرية. و أنت الآن قادرٌ على الانطلاق بسلاسة في مضاميرِ الكتابة بأنواعها الإبداعية و العملية، و مع هذا، و حتى لو لم تعترف، لا تكون العملية سهلة أبداً. إنسَ “الراحة” حين تحمل عقلاً لا يتوقف تَشَّكل النصوص بداخله لحد أنك تضبط نفسك من وقت لآخر متلبساً بالتفكير بلغة “فصيحة”، تدور الخواطر في رأسك على شكل جملٍ حين لا تَسْتَجْوِد تركيبها تقوم بشطبها (ما زالت في رأسك) ثم تعيد صياغتها حتى تروق لك. كلا، حتى عندما تبلغ تلك المرحلة التي تحتال وسوساتك فيها نصاً، لا تحسب بأنها ستكون حاضرة للخروج كما هي على الورق، و لا بتعديلٍ بسيط كذلك، ليس كأن صوتك الداخلي سيملي عليك ما يأمرك بكتابته، تحدثك فيما تعرف ليس كافياً و إلا فإنك ستهدر فرصة للتعلم، و هذا مما يستحق ذلك الوقت و تلك الطاقة و كل ما ستضعه في بحثك و قراءتك و فهمك و دراستك لأي موضوعٍ تُقَرِرُ التطرق له. هنا تغدو الكتابة فعل تعليم.