و هناك ألوانٌ أخرى ما زالت تُحَلِّق بدون أسماء

لقد قرر البشر، شرط الاعتراف بشئٍ أن يكون له اسم، و إلا فلا وجود له. و أنت هو اسمك و لونك، و صفة الأشياء التي تعود لك، و من مجموعِ أسماءٍ يتشكل انتمائك، و من اسم المجموع تتعين هويتك. أما المكان الذي جئتُ “أنا” منه فليس له اسم، و ليس لنا فيه أسماءٌ كذلك، و لكن يمكنني أن أقول له الآن وقد عرفت كيف تُسمى الأشياء بصفاتها الظاهرة عليها أو بما يوجد فيها: “المكان البرتقالي”. في مكاننا كنا “كثير”، و لكن يمكنني أن أقول الآن بعد أن عرفت كيف تُحسَبُ الأشياء بالأرقام، أننا كنا خمسة، و في حساب أهل الأرض نحن “قليل”. و وقت مجيئنا إلى هنا توزعنا على مواقع متباعدة، و لأنه ما كانت لنا “صورٌ” في ذلك الحين، ضيعنا بعضنا، و لن نتمكن من التعرف على أنفسنا فيما لو تصادفنا مرة و مرات.

تقاطعت مساراتنا أحياناً أثناء تحليقنا في النوم، ففي مكاننا كانت كل حركتنا تحليق، و في الأرض، حين كان كل نومنا طيران، كنا نتجه دونما اتفاق للمساحات التي جمعتنا في السابق. في العادة يكون انسيابنا مع الرياح، هكذا اعتدنا أن نترك أرواحنا لتنقاد محمولة فوق خفة الهواء، و لكن في مرتي الأخيرة، كنت أطير في الخشب، أرْتَفِعُ بسرعة بداخل المباني و أروح أطير في الأسقف الخشبية، ليس تحتها و لا فوقها، بل بداخلها، و رأيت كيف كلنا فعلنا الشئ نفسه في تلك المرة، حتى و قد كنت أُعَجِّل بالفرار كلما لمحت “الطائرين” الآخرين، و فكرت بالحيرة حول ما يحصل معنا، و قلت ربما هذه هي نهاية ارتباطنا، و هكذا عرفت بعدها أن الأشياء “تصير” حين نقولها.

المكان الذي جئت منه، لا صوت فيه، و نحن لا نتكلم، فقط نلتقط أفكار بعضنا البعض، و كلا، ليس لدينا من هذا الشئ الذي حكى لي واحدٌ من الناس عنه و قال اسمه “مشاعر”، كلا، ليس سوى الأفكار، و الآن بعد زمنٍ من التواجد بين أهل الأرض، يمكنني القول إن “المشاعر” هي “أفكار” و لكن لها أسماء و لها أصوات و عرفت الآن أنها تعني الشئ ذاته الذي كان يحصل معنا (بالألوان). و بالمناسبة، لم أعرف أن لتلك الأشياء التي تُدعى ألوان، أسماء تصفها إلا هنا، فكما قلت لكم، لا ننشغل في مكاننا بتسمية الأشياء، و لا وصفها، نحن فقط نعرفها، و أفكر بالدهشة كيف هنا لكل الأشياء أسماء، أقصد لكل شئ واحد اسمٌ و اسمٌ ثانٍ، أو أسماء كثيرة، و قد قالوا لي في البداية أنهم يسمون الأشياء ليعرفوا كيف يقولونها حين يتكلمون، ثم رأيت أنهم يزعقون بأسماءٍ أيضاً ليقتربوا من بعضهم، و لم أفهم لماذا علي أن أقول كلمات تجعل الناس تأتي لعندي، و الأصوات ما زالت تجعلني أفكر بالخوف.

