و في الخلف كتب المُنَجِّم-2:

“مسيرة صعبة، يجب أن تتسلحي بكل الفضائل لتجتازيها حتى النهاية..”

Follow your heart

لقد كنت أحدثك عني، عن سري. و لكن لرواية قصة يجب العودة إلى بدايتها، و البداية في شبابي، في العزلة غير الطبيعية التي نشأت فيها و عشتها بعد ذلك بقية حياتي. في زمني، كان ذكاء المرأة يعتبر صفة سلبية في الزواج، فبالنسبة إلى تقاليد ذلك العصر لم يكن على الزوجة سوى أن تكون أداة إنجاب ساكنة و مولعة. و كانت المرأة التي تسأل كثيراً تُعد زوجة فضولية، قلقة، و هي آخر شئ يتمناه الرجل. و لهذا كان الشعور بالوحدة في شبابي عظيماً حقاً.

و الحق يُقال، ففي الفترة بين الثامنة عشرة و العشرين من عمري، نظراً إلى أنني كنت جميلة، و ميسورة الحال أيضاً، كانت حولي زمرة من العشاق. و لكن بمجرد أن كنت أُظهر أنني أُحسن الحديث، و بمجرد أن كنت أفتح لهم قلبي و أحدثهم عن الأفكار التي تدور في ذهني، كان الجميع يبتعدون من حولي.

و بالطبع كان بإمكاني أن ألزم الصمت، و أن أُظهر ما ليس فيّ، و لكن للأسف، أو لحسن الحظ، على الرغم من تربيتي كان هناك جزء بداخلي ما زال حياً، و كان ذلك الجزء يرفض أن يتظاهر بالزيف.

و بعد انتهائي من المرحلة الثانوية… لم أستكمل دراستي لأن أبي اعترض على ذلك. و كان الأمر يتعلق بتنازل صعب جداً بالنسبة إلي. و لهذا السبب كنت دائماً شغوفة للمعرفة. فبمجرد أن يُعلن أحد الشباب أنه يدرس الطب كنت أطارده بالأسئلة، كنت أريد أن أعرف كل شئ. و هذا ما كنت أفعله أيضاً مع مهندسي و مع محاميّ المستقبل.

كان تصرفي هذا يغير كثيراً من مجرى الأمور، و كان يبدو منه أنني أهتم بالعمل أكثر من الشخص نفسه، و ربما كانت هذه هي الحقيقة.

عندما كنت أتحدث مع صديقاتي و زميلاتي في الفصل، كان لدي الانطباع بأنني أنتمي إلى عوالم بعيدة بُعد السنوات الضوئية. و كانت المسافة التي تفصل بيني و بينهم هي الخبث النسائي… حيث أنني كنت محرومة منه تماماً، بينما قُمنَ هُنّ بتطويره إلى أقصى الدرجات. فخلف الكبرياء الظاهر، و خلف الثقة الواضحة، فإن الرجال شخصيات هشة إلى أقصى درجة، سُذج، بداخلهم دوافع بدائية جداً… لقد أدركت ذلك متأخراً جداً، بينما كانت صديقاتي يعرفنه في ذلك الوقت في عمر الخامسة عشرة و السادسة عشرة…

هذا هو الخبث النسائي، تلك هي الحيل التي كانت تتسبب في نجاحهن مع الرجال. و لكن أنا… كنت كثمرة البطاطس، لم أكن أفهم أي شئ مما يحدث حولي… كان هناك شعور بالإخلاص بداخلي، و هذا الإخلاص كان يُسِر إلى أنني لن أنجح مطلقاً في خداع أي رجل.

كنت أعتقد أنه يوماً سأجد شاباً أستطيع أن أتحدث معه حتى الليل من دون أن أشعر بالتعب، و بالحديث المستمر سندرك أننا نرى الأشياء بالطريقة نفسها، و أننا نشعر بالمشاعر نفسها، عندئذٍ كان سيولد الحب، كان سيولد حبٌ أساسه الصداقة و التقدير، و ليس أساسه سهولة الخداع.

كنت أتمنى صداقة حب و في هذا أفكر بطريقة الرجال، برجولة الأزمان الغابرة… و هكذا ببطء انتهى بي المطاف إلى أن أنتظر في الدور الذي عادة ما تنتظر فيه القبيحات. كان حولي الكثير من الأصدقاء و لكنها كانت صداقات من طرف واحد. كانوا يلجأون إلي فقط ليُفصحوا عن آلامهم في الحب.

