الكتابة فعل تفكير

مثلما “الحكة” فعلُ تنظيف، أعذروني لم أقاوم إغراء كتابتها بهذا الشكل رغم أنني لم أرى الرابط بينهما، و لكن أعجبني وقع العبارة، قلت لي سأحتفظ بها لمناسبة أخرى فلم أُطاوعني. هكذا دائماً، تبدأ الفكرة لدي بعبارة تتردد برأسي، أكتبها و أدعها تستريح دون قلق من أن تضيع (في الواقع تضيع مني قصاصات كثيرة أكون قد سجلت عليها أفكاراً أولية ثم لم أعثر عليها أبداً)، لو كانت خواطر قصيرة يمكن تقديمها بعبارة واحدة أو بضعة عبارات، أنشرها على صفحتي في “Facebook” (أنشأت حسابي عليه منذ 2007 و لا يستهويني تغييره لأي بديل أحدث)، أما لو شعرت بأنها فكرة أود العمل عليها لاحقاً بمقال فإنني أصنفها تحت بند “بذرة تحتاج للنمو و التحسين” وفقاً للغة “ويكيبيديا”، خلال ذلك سأكون أسجل بعض العناوين، عدد من الكلمات المفتاحية، سؤالين أو ثلاثة من أجل البحث، إلى أن يأتي اليوم الذي أجدني فيه مصممة على “الجلوس” لإتمام تلك الفكرة حين تكون قد كبرت حتى لم يبقَ لها متسعٌ في ذهني.

“الأفكار العاصفة، و الأفكار المشطوبة” هذا ما أسميت به طريقتي بالكتابة، لا أدري حقيقة ما إذا كانت شائعة إلى حد ما أو أنها نوعٌ من الهوس الشخصي لم يتم اكتشافه لدى أحد غيري بعد. و هي طريقتي من بداية مراحلي التعليمية و ما زلت أستخدمها ليس فقط في أنواع الكتابة الإبداعية، بل حتى في المتطلبات العملية و الأوراق الأكاديمية. لأشرحها ببساطة، أقوم بكتابة أي فكرة تجول برأسي و لها صلة بالموضوع الذي أكون قد اخترته، أو تم طلبه مني، أي معلومة و أي سؤال، خطوط و خربشات تلخيصية و نجوم و أسهم و أوامر بالحبر الأحمر تخبرني بم يجب علي فعله، الشكل النهائي يجعل من المستحيل على أي شخص أن يتمكن من فهم كل الذي امتلأت به الورقة و لو قرأه مئة مرة، لأنني أضع الهيكل فقط مدركة بأن البناء مكتملاً سيظهر لي بينما أقوم بتعبئة الفراغات لاحقاً، حتى أنا لا أملك تصوراً مسبقاً حول كيف سيظهر الشكل النهائي. في الوقت الذي سأقرر فيه الجلوس لخلق أي معنى من هذه الفوضى، سأحتاج لمخططي الأولي هذا مع قلم، و سأبدأ العمل على القطعة المطلوبة بربط كل الذي سجلته سابقاً في كتلة متماسكة، و كل جزء أكون استخدمته سأشطبه بتمرير القلم فوقه لمرات كافية لمحوه عن إمكانية قراءته، لا أريد أن أراه مرة ثانية فلا أتشوش بإعادة التفكير به، و عندما أنتهي مما خططت لإخراجه، يتبقى معي أحياناً بعض القطع الزائدة فأتخلص منها، فالصورة تكون اكتملت و لم يتبق لها أي مكان، و بعدها لن نرى على تلك الأوراق إلا أسطر معبئة بالجمل و لكنها مغطاة بالخطوط، هكذا تكون انتهت حياتها، استخدمت الكراسات لسنوات و لكني استبدلتها لاحقاً، ليسهل علي التخلص من الأوراق التي انتهيت منها، بِرُزِمِ الورق المسطر أو بالنوع الذي يُطلق عليه “ورق حجازي” و هو المفضل عندي بتسطيره الشبكي حيث يسمح لي بالكتابة على جوانبه الأربعة، بطوله و بعرضه، و أينما قلبته.