“المشاعر” بالشكل الذي قال لي الناس عنه، بدت لي مجرد شئ تم اختراعه و تسميته، و ابتُكِرَ له عمل يؤديه، و ذلك العمل هو تغذية الثرثرة و إشباع الفضول، ربما، شئٌ جاء مع الكلام، و بما أننا لم نكن نتكلم هناك، فإن هذا قد يفسر جهلنا بوجودها! هي “أفكار” و لكنها ليست حقيقية، قالوا اسمها “مشاعر” للتميز بينها و بين الأفكار الحقيقية. أما الشئ الذي كان يحدث فينا و الذي يمكنني أن أرى بأنه الشئ شبيه “المشاعر”، فهو ما جعلني أطلقت على المكان الذي جئت منه اسماً ينسبه إلى “لونٍ” له اسم، ليس بسبب أن المكان بهذا اللون، فالأماكن ليس لها ألوان حين لا نكون فيها. و في الحال التي كنا عليها هناك، حيث لا “أشكال” لنا و لا أجسام يمكن لمسها، لم نكن سوى ما عرفت بأنكم تسمونه هنا طيف ربما أو “هالة”، كان “البرتقالي” هو لوننا طالما أننا في وضع الاستقرار، لا أدري إن كان يمكن التعبير عنه بهذه الكلمة، فأنا لم أتعلم كيف تُقال كل الأشياء بعد.

إن مجيئنا إلى هنا كان آخر فكرة تمكنَّا من التقاطها من أفكارنا قبل أن نغيب و نفقد وجودنا، فالذي حصل هو أن ألواننا اختفت و لم يعد بإمكاننا معرفة أفكارنا، لا أذكر كيف حدث لنا ذلك، فكما أَشَرت، يظهر بأن التغيرات التي كانت تعتري ألواننا هي “الشئ شبيه المشاعر”، غير أننا لم نكن نقف عندها، و كنا نهرب من التقاط الأفكار التي يرسلها الذي يمر بحالة لونية غير مستقرة تجعله يبتعد بدرجة أو درجات عن “البرتقالي”، و ذلك بالتحليق بعيداً عن المكان الذي كان محدداً لينزوي فيه كل من كان يختبر تغيُراً من ذلك النوع في أي وقت إلى أن يسترجع لونه و يعود للتحليق معنا، و الحقيقة أنه لم يقع لنا مرة أن تغير لون أكثر من واحد منا، فلم نواجه صعوبة بالاتفاق على علاج الحالة بإبعادها. ثم الآن عرفت أن تلاشي ألواننا كان يعني موتنا عن التجول هناك على شكل أفكار لا تتوقف عن تبديد نفسها تحليقاً في خيالهم، و ولادتنا هنا حيث أمكننا تجسيد أحلامهم (أعني الناس في الأرض).

ماذا تريد أن تقول؟

و كيف تقوله؟ معرفة الأول تقود غالباً لاكتشاف الثاني…

لا أذكر إن كنت قد أشرت من قبل بأن تحدث المرء فيما يعلم لا يكفي أحياناً، و إلا فإن فرصاً للتعلم قد تُهدر. و لذا أخذت في تدريب نفسي كيف لا أكتب إلا بعد أن أكون قد أنجزت قدراً من البحث (أقرأ، أفهم، أحلل) ثم أرجع للتطرق لما كنت أعرفه مُضافاً لما تعلمته حديثاً. و حيث أنني كنت قد أسست طريقتي (العشوائية) منذ مراحلي المبكرة في التعليم الذاتي، لم أتمكن لاحقاً من هضم الأدوات التي لم أتعرف عليها إلا بمراحلي المتأخرة، حين تم تدريسها لنا كأساسيات في عملية الكتابة (المقالية)، وجدتها أبسط من التعقيد الذي عودته نفسي ليشعرني بالعظمة ربما، بأني أنجزت عملاً (جبَّاراً) بإخراج تلك النصوص المتواضعة التي لا تقول شيئاً، و على الأغلب لا أدري حتى ما الذي أردت قوله فيها.