و تزوجت صديقاتي الواحدة تلو الأخرى، و في لحظة ما من حياتي خُيل إلي أنني لم أكن أفعل شيئاً سوى الذهاب إلى حفلات الزواج. و أنجبت من كُنّ في سني الأطفال، و كنت أنا دائماً الخالة العانس، كنت أعيش في منزلي مع والديّ و أنا مستسلمة تماماً لفكرة أنني سأعيش آنسة إلى الأبد.

كانت أمي تقول لي “و لكن ماذا يدور في رأسك، أمعقول ألا يعجبك لا هذا و لا ذاك؟!” بالنسبة إليهم كانت الصعوبات التي أواجهها نتيجة غرابة طبعي. هل كان ذلك يضايقني؟ّ لا أعلم. في الحقيقة لم أكن أشعر بداخلي برغبة جارفة في أن تكون لدي عائلة، بل إن فكرة إنجاب طفل للعالم كانت تثير لدي بعض الشك. لقد عانيت كثيراً في أثناء طفولتي، و كنت أخشى أن أتسبب في آلام مخلوق برئ. بل على الرغم من أنني كنت لا أزال أعيش في منزلي، كنت أشعر بالاستقلال التام، كنت أمتلك كل ساعة من يومي.

و لكي أربح بعض النقود كنت أعطي دروساً في اللغتين اللاتينية و اليونانية… بجانب ذلك لم يكن لدي التزامات أخرى، كان يمكنني أن أقضي فترات الظهيرة بأكملها في مكتبة الحي من دون أن أفكر في أحد، و كان يمكنني أن اذهب إلى الجبل كلما أردت ذلك. فقد كانت حياتي مقارنة بالأخريات، حرة، و كنت أخشى كثيراً فقدان تلك الحرية. و لكن مع مرور الوقت كنت أشعر بأن كل هذه الحرية و هذه السعادة الظاهرة مزيفة، و ربما أيضاً مُفتعلة. فقد أخذت الوحدة التي بدت في البداية كميزة، تصبح عبئاً عَلَي… فمنذ ولادتي لم يكن لدي قط من يمكنني التحدث معه. أقصد شخصاً يمكنني التحدث معه فعلاً. من المؤكد أنني كنت أتمتع بذكاء شديد و كنت أقرأ كثيراً، كما كان يقول والدي في النهاية بنوعٍ من الفخر: “إن أولجا لن تتزوج أبداً لأن عقلها كبير أكثر من اللازم”.

و لكن كل هذا الذكاء المُفترض لم يكن يقودني إلى أي مكان، لم أكن مثلاً جديرة بأن أرحل في رحلة طويلة أو أن أدرس شيئاً بعمق. فبسبب أنني لم ألتحق بالجامعة كنت أشعر بأنني مُهيضة الجناح… و كنت أنتظر. و لكن ماذا أنتظر؟ لم تكن لدي أدنى فكرة.

ففي اليوم الذي أتى فيه “أوجوستو” أول مرة إلى منزلنا كان الثلج يتساقط. أتذكر هذا اليوم لأنه نادراً ما يسقط الثلج في منطقتنا، و لأنه بسبب الثلج نفسه في ذلك اليوم حضر ضيفنا متأخراً عن ميعاد الغداء. كان مثل والدي يعمل في استيراد البُن. و كان قد حضر ليتناقش حول بيع شركتنا، فبعد الأزمة القلبية التي أصابت والدي الذي ليس له وَرَثَة ذكور، قرر أن يتخلص من الشركة ليقضي الأعوام المتبقية له في سلام. لأول وهلة بدا لي “أوجوستو” سخيفاً جداً. فهو بالنسبة إلينا “إيطالي” و مثل كل الإيطاليين كان يتمتع بنوع من التكلف الذي يثير غضبي.

