و هناك ألوانٌ أخرى ما زالت تُحَلِّق بدون أسماء

لقد قرر البشر، شرط الاعتراف بشئٍ أن يكون له اسم، و إلا فلا وجود له. و أنت هو اسمك و لونك، و صفة الأشياء التي تعود لك، و من مجموعِ أسماءٍ يتشكل انتمائك، و من اسم المجموع تتعين هويتك. أما المكان الذي جئتُ “أنا” منه فليس له اسم، و ليس لنا فيه أسماءٌ كذلك، و لكن يمكنني أن أقول له الآن وقد عرفت كيف تُسمى الأشياء بصفاتها الظاهرة عليها أو بما يوجد فيها: “المكان البرتقالي”. في مكاننا كنا “كثير”، و لكن يمكنني أن أقول الآن بعد أن عرفت كيف تُحسَبُ الأشياء بالأرقام، أننا كنا خمسة، و في حساب أهل الأرض نحن “قليل”. و وقت مجيئنا إلى هنا توزعنا على مواقع متباعدة، و لأنه ما كانت لنا “صورٌ” في ذلك الحين، ضيعنا بعضنا، و لن نتمكن من التعرف على أنفسنا فيما لو تصادفنا مرة و مرات.

تقاطعت مساراتنا أحياناً أثناء تحليقنا في النوم، ففي مكاننا كانت كل حركتنا تحليق، و في الأرض، حين كان كل نومنا طيران، كنا نتجه دونما اتفاق للمساحات التي جمعتنا في السابق. في العادة يكون انسيابنا مع الرياح، هكذا اعتدنا أن نترك أرواحنا لتنقاد محمولة فوق خفة الهواء، و لكن في مرتي الأخيرة، كنت أطير في الخشب، أرْتَفِعُ بسرعة بداخل المباني و أروح أطير في الأسقف الخشبية، ليس تحتها و لا فوقها، بل بداخلها، و رأيت كيف كلنا فعلنا الشئ نفسه في تلك المرة، حتى و قد كنت أُعَجِّل بالفرار كلما لمحت “الطائرين” الآخرين، و فكرت بالحيرة حول ما يحصل معنا، و قلت ربما هذه هي نهاية ارتباطنا، و هكذا عرفت بعدها أن الأشياء “تصير” حين نقولها.

المكان الذي جئت منه، لا صوت فيه، و نحن لا نتكلم، فقط نلتقط أفكار بعضنا البعض، و كلا، ليس لدينا من هذا الشئ الذي حكى لي واحدٌ من الناس عنه و قال اسمه “مشاعر”، كلا، ليس سوى الأفكار، و الآن بعد زمنٍ من التواجد بين أهل الأرض، يمكنني القول إن “المشاعر” هي “أفكار” و لكن لها أسماء و لها أصوات و عرفت الآن أنها تعني الشئ ذاته الذي كان يحصل معنا (بالألوان). و بالمناسبة، لم أعرف أن لتلك الأشياء التي تُدعى ألوان، أسماء تصفها إلا هنا، فكما قلت لكم، لا ننشغل في مكاننا بتسمية الأشياء، و لا وصفها، نحن فقط نعرفها، و أفكر بالدهشة كيف هنا لكل الأشياء أسماء، أقصد لكل شئ واحد اسمٌ و اسمٌ ثانٍ، أو أسماء كثيرة، و قد قالوا لي في البداية أنهم يسمون الأشياء ليعرفوا كيف يقولونها حين يتكلمون، ثم رأيت أنهم يزعقون بأسماءٍ أيضاً ليقتربوا من بعضهم، و لم أفهم لماذا علي أن أقول كلمات تجعل الناس تأتي لعندي، و الأصوات ما زالت تجعلني أفكر بالخوف.

“المشاعر” بالشكل الذي قال لي الناس عنه، بدت لي مجرد شئ تم اختراعه و تسميته، و ابتُكِرَ له عمل يؤديه، و ذلك العمل هو تغذية الثرثرة و إشباع الفضول، ربما، شئٌ جاء مع الكلام، و بما أننا لم نكن نتكلم هناك، فإن هذا قد يفسر جهلنا بوجودها! هي “أفكار” و لكنها ليست حقيقية، قالوا اسمها “مشاعر” للتميز بينها و بين الأفكار الحقيقية. أما الشئ الذي كان يحدث فينا و الذي يمكنني أن أرى بأنه الشئ شبيه “المشاعر”، فهو ما جعلني أطلقت على المكان الذي جئت منه اسماً ينسبه إلى “لونٍ” له اسم، ليس بسبب أن المكان بهذا اللون، فالأماكن ليس لها ألوان حين لا نكون فيها. و في الحال التي كنا عليها هناك، حيث لا “أشكال” لنا و لا أجسام يمكن لمسها، لم نكن سوى ما عرفت بأنكم تسمونه هنا طيف ربما أو “هالة”، كان “البرتقالي” هو لوننا طالما أننا في وضع الاستقرار، لا أدري إن كان يمكن التعبير عنه بهذه الكلمة، فأنا لم أتعلم كيف تُقال كل الأشياء بعد.

إن مجيئنا إلى هنا كان آخر فكرة تمكنَّا من التقاطها من أفكارنا قبل أن نغيب و نفقد وجودنا، فالذي حصل هو أن ألواننا اختفت و لم يعد بإمكاننا معرفة أفكارنا، لا أذكر كيف حدث لنا ذلك، فكما أَشَرت، يظهر بأن التغيرات التي كانت تعتري ألواننا هي “الشئ شبيه المشاعر”، غير أننا لم نكن نقف عندها، و كنا نهرب من التقاط الأفكار التي يرسلها الذي يمر بحالة لونية غير مستقرة تجعله يبتعد بدرجة أو درجات عن “البرتقالي”، و ذلك بالتحليق بعيداً عن المكان الذي كان محدداً لينزوي فيه كل من كان يختبر تغيُراً من ذلك النوع في أي وقت إلى أن يسترجع لونه و يعود للتحليق معنا، و الحقيقة أنه لم يقع لنا مرة أن تغير لون أكثر من واحد منا، فلم نواجه صعوبة بالاتفاق على علاج الحالة بإبعادها. ثم الآن عرفت أن تلاشي ألواننا كان يعني موتنا عن التجول هناك على شكل أفكار لا تتوقف عن تبديد نفسها تحليقاً في خيالهم، و ولادتنا هنا حيث أمكننا تجسيد أحلامهم (أعني الناس في الأرض).

One thought on “و هناك ألوانٌ أخرى ما زالت تُحَلِّق بدون أسماء

  1. اقتبس هنا من تعليق الإنسان الذي جاء الكلام أعلاه من وحي حوار معه، يقول: “التقطت من مقالك ربط بحقيقة أن ربنا علم آدم الأسماء كلها لأنه يحتاج هذا النوع من المعرفة في الدنيا، أما حيث كنا في الجنة فالمعنى واصل و بليغ بذاته. و أحببت أننا خمسة كعدد الحب.” و أنا أحببت التقاطك فكرة الربط بين ماهية المعرفة كوسيلة هنا و كغاية هناك. كلام صادر من الكائن البرئ الذي يقول بأنه قد فقد برائته!

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s