حسبت لسنين بأن الكتابة مجرد فعل “نَزَوي” خاضع للتقلبات المزاجية التي نضفي عليها أهمية زائفة بتصويرها كصراعات وجودية (اصطدام الداخل مع الخارج)، أو أنها فِعلٌ “تنفيسي” علاجي نُفَرِّغ فيه ما نحن عاجزون عن المجاهرة به في وجه المعنيين به، أو أنه ببساطة عملٌ يُؤدى عند الطلب. و أول ما تقابلت مع فكرة “التكريس” و الإلزام الذاتي كان أثناء قراءاتي لOrhan Pamuk الذي أدهشني بصراحته حول صعوبة انضباط الكاتب ليكتب، و ضرورة تأسيسه لعادات “التركيز”، و أهمية تحديده لمساحة تُدخله بمجرد تواجده (جلوسه) فيها إلى “حالة” الغياب عن العالم، الاستغراق التام بما بين يديه و الاسترسال في خلق عوالمه. بالطبع صدقته، لأنني كنت قد رأيت نتائج ذلك “الجَلَد” ظاهرة في نصوصه، كما دقة “الصُّنَّاع” الذين حكى عنهم في “اسمي أحمر”.

حتى و أنا أقول الكتابة “التزام” لا ألتزم إلا قليلاً، و عبثاً أُخاتِل شعوري بالذنب (تودداً) و أخبره بأن مماطلتي الطويلة تُسفِرُ بالنهاية عن نوعٍ من الالتزام (قليل)! كلام فارغ؟ أدري 🙂 و لكنني ما زلت متذبذبة حيال قسر نفسي على تأسيس طقوسي الإلزامية الخاصة، أفكر بنظرية “الارتباط الشرطي” و أميل للاقتناع بأنه يمكن تدريب الذهن على الحضور الكامل (في العملية) عند ربطها بإجراءات ترادفها لتغدو بمثابة “الفقاعة” التي تعزله عن كل المقاطعات (و الملهيات)، و أخشى في الوقت نفسه من أن يتحول تقييد عملية الكتابة بمواقع و فترات زمنية معينة إلى مُعيق يحدد من انطلاقها في غير مكانها و وقتها و يجعلها حبيسة ذلك المحيط يعتريها الوهن خارجه. أما عادتي في ألا أكتب إلا حين أكون وحدي، فلا أدري هل أحاول استبدالها أم أدعها لتمارس سيطرتها عَلَي.

مدركةٌ (واهمةٌ ربما) أنه لا الفقر في مخزوني اللفظي و لا محدودية معرفتي النحوية هما ما يُلحقان الضعف في أسلوبي، بل المرجح أنه ليس إلا تأثير عاداتي الشخصية التي بنيتها دون دليل في وقت كان يعوزني الإرشاد، حيث في مراحلنا الأولية من التعليم النظامي (الحكومي) لا نتلقى اعتناءً خاصاً في هذا النطاق، و قليلُ اكتراثٍ يُنفق على تعزيز بنيتنا اللغوية، لا أكثر من القدرات التعبيرية بأدنى حدودها، صحة “الإملاء” و القواعد النحوية، و كل ما يتجاوزه لا يهم. في هذه الأيام، أجرب ابتكار هيكل تمهيدي يمكنني توحيد اعتماده كمخطط أولي (استرشادي)، أعني مثل (outline) بالعربي، بنموذجٍ كهذا سأتمكن من جعل عملي أكثر منهجية و مراحله أشد تنظيماً، شئ أكثر من النجاح بجعل كل الفقرات بحجم متقارب بعدد الأسطر.

outlining1

outlining2

outlining3

outlining4

ADHD أحسن ناس‏

في فرق العمل 🙂 لا أمزح! فأنت أولاً تعرف مشكلته (بالمفرد، لأنك لا تحتاج إلا واحداً منهم فقط في كل فريق)، و المصطلح الذي تُدعى به حالته يُلَّخِص كل المسألة: قصور الانتباه و فرط الحركة (Attention-Deficit Hyperactivity Disorder)، و أنت تعلم مدى “قلة حيلته” فيما يعانيه، و لأي حدٍ هو مختلف (عصبياً) عن غيره، و هذا تحديداً ما يجعله مميزاً و فريداً من نوعه، في الواقع هو ليس وحيداً، فهناك الكثير أمثاله، هم فقط “بالنسبة” ليسوا “الأغلبية”، و هذه هي إشكاليتهم الكبرى، أن الناس من فئة “الطبيعي” الذين نالوا هذا التصنيف “كأغلبية” يريدون من كل أحد أن يكون مثلهم (عادياً جداً)، مجرد نسخة متكررة، ليتم الاعتراف به كفرد “طبيعي”، بينما في حقيقة الأمر، التنوع هو “الطبيعي” بينما “التطابق” ليس إلا نتاج نجاح عملية التدريب الذي يُطلق عليه مسمى “تربية”، فليس هناك تكوين “موحد” يمكن اعتباره نموذج التصميم المثالي للمخ و التركيب الصحيح للأعصاب، و اعتبار كل خروج عنه هو “المرض” و “الاختلال” و “الإعاقة” (خصوصاً إذا كان المرء صحيح الجسم و قادر على إتيان كل وظائفه الحركية).