شئ غريب، و لكن كثيراً ما يحدث أن تسبب لنا الشخصيات المهمة في حياتنا ضيقاً في بداية التعارف… بعد الغداء ذهب والدي ليستريح و بقيت أنا وحدي في الصالون في صحبة الضيف بانتظار اللحظة التي سيستقل فيها القطار. كنت غاية في البرود. و طوال الساعة التي مكثناها معاً عاملته بمنتهى الجفاء. و كنت أجيبه عن كل سؤال بنصف إجابة، و إذا لزم هو الصمت، كنت أصمت أنا أيضاً…

و في هذا المساء قالت والدتي: “على الرغم من كون السيد إيطالياً فإنه شخصية مهذبة”. فأجابها والدي: “و هو أيضاً ماهر في عمله”. عند هذه اللحظة… لقد نطق لساني وحده و قال: “و لا يرتدي دبلة في إصبعه”. و عندما أجابني والدي: “في الواقع، المسكين أرمل”. تحول لوني إلى الأحمر بلون الفلفل و شعرت بالخجل يعتريني. و بعد يومين، و عند عودتي من أحد الدروس وجدت في مدخل المنزل طرداً و كان لون ورقة الهدية فضياً.

كان أول طرد تلقيته في حياتي. و لم أنجح في تخيل من يمكنه إهدائي شيئاً مثل هذا. و أسفل ورقة الهدية كانت توجد بطاقة كُتب عليها: “هل تعرفين هذه الحلوى؟” و أسفل تلك العبارة إمضاء “أوجوستو”. و في المساء لم استطع النوم بوجود تلك الحلوى… كنت أقول في نفسي: من المؤكد أنه أرسلها مجاملة لوالدي. و في هذا الوقت كنت ألتهم “المرزبانية” واحدة تلو الأخرى.

و بعد ثلاثة أسابيع عاد “أوجوستو” للعمل. قال هذا في أثناء الغداء، و لكن بدلاً من أن يرحل على الفور مثلما فعل المرة السابقة، توقف قليلاً في المدينة، و قبل أن ينصرف طلب من والدي الإذن في أن يأخذني في نزهة بالسيارة و سمح له أبي بذلك من دون حتى أن يسألني رأيي. و أخذنا ندور طوال فترة ما بعد الظهيرة عبر طرقات المدينة، كان هو قليل الكلام، و كان يسألني عن الآثار ثم يلتزم الصمت ليستمع إلي.

كان يصغي إلي! هذا الشئ بالنسبة إلي كان معجزة حقيقة. و في صباح اليوم الذي رحل فيه أرسل إلي باقة من الأزهار الحمراء. كانت أمي منفعلة جداً لذلك، و حاولت أنا التظاهر بغير ذلك، و انتظرت عدة ساعات لأفتح البطاقة و أقرأها. و في فترة وجيزة أصبحت زياراته أسبوعية، فقد كان يأتي إلى “تريستي” كل يوم سبت و يعود إلى مدينته ليعاود الرحيل كل أحد…

و أخيراً كنت أستطيع التحدث معه، كان يقدر ذكائي و رغبتي في المعرفة، وكنت أنا أُعجب برصانته و استعداده للإصغاء. ذلك الشعور بالأمان الذي يمكن أن يعطيه رجل متقدم في السن لأي امرأة شابة.

و تزوجنا في احتفال بسيط في الأول من يونيو 1940 و بعد ذلك بعشرة أيام بدأت الحرب في إيطاليا… لقد كانت هناك الفاشية و القوانين العنصرية و كانت الحرب متفجرة بينما استمررت أنا في الاهتمام بتعاستي الصغيرة الشخصية فقط… فيما عدا أقلية صغيرة من المهتمين بالسياسة كان الجميع في بلدتي يتصرفون بالطريقة نفسها. فعلى سبيل المثال كان أبي يعتبر الحركة الفاشية مجرد تهريج و عندما كان يوجد في المنزل كان يصف الزعيم “بائع البطيخ” و لكن بعد ذلك كان يذهب للعشاء مع زعماء الفاشية و يمكث ليتحدث معهم حتى ساعات متأخرة من الليل.

و بهذه الطريقة نفسها كنت أجد أن فكرة الذهاب إلى السبت الإيطالي و المشي و الغناء و أنا أرتدي ملابس الأرامل فكرة سخيفة و مثيرة للضيق، و لكن على كل حال كنت أذهب، لأنني أعتقد أنه مجرد إزعاج يجب على المرء أن يخضع له ليعيش في هدوء.

