ماذا تريد أن تقول؟

و كيف تقوله؟ معرفة الأول تقود غالباً لاكتشاف الثاني…

لا أذكر إن كنت قد أشرت من قبل بأن تحدث المرء فيما يعلم لا يكفي أحياناً، و إلا فإن فرصاً للتعلم قد تُهدر. و لذا أخذت في تدريب نفسي كيف لا أكتب إلا بعد أن أكون قد أنجزت قدراً من البحث (أقرأ، أفهم، أحلل) ثم أرجع للتطرق لما كنت أعرفه مُضافاً لما تعلمته حديثاً. و حيث أنني كنت قد أسست طريقتي (العشوائية) منذ مراحلي المبكرة في التعليم الذاتي، لم أتمكن لاحقاً من هضم الأدوات التي لم أتعرف عليها إلا بمراحلي المتأخرة، حين تم تدريسها لنا كأساسيات في عملية الكتابة (المقالية)، وجدتها أبسط من التعقيد الذي عودته نفسي ليشعرني بالعظمة ربما، بأني أنجزت عملاً (جبَّاراً) بإخراج تلك النصوص المتواضعة التي لا تقول شيئاً، و على الأغلب لا أدري حتى ما الذي أردت قوله فيها.

حسبت لسنين بأن الكتابة مجرد فعل “نَزَوي” خاضع للتقلبات المزاجية التي نضفي عليها أهمية زائفة بتصويرها كصراعات وجودية (اصطدام الداخل مع الخارج)، أو أنها فِعلٌ “تنفيسي” علاجي نُفَرِّغ فيه ما نحن عاجزون عن المجاهرة به في وجه المعنيين به، أو أنه ببساطة عملٌ يُؤدى عند الطلب. و أول ما تقابلت مع فكرة “التكريس” و الإلزام الذاتي كان أثناء قراءاتي لOrhan Pamuk الذي أدهشني بصراحته حول صعوبة انضباط الكاتب ليكتب، و ضرورة تأسيسه لعادات “التركيز”، و أهمية تحديده لمساحة تُدخله بمجرد تواجده (جلوسه) فيها إلى “حالة” الغياب عن العالم، الاستغراق التام بما بين يديه و الاسترسال في خلق عوالمه. بالطبع صدقته، لأنني كنت قد رأيت نتائج ذلك “الجَلَد” ظاهرة في نصوصه، كما دقة “الصُّنَّاع” الذين حكى عنهم في “اسمي أحمر”.

حتى و أنا أقول الكتابة “التزام” لا ألتزم إلا قليلاً، و عبثاً أُخاتِل شعوري بالذنب (تودداً) و أخبره بأن مماطلتي الطويلة تُسفِرُ بالنهاية عن نوعٍ من الالتزام (قليل)! كلام فارغ؟ أدري 🙂 و لكنني ما زلت متذبذبة حيال قسر نفسي على تأسيس طقوسي الإلزامية الخاصة، أفكر بنظرية “الارتباط الشرطي” و أميل للاقتناع بأنه يمكن تدريب الذهن على الحضور الكامل (في العملية) عند ربطها بإجراءات ترادفها لتغدو بمثابة “الفقاعة” التي تعزله عن كل المقاطعات (و الملهيات)، و أخشى في الوقت نفسه من أن يتحول تقييد عملية الكتابة بمواقع و فترات زمنية معينة إلى مُعيق يحدد من انطلاقها في غير مكانها و وقتها و يجعلها حبيسة ذلك المحيط يعتريها الوهن خارجه. أما عادتي في ألا أكتب إلا حين أكون وحدي، فلا أدري هل أحاول استبدالها أم أدعها لتمارس سيطرتها عَلَي.

مدركةٌ (واهمةٌ ربما) أنه لا الفقر في مخزوني اللفظي و لا محدودية معرفتي النحوية هما ما يُلحقان الضعف في أسلوبي، بل المرجح أنه ليس إلا تأثير عاداتي الشخصية التي بنيتها دون دليل في وقت كان يعوزني الإرشاد، حيث في مراحلنا الأولية من التعليم النظامي (الحكومي) لا نتلقى اعتناءً خاصاً في هذا النطاق، و قليلُ اكتراثٍ يُنفق على تعزيز بنيتنا اللغوية، لا أكثر من القدرات التعبيرية بأدنى حدودها، صحة “الإملاء” و القواعد النحوية، و كل ما يتجاوزه لا يهم. في هذه الأيام، أجرب ابتكار هيكل تمهيدي يمكنني توحيد اعتماده كمخطط أولي (استرشادي)، أعني مثل (outline) بالعربي، بنموذجٍ كهذا سأتمكن من جعل عملي أكثر منهجية و مراحله أشد تنظيماً، شئ أكثر من النجاح بجعل كل الفقرات بحجم متقارب بعدد الأسطر.

outlining1

outlining2

outlining3

outlining4