ADHD ليس إلا أسلوب “معرفي” تفاعلي مختلف آخر، مثله مثل كل أسلوب له احتياجاته في التلقي و متطلباته في الاستقبال، و طريقته في التقديم و لغته في لإرسال، ليس سوى اختلاف في وسائل الاكتساب و الإنتاجية. القاعدة، أنه لا يوجد أي إنسان إلا و لديه ما يمكنه المساهمة به، بشرط الدراية بكيفية توظيف إمكانياته. و حتى لا يتم هدره، لا بد من وضعه في بيئة تستوعب ما لديه. كُلٌ له دور (ذهني/ يدوي)، و هنا يأتي عمل تحديد الأدوار مبنياً على المهارات/ الرغبات/ القدرات، مع الأخذ بميزان الاعتبار أن غياب واحدة من هذه الثلاثة، لن تجعلك عاجزاً عن أداء الدور المرسوم لك، فقط ستكون حينها تُغالِبَ صراعاً من نوعٍ ما، إلم يكن مع الآخرين فمع نفسك على الأغلب. لن يمكنك إدراك ما يستنزف طاقتك، و ستواصل إنكار علامات التحذير النابعة من وعيك الذاتي، أو التي يلفت الآخرون انتباهك لها، و لكن لا فائدة من استمرارك بعملٍ لا تملك المهارات اللازمة لإنجازه، أو ليس لديك الشغف الذي يدفعك للتميز فيه، أو لا قدرة عندك على الالتزام بمستوى المعايير المطلوبة فيه (مهارات/ شغف/ التزام)، و إلا فإن ابتلاعك إياه على مضض و تأديته كيفما اتفق من باب تحصيل الحاصل، لن يضر أحداً غيرك.

في هذه الحالة، لا يكون انسحابك منه “فشلاً” بقدر ما هو صعوبة في إظهار التوجه المطلوب للمضي فيه. أما بتوجهك الآن، فالأكيد أن ثمة حقولٍ متهيئة لاستقبالك، و هي باتجاهك، و لكنها بعيدة عن مجالك الحالي. مثل هذا الكلام، أجدر من يوجه لهم هم قوم ADHD، فهم نجوم الإبداع الحر بلا منافسة، مثيري الديناميكية أينما تواجدوا، و من سوء الحظ أن معظم بيئات العمل التقليدية يزعجها تواجد أحدهم، هم المتمردون على الروتين مثيرو الشغب الذين تلفظهم أنظمة الجمود. و على من يكون ذكياً بما يكفي لاكتشافهم، أن يتعلم كيف يُحْسِن استغلال أفكارهم الخلاَّقة، و لكن لا ينتظر منهم الالتزام بالتنفيذ أو إدارة التفاصيل أو التقيد بمكان العمل و لا حتى أوقاته، فقط في سبيل المُهل النهائية للتسليم، سيكون عليه إدماجهم مع شركاء من غير طبيعتهم لمواصلة دفعهم و تحريكهم و توجيههم بل و إرغامهم أحيانا على التركيز حتى الانتهاء مما بين أيديهم. هذا النوع لا يمكنك تركه لنفسه لأنه لا يعمل دون إلهامٍ شخصي، و مع هذا يكون نافعاً أكثر لو عمل ضمن فريق تدفعه أهدافه نحو المشاركة فيه بالحد الذي يقرره، و تكون له الحرية كذلك متى أراد الانصراف عنه.

adhd3

adhd2

adhd1

*تصحيح: ADHD ليس “مرض”، بل هو مجرد وصف مختصر لشخصية بمواصفات خاصة.