من المؤكد أن تصرفاً كهذا لا يُعد تصرفاً رائعاً لكنه كان تصرفاً شائعاً حيث كانت الحياة في هدوء في ذلك الوقت، و ربما الآن أيضاً، هي أحد أهم الأشياء التي يتطلع إليها الإنسان.

ذهبنا لنعيش في منزل عائلة “أوجوستو” و هو منزل كبير في الطابق الأول من قصر فاخر في وسط المدينة. كان مجهزاً بأثاث كئيب و ثقيل، و كانت إضاءته ضعيفة و مظهره يبعث على التشاؤم، و بمجرد أن دخلته شعرت بشئ ما يعتصر قلبي، و سألت نفسي هل يجب أن أعيش هنا مع رجل لم أعرفه سوى ستة أشهر في مدينة ليس لي فيها صديق واحد؟

أدرك زوجي على الفور حالة الاختناق التي حدثت لي، و في أول أسبوعين حاول المستحيل ليخرجني منها. فكنا نأخذ السيارة و نذهب لنتجول بها فوق الجبال و في الجوار يوماً بعد يوم تقريباً. و كلانا كان يتمتع بحب كبير للنزهة… و كنا نستمر في الحديث كثيراً، و كان “أوجوستو” يحب الطبيعة و خاصة الحشرات، و أثناء سيرنا كان يشرح لي أشياء عديدة، فأنا أُدين له بجزء كبير من معرفتي بالعلوم الطبيعية. و في نهاية الأسبوعين اللذين تم اعتبارهما رحلة شهر العسل، عاد هو إلى عمله، و بدأت أنا حياتي وحيدة في المنزل الكبير، و كانت معي خادمة عجوز هي التي كانت تهتم بالأعمال الرئيسية.

و كسائر زوجات الطبقة البرجوازية كان عليّ فقط أن أعد الغداء و العشاء، غير ذلك م يكن لدي أي شئ لأفعله. و كنت قد اعتدت أن أخرج كل يوم وحدي لأقوم بنزهة طويلة كنت أجوب كل الطرقات ذهاباً و إياباً بخطوة غاضبة. فقد كانت تدور في راسي الكثير من الأفكار و بين كل هذه الأفكار لم أنجح في أن أصل لأي شئ. هل أحبه؟ كنت أتساءل و أنا أتوقف فجأة، أم كان الأمر مجرد غلطة كبيرة؟

عندما كنا نجلس على مائدة الطعام أو في المساء في الصالون كنت أنظر إليه و أسأل نفسي و أنا أتطلع إليه عن شعوري، كنت أشعر بالحنين، و من المؤكد أنه هو أيضاً كان يشعر بهذا تجاهي. و لكن هل هذا هو الحب؟ هل كل شئ يكمن في هذا؟ و بما أنني لم أجرب أي شئ آخر لم أنجح في أن أجد لنفسي إجابة. و بعد شهر وصلت الثرثرة الأولى إلى أذن زوجي، وصلت له شائعات غير معروفة: أن الألمانية تذهب لتتجول وحدها في الطرقات في أي وقت. كنت مندهشة لذلك، لقد كبرت على تقاليد مختلفة، و لم أكن قط لأتخيل أن نزهتي البريئة يمكن أن تتسبب في فضيحة. و لقد استاء “أوجوستو” لهذا، و كان قد أدرك أن هذا الشئ غير مفهوم بالنسبة إلي، و لكن على كل حال فلتهدئة الموقف في الجوار و للحفاظ على اسمه سألني أن أتوقف عن التنزه بمفردي.

و بعد مرور ستة اشهر من هذه الحياة شعرت بأنني انطفأت تماماً و أصبح الميت الصغير بداخلي ميتاً ضخماً، و كنت أتصرف كأنني إنسان آلي و فقدت عيناي بريقهما. و عندما كنت أتحدث كنت أشعر كأن كلماتي بعيدة عني، كأنها تخرج من فم إنسان آخر. و في هذا الوقت كنت قد تعرفت على زوجات بعض زملاء “أوجوستو” و كنت ألتقي بِهن يوم الخميس في أحد مقاهي وسط المدينة. و على الرغم من أننا كنا تقريباً متقاربين في السن، فإن الأشياء المشتركة بيننا كانت قليلة جداً. كنا نتحدث اللغة نفسها و لكن ربما كانت هذه هي النقطة الوحيدة المشتركة بيننا.