هناك أيضاً طريقة كتابة الأسئلة و الإجابة عليها، ثم تكوين النص الذي تنتظم فيه تلك الإجابات بشكل مترابط. هذه طريقة جيدة عندما أعمل مع شريك أو فريق، اقتبستها من الطريقة التي تم تعليمنا بواسطتها في المدرسة كيف ننشئ القطع باللغة الإنجليزية، و لاحقاً أيضاً كجزء من تنفيذ التحقيقات و التغطيات الصحفية أثناء نشاطي الإعلامي. و يمكن للشخص اللجوء لها حين يشعر بميل شديد للكتابة في فكرة معينة دون أن يعرف ما الذي ينبغي أن يتحدث فيه بالتحديد ليسير نحو التعبير عنها كما يجب، أو حين يضطر لتقديم الموضوع كمتطلب تعليمي أو مهني. أفكر هنا بذهنية القارئ، أضع العنوان بخطٍ كبير في رأس الصفحة، أحاول ألا أتذكر كل شئ أعرفه عنه، أستعيد فضولي نحو ما سأرغب عادة بمعرفته، و ستأتي كل الأسئلة (التي أجهل إجاباتها و التي أعرفها)، أسجلها على الورقة، و من ثم أقوم بأداء فرضي بالبحث لاستيفاء كل الأجوبة، و أثناء كتابتها سيتحتم علي أن أشرح المقصود منها، بالتعريفات و الأمثلة إن لزم الأمر، ثمة وضعٌ و رأي، ثمة مشكلة و حل، و كل منا لديه تحليلات و تساؤلات، مقارنات و تقييمات، تحصل على الحقائق ثم تطرح رأيك حيالها، و تجعل النقاش متاحاً بإعلانك انفتاح ذهنك على التلقي لا نزعتك نحو التلقين الوعظي.

و ما زلت أتمرن لأنني لم ابلغ المستوى المطلوب من الإتقان بعد، ستجدون هنا مثلاً بعض مقالاتي مغلقة بشكل سئ، و هذا لأنني كثيراً ما أعجز عن صياغة “قَفلَة” ملائمة و أستعجل عن صرف المزيد من الوقت حين أتذكر كيف سأنسحق لاحقاً تحت ضغط الأعمال الأخرى المؤجلة. نعم تعلمت المبادئ الأساسية، و اجتزت التدريبات اللازمة، و لكنني ما زلت لا أجيد الكتابة دون مجهود، حتى في مجالاتي المفضلة (الشؤون الإنسانية، الأدب و النفس، العلوم النظرية و الاجتماعية…)، و مجرد امتلاكي للأدوات لا يعني مهارتي العالية باستخدامها، إذ ما زلت أعتمد على حسي بالانضباط الذاتي و استعدادي للعمل الشاق، و أتصور كم سيريحني لو تمكنت من حيازة القدرة على الكتابة دون طقوس، في أي وقت و في أي مكان و بأي طريقة، بلا حاجة للتخطيط و التصنيف، ثم الفرز و الحصر، و المراجعة و التنقيح، أريد أن أكون على تلك الدرجة من البراعة، مثل بعض المحظوظين الذين يمتلكون موهبة طبيعية للكتابة بلا حاجة لحشد تركيزهم أو تكريس حضورهم بالكامل في عملية ينتهي معظمنا منها و وهو مُستَنزَف القوى مثل عدَّاءِ “ماراثون” لا يبلغ خط النهاية أبداً، و ليس توقفه في كل مرة إلا لِيُعاود الركض تالياً في المسارِ الذي لا ينتهي به فائزاً و لا مهزوماً.

وقتٌ و طاقة، هذا ما يتطلبه منك الأمر لتستثمره نمواً في أدواتك التعبيرية. و أنت الآن قادرٌ على الانطلاق بسلاسة في مضاميرِ الكتابة بأنواعها الإبداعية و العملية، و مع هذا، و حتى لو لم تعترف، لا تكون العملية سهلة أبداً. إنسَ “الراحة” حين تحمل عقلاً لا يتوقف تَشَّكل النصوص بداخله لحد أنك تضبط نفسك من وقت لآخر متلبساً بالتفكير بلغة “فصيحة”، تدور الخواطر في رأسك على شكل جملٍ حين لا تَسْتَجْوِد تركيبها تقوم بشطبها (ما زالت في رأسك) ثم تعيد صياغتها حتى تروق لك. كلا، حتى عندما تبلغ تلك المرحلة التي تحتال وسوساتك فيها نصاً، لا تحسب بأنها ستكون حاضرة للخروج كما هي على الورق، و لا بتعديلٍ بسيط كذلك، ليس كأن صوتك الداخلي سيملي عليك ما يأمرك بكتابته، تحدثك فيما تعرف ليس كافياً و إلا فإنك ستهدر فرصة للتعلم، و هذا مما يستحق ذلك الوقت و تلك الطاقة و كل ما ستضعه في بحثك و قراءتك و فهمك و دراستك لأي موضوعٍ تُقَرِرُ التطرق له. هنا تغدو الكتابة فعل تعليم.

2 thoughts on “الكتابة فعل تفكير

  1. اتمنى أن تصلي إلى أعلى مراحل الكتابة ، فالكتابة شأنها شأن بقية الفنون أن لم تكن موهبةً وهبها الله لكِ فيمكن أن تكتسبيها عن طريق التعليم والتدريب ، فالأمر يحتاج لمبادرة وإرادة منك . وفقك الله

    إعجاب

    • صحيح، لا تكفي الموهبة لممارسة أي نشاط دون صقل و مران و التزام. بدون صرف العناية و الجدية اللازمتين تفنى كثير من الهبات التي كان لقليل من الدفع و التقدير أن يبلغ بصاحبها مستويات لم يعرف بحجم إمكانياته فيها لاستخفافه بها.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s