يا صبر “سيزيف”‏

قِيل كثيراً حول كيف لا ينبغي علينا أن نخلط العملي بالإنساني و بأن إرثنا الشخصي هو رزمةٌ علينا أن نتركها خارج أبواب أماكن تواجدنا اليومي للعمل، و لكنني لا أعترف بكل تلك النظريات القديمة، فإذا كنا نقضي مع شركاء العمل الجزء الأكبر من يومنا، أكثر حتى من الوقت الذي نقضيه مع عائلاتنا، ألا تكون الروابط أقلها محكومة بالمودة و الشعور بالانتماء، و بأن كل منا مسؤول عن حماية أي منا. نستيقظ لنرى بعضنا قبل رؤية أفراد أسرنا الحقيقية، نتشارك الأكل و الشرب، و نوبات الضحك و انفجارات الغضب، نرعى بعضنا و نكترث لمتاعبنا، نخفف عن المُجهد و نغطي على المثقلة عليه همومه حتى لو لم يقم بإطلاعنا عليها. عني، لا أرى بأن العمل يتضرر بقدر ما يرتفع الأداء فيه، لأن اللمسة الإنسانية تزيد من قيمته و تُعلِي من معايير الأداء فيه.

و لكن، كن شديد الحذر بينما تختار شركاؤك في العمل، فبعضهم مثل الحجر يُربط في قدمك فيبطئ تحركك و يجعل من كل خطوة تخطوها مجرد عناء مُضاعف يُرهِقُك قبل أن تبلغ غايتك. و لو غرقت، فسيكون غرقك أسرع بوجوده، و لو وقعت فعليك أنت وحدك تَكَبُّد مشقة النهوض. مهما قلت لنفسك بأنه يستحيل أن يكون من بين البشر مَن هو خالٍ من أي قيمة يمكنه المساهمة فيها في أداء المجموع، صدقني، ثمة بعض الشخصيات، تُضعف أي فريق عمل بمجرد ضمها إليه، البعض لا يصلحون بالفعل إلا للعمل مع الآلات، حتى و هم ليسوا بآلات، إلا أنك لن تُكرس نفسك لمعالجة ذلك النوع من الإعاقات الوجدانية التي تعيقهم عن تطوير المهارات التفاعلية المطلوبة، كلا، ليس حين تَعثُرَ بمن يفتقر لأدنى حدٍ من قواعد السلوك العام و أساسيات التواصل الصحيح، ليس بذلك النوع من الاضطرابات التي يتم إرجاعها إلى اختلافٍ بتركيب الدماغ و الوصلات العصبية أو ما شابه، ليس أكثر من تنشئة خاطئة و انحراف سلوكي و ضعف في النضج!

و بعضهم، لن يمكنك تحريكهم إلا بعد أن تقوم بإنجاز 99.99% من المهمة، عندما تنتهي من التعرق و استنزاف ما يفوق طاقتك، و تلويث مظهرك بعدة خدوش، لأنهم يحبون الحضور بالأخير للمشاركة في تزيين الكعكة التي تم الانتهاء من مزجها و عجنها و خبزها، يأتون في الأخير من أجل اللمسة الأخيرة التي تكون عادة عملاً مسلياً لا يشبه صعوبة البدايات. ثم لتبقيهم على حماسهم، عليك أن تعيد الفضل إليهم و تستحسن عملهم و تمدح مساهمتهم، ليس فقط أمام المتفرجين، بل حتى بينك و بينهم، لأنهم يريدون تصديق ذلك و إلا سببت لهم الإحباط و لنفسك الانزعاج من وجود عناصر مستاءة تعمل على تشتيت تركيزك. و أنت تريد أن تُنهي الأعمال، فلا بأس من أن تقوم بكل المطلوب و أكثر، و عليه هو بعد ذلك حين يتلقى الشكر و الإعجاب أن يخبرهم بأنه لولاك لما تمكن من فعل شئ، حتى يبدو و كأنه يُرجع لك فضلاً هو استحقه. و تَظهر لهم و كأنها عملية تلميع للمُشارك الهامشي الذي كنته!