و بعد فترة قصير من عودته إلى مسقط رأسه بدأ “أوجوستو” يتصرف مثل أي رجل من منطقته. فأثناء تناول الطعام كنا نجلس في سكون، و عندما أجتهد لأقص عليه شيئاً كان يجيبني بنعم أو لا أو بمجرد إيماءات بسيطة، ثم كثيراً ما كان يذهب في المساء إلى النادي، و عندما يجلس في المنزل كان ينفرد في مكتبه و ذلك ليعيد ترتيب مجموعة من الحشرات. و كان حلمه الكبير هو اكتشاف حشرة غير معروفة لأحد و هكذا يصبح اسمه مُخلداً إلى الأبد في الكتب العلمية. أما أنا فكنت أريد أن أُخلد اسمه بطريقة أخرى… فقد كنت أبلغ من العمر ثلاثين عاماً و كنت أشعر بأن الزمن ينزلق من فوق كتفي بسرعة…

و كنت أشعر بأن “أوجوستو” لم يكن يريد سوى شخص يوجد معه في المنزل في أوقات الوجبات، أو أن يعرضه بفخر يوم الأحد في الكنيسة، أما عن الشخص نفسه فبخلاف تلك الصورة المطمئنة لم يكن يهمه شئ. و لكن أين اختفى الشخص الممتع و المستعد دائماً لملاطفتي؟ هل من الممكن أن ينتهي الحب بهذه الطريقة؟

هل كنت أكرهه؟ لا، فلتكرهي أحداً لا بد أن يكون قد جرحك أو سبب لك ألماً. و لكن “أوجوستو” لم يفعل لي أي شئ و تلك كانت الكارثة. فمن الأسهل أن يموت الإنسان من اللاشئ أكثر من الألم، فالإنسان يمكنه أن يتمرد على الألم و لكنه لا يستطيع فعل هذا أمام اللاشئ.

و عادة عندما كنت أتحدث مع والديّ كنت أقول لهما إن كل شئ على ما يرام، كنت أجتهد لأتظاهر بصوت العروس الشابة السعيدة. كانا واثقَين بأنهما تركاني في أيد أمينة و لم أكن أريد أن أهز ثقتهم هذه. كانت أمي دائماً مختبئة في الجبل أما أبي فقد مكث وحده في منزل العائلة مع قريبة له ترعاه. و كان يسألني مرة في الشهر: “أخبار جديدة؟” و كنت أجيبه عادة ب”لا”، ليس بعد. و كان متمسكاً بشدة بأن يكون له حفيد، و مع تقدمه في السن أصبح يتمتع بنوعٍ من الرقة التي لم يكن يمتلكها من قبل، و كنت أشعر به قريباً مني بهذا التغيير و كان يؤسفني أن أُخيب رجاءه. و لكن في الوقت نفسه لم تكن لدي الثقة الكافية التي تسمح لي بأن أقص عليه أسباب هذا العقم المستمر.

و كانت أمي ترسل إلي بخطابات مليئة بالرموز. كانت تكتب لي في مقدمة الورقة: ابنتي الغالية.. ثم تسرد لي بالتفاصيل كل الأشياء الصغيرة التي تحدث لها في أثناء اليوم، و في النهاية كانت تخبرني دائماً بأنها انتهت من العمل في طقم التريكو الذي تصنعه للحفيد المنتظر. و في هذا الوقت كنت أنغلق على ذاتي، و كنت كل صباح أنظر إلى نفسي في المرآة و أجد أنني أصبحت أكثر قبحا…

بما رويته عن زواجي سيبدو شيئاً رهيباً إلى حد كبير و لكن لم يكن هناك ما يدعو إلى الدهشة. ففي ذلك الوقت كانت الزيجات كلها هكذا، جحيم منزلي صغير، فيه، إن آجلاً أو عاجلاً ينهزم أحد الزوجين. و لكن لماذا لا أتمرد؟ لماذا لا آخذ حقيبتي و أعود إلى “تريستي”؟ لأنه في تلك الأيام لم يكن هناك طلاق و لا انفصال. و لإنهاء زواج يجب أن يكون هناك سوء معاملة واضح… و “أوجوستو” لم يرفع مطلقاً معي، لن أقول إصبعه، بل حتى صوته، و لم يجعلني أحتاج إلى شئ على الإطلاق…

كنت أستيقظ كل صباح، و بعد ثلاثة أعوام من الزواج لم تكن لدي سوى فكرة واحدة في رأسي هي الموت.

و لم يكن “أوجوستو” قد تحدث معي مطلقا عن زوجته السابقة، و المرات النادرة التي سألته فيها بحرص، كان يغير الموضوع. و مع مرور الوقت و أنا أسير بين تلك الحجرات الخاوية اقتنعت أن “آدا”، و هو اسم الزوجة الأولى، لم تكن قد ماتت بسبب مرض أو مأساة و لكنها انتحرت. و عندما كانت الخادمة تخرج كنت أقضي وقتي في محاولة خلع الموائد الخشبية و إعادة ترتيب الأدراج، كنت أبحث بعصبية عن دليل، عن أي علامة تؤكد شكي هذا.

و في يوم ممطر، و في قاع أحد الدواليب وجدت ملابس امرأة، إنها ملابسها. أخرجت أحد أثوابها الداكنة و ارتديته، كنا تقريباً نرتدي المقاس نفسه. و عندما نظرت إلى نفسي في المرآة بدأت أبكي. كنت أبكي بطريقة مُهينة من دون أي نحيب كمن أدرك أن قدره تحدَّد بالفعل.

و في إحدى زوايا المنزل كان يوجد مصلى من الخشب الثقيل و الذي كان ملكاً لوالدة “أوجوستو” و قد كانت امرأة متدينة جداً. و عندما لم أكن أجد ما أفعله كنت أغلق على نفسي في هذه الحجرة و أجلس هناك بالساعات و يداي معقودتان. هل كنت أصلي؟ لا أعرف… كنت أقول: يا إلهي، اجعلني أعثر على طريقي، و إذا كان هذا هو طريقي ساعدني على احتماله…

و لم يكن أي شئ ينجح في أن يخرجني من البلادة، فقد كنت أرى في تسلسل واحد رتيب و أُحادي اللون سنواتي و هي تمر الواحدة تلو الأخرى حتى الموت.

أتعلمين ما الخطأ الذي نقع فيه دائماً؟ هو أن نعتقد أن الحياة ثابتة، و أنه إذا اتخذنا في طريقنا رصيفاً معيناً يجب أن نعبره حتى النهاية… ففي اللحظة التي تعتقدين فيها أنكِ في وضع لا مخرج منه، و عندما تصلين إلى القمة النهائية لليأس، يتغير كل شئ في قبض الريح و ينقلب كل شئ، و بين اللحظة و الأخرى تجدين نفسك تعيشين حياة جديدة…

اذهب حيث يقودك قلبك

من الصفحة 116 إلى 136
اذهب حيث يقودك قلبك
سوزانا تامارو
ترجمة د أماني فوزي حبشي
مراجعة د أيمن عبد الحميد الشيوي
سلسلة إبداعات عالمية
العدد 399 فبراير 2014

va-dove-ti-porta-il-cuore

“هناك حقائق تحمل في طياتها معنى الحرية، و حقائق أخرى تحتوي معاني مرعبة.”

و في الخلف كتب المُنَجِّم:

“مسيرة صعبة، يجب أن تتسلحي بكل الفضائل لتجتازيها حتى النهاية..”

Follow your heart

لقد تزوجت أمي في عمر السادسة عشرة، و أنجبتني و هي تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً. في مرحلة طفولتي كلها، بل طيلة حياتي، لم أرها مطلقاً تعاملني بحنان. لم تتزوج عن حب، لم يجبرها أحد على ذلك، لقد أجبرت هي نفسها… كانت تطمع في امتلاك لقب من ألقاب النبلاء.

أما أبي، و الذي كان يكبرها في السن، بارون و يهوى الموسيقى، قد سحرته موهبتها في الغناء.

و بعد أن أنجبا الوريث الذي كان مهماً للحفاظ على اسم العائلة، عاشا غريقين في النكد و المشاحنات حتى نهاية أيامهما.

ماتت أمي غير راضية و نادمة، من دون أن ينتابها أدنى شك في أنها على الأقل اشتركت بطريقة أو بأخرى في هذا الخطأ. بل كانت مقتنعة بأن العالم هو القاسي جداً، لأنه لم يسمح لها باختيارات أفضل. و كنت أنا مختلفة كثيراً عنها. و بالفعل في سن السابعة، بعد أن عبرت مرحلة الاعتماد الطفولي عليها، بدأت لا أحتملها.