و هكذا يبدو سوء الاختيار الذي تعجلت به، بمثابة عقوبة لا تنتهي للزلة التي انْحَدَرَت بها ثقتك بتأثير الحماس الكاذب للذي بطبعه لا يبدأ شيئاً و يكمله أبداً، ذلك الصنف الذي حياته كلها عبارة عن مشاريع غير مكتملة، عليه فقط أن يُظهر الحماس للانطلاق فيها، ثم و بعد أن ينطلق الجميع، يقف (مُتَخَصِراً) يتأملهم بابتسامة النجاح بالتملص من تأدية أي دور (فعلي) في العملية، بل و حتى لو توجه له أحد بالإلحاح عليه بفعل أي شئ، فإنه يتعمد التحامق ليجعل غيره يصحح له من بعده على أمل أن يتم إعفائه لعدم إجادته، و هو يدري بأن التدخل بعد فساد الأمور مُرهِق أكثر من توليها أولاً، و يعلم بأن أكثر ما يزعج شركاؤه هو اضطرارهم للتنظيف من وراءه و مع هذا يصر على ادخار جهده لأجل غير مسمى و لا يكون أقصى أداءه إلا مثل الذي تكلفه بكنس الأرضية و إزالة الأوساخ منها فيكتفي بتجميعها و إخفاءها تحت طرف السجادة.

آخر الحلول الممكنة، و التي يتجنب أحدنا قدر ما أمكن اللجوء لها، هو خلق توترات في مكان العمل. مهما كان، و مهما استلزم من سياسات ومناورات و تنازلات، حتى لا نصل إلى النقطة التي نضطر للتواجد فيها بقرب أشخاص يكرهون وجودنا، إن كان بالحق أو بالباطل. فقط لا أفهم، فأنت إما شغوف بعملك أو انك تعطي بالحد الأدنى المطلوب منك، و في كل الحالات عليك أن تتعايش مع نتائج إحجامك أو اندفاعك. أما أن تكون كسولاً، و في الوقت نفسه تسعى لنشر انطباع معاكس عنك؟! فهذا ما لا أفهمه. أحترم أكثر الذي لا يميل للمساهمة بأكثر من مجهوده الحالي، إلا أنه لا يرضى الظهور على أكتاف المجتهدين. و المُحَير أكثر، أنك ترى كآبة حقيقية لدى هذا النوع عندما لا يتلقى تقديراً (على ما لم يفعل)، مع أن تحطم معنوياته لن يُغَيِر شيئاً على مسار المهمة إلا أنه سيكون من المؤلم خوض صراع على لا شئ. لا شئ بمعنى الكلمة!

أرفض تعليق النباتات المتسلقة على الجذوع القوية التي نموها طبيعي، لو كانت من باب التكامل باختلاف المهارات، لا بأس، و من هو داهية في التعامل مع الأرقام سيظهر عندما يتورط زميله صاحب الأفكار الخلاَّقة الذي يتوه بين الأعمدة و المنحنيات، هناك الذي هو مبدع عندما يعمل بيديه و هناك من يبدع بالتخطيط و توزيع المهام و التوجيه بتنفيذها. أما المستلقي على ظهر الآخر المتولي جميع الأعمال، مثل “الكماشة” القابضة بشدة على رقبته، فهذا أمر مقزز جداً، لا بد من أن يرفض كل شخص استغلاله من قبل المُتَنَفِعين (استغلالاً و انتهازية و وصولية) بكل طريقة، بدءاً بالتملص بلطف وصولاً إلى الانقلاب العنيف. بالنسبة لي، عندما ألاحظ وجود تنافسية عالية عند أحد، فإنني أقصيه بالتجاهل و التهميش و أتركه ليذبل و يموت لوحده، ليفهم بأنني لا أراه إلا من خلال موقعه في المجموعة، و لا أعطي أي اعتبار لأداءٍ متفوق يأتي دون نزاهة و ولاء لبقية الأعضاء. و مَن يُفشي أخطاء غيره، و يتسكع بالقيل و القال، تلصصاً على مساحات غيره، سارق الوقت مُستَنزِف الطاقة، يستحق الحذف النهائي من كل الخطط و الحسابات كأقصى ردٍ يصله كجواب على توجهه المُعوَج.

و شريك يُنزِلَ الغضب على نفسه صنيع يده، ذاك الذي يتولى جانباً ضئيلاً من العمل تكون ألححت عليه ليفعله و دفعته دفعاً بالقوة لتوليه، و مع هذا يواصل التحدث ب”أنا” أما عندما تُنجز كل ما يلقي به على كاهلك، يبدأ كل كلامه ب”أنا و فلان” قررنا… “أنا و فلان” خططنا… “أنا و فلان” فعلنا… حسناً، إما “أنا و أنت” أو “نحن” واحدة تسري على كل شئ! مُثيرٌ للغيظ هو حين يلتقط قراراتك و خططك فقط ليسبقك بالخروج لإعلانها للجميع بما يُرغمك أدبياً على الالتزام بها قبل حتى أن تكون اكْتَمَلَت في رأسك: “اتفقنا على أن يقوم فلان بـ…”. قلا يتبقى لك رداً غير أن “تتصرف” لوحدك بعد أن يكون قد تم ترويج كل ما قد “فكرتم” و “قررتم” و “خططتم” تنفيذه! أقول ثمة من يمكنهم اختلاس أفكارنا، و التحدث بلساننا، و تقمص آرائنا، و ادعاء دورٍ ليس لهم. و لكن من المستحيل أن يتمكنوا من التقاط ما لدينا من رؤية و التزام و حماس و ضمير.

ماذا سيحدث لك حين تكون “إنتاجياً” بطبعك عالقاً بغير اختيار منك في هذه الدائرة؟ فوق شدِّ أعصابك و انضغاطك تحت ثقل حجر رحى يدور بصخبٍ فارغٍ (جعجعة) فوق صدرك، فأنت مع الوقت ينالك التلف في تقديرك الذاتي و احترامك لمسؤوليتك، تاريخ عطاءك و طموحك بتقديم المزيد، و أنت ترى كيف أنك مهدور في غير موقعك، تصب كل تركيزك على اجتياز العقبة الأخطبوطية التي كَرَّسَت كل جهودها لعرقلتك كيفما اتجهت، و لا حل إلا أن تنأى بنفسك عن أن تكون جزءاً من بيئة تنحدر بمن يعمل فيها نحو أقل نسبة من الإنتاجية و أضعف دافعية للالتزام، و كل ما فيها تقاذف المسؤوليات و تمرير الفشل في تحقيق الأهداف و الاجتهاد في حياكة الدسائس و إشاعة الأكاذيب و ضرب الحواجز التنافسية بين أعضاء الفريق، ثم التظاهر بالضياع و الارتباك و التظلم من تخلي البقية الذين اعتزلوا طوعاً كل ذلك التخبط العشوائي إنقاذاً لما بقي لديهم من شرف الترفع عن الخوض في القَذَر.

“سيزيف” الأسطوري الذي عوقب بدحرجة صخرة لزمنٍ لا نهائي، ستكون مثله حين تجد نفسك في مثل هذه الورطة، ليس بالجرم و لكن بالعقوبة، من ناحية كون عدم اختيار الشريك الصائب يتحول لما يشبه العقوبة التي لا تنتهي كلما حاولت التخلص منها بطول بال و قوة تحمل و صبر تُمَنِي نفسك في كل مرة بأنك ستنتهي منه بعدها، يعود ليَعْلَق بك في المهمة التالية و مهما حاولت إنجاز المطلوب على أمل أن يتم عتقك، لا ترى نفسك إلا و كأنك تعيد الدورة نفسها مثل ثورٍ يدور بساقية!

P.S. الثلاثة الذين لا يمكنهم مشاركتي أي عمل: المنافق، الغبي، الضعيف، هكذا نستنتج أنني أقدر في الشريك: المصداقية و النزاهة، العلم و الذكاء، الإقدام و الثبات. غير ذلك، لا مكان للمُتَنَفِعِين عندي.