لقد عانيت كثيراً بسببها، كانت تثور باستمرار، و كانت ثورتها دائماً بسبب أشياء خارجية فقط. فقد كان كمالها المزعوم يُشعرني بأنني شريرة، و كانت الوحدة هي ثمن شري. في البداية بذلت بعض المحاولات لأكون مثلها، لكنها كانت محاولات فاشلة، و كانت تنتهي غالباً باليأس. و كلما كنت أحاول ذلك كنت أشعر بالضيق. فالتخلي عن الذات يؤدي إلى اليأس، و بين اليأس و الغضب خيط رفيع.

عندما أدركت بأن حب أمي هو شئ متعلق بالمظاهر فقط، يتعلق بما يجب أن أكون عليه، و ليس بما كنت عليه، بدأت أشعر في السر و في خفايا قلبي بأنني أكرهها فعلاً.

و لأهرب من هذا الشعور كنت ألجأ لعالمي الخاص. في المساء، في فراشي و أنا أخفي الضوء بقطعة قماش كنت أقرأ كتب المغامرات حتى ساعات متأخرة من الليل. و كنت أحب التخيل جداً، لفترة من الزمن كنت أحلم بأنني قرصانة أعيش في بحر الصين، و كنت قرصانة مختلفة تماماً لأنني كنت أسرق ليس لنفسي، بل لأعطي كل شئ للفقراء.

و من خيالات العصابات وصلت إلى تلك الخيالات الخاصة بالنزعة الخيرية، كنت أفكر أنه بعد تخرجي في كلية الطب يمكنني الذهاب إلى أفريقيا للعناية بالأفارقة الفقراء.

و في سن الرابعة عشرة… أدركت أنني لن أستطيع مطلقاً أن أعالج أي إنسان لأن هوايتي الوحيدة الحقيقية هي علم الآثار. و من بين كل الأعمال الأخرى التي تخيلت أنني سأقوم بها، أعتقد أن تلك كانت هي الهواية الوحيدة التي تناسبني.

و بالفعل لأحقق هذا الحلم، قمت بالمعركة الأولى و الوحيدة مع أبي، تلك الخاصة بالتحاقي بالقسم الأدبي في دراستي الثانوية. لم يكن يريد أن يسمعني أتحدث عن هذا الموضوع، كان يقول إن هذا لن يفيد في شئ، و إنه إذا كنت أريد بالفعل أن أدرس، كان من الأفضل أن أتعلم اللغات. و لكنني في النهاية نجحت.

و في اللحظة التي كنت أعبر فيها بوابة المدرسة الثانوية، كنت واثقة تماماً بأنني فزت. و لكنني كنت واهمة. و عندما أعلنت له في نهاية دراساتي العليا عن رغبتي في استكمال دراستي الجامعية في روما، كانت إجابته نهائية: “لن نتحدث حتى عن هذا.”

و أنا، كما كان يحدث في ذلك الوقت، أطعت من دون حتى أن أتنفس. لا يجب أن يعتقد المرء أن الفوز في أحد المعارك يعني الفوز في الحرب. إنه خطأ الشباب. عندما أفكر في هذا الأمر الآن، أعتقد أنني لو أصررت على رأيي، كان والدي سيوافق في النهاية.

كان رفضه الحاسم هذا يُعد جزءاً من النظام التربوي في ذلك الوقت. في الواقع لم يكن الآباء يؤمنون بقدرة الشباب على اتخاذ قراراتهم الخاصة، و بالتالي، عندما كانوا يُظهرون رغبة مختلفة، كانوا يحاولون أن يضعونهم تحت الاختبار. و نظراً إلى أنني قد تراجعت أمام أول عائق، كان الأمر جلياً جداً بالنسبة إليهم أنها ليست رغبة حقيقة و لكن مجرد أمنية عابرة.

كان الأبناء، بالنسبة إلى أبي و أمي، قبل كل شئ واجباً ظاهرياً. و بالتالي كانوا يُهملون تطورنا الداخلي، بل كانوا يتعاملون بقسوة متناهية مع الجوانب الأكثر تفاهة في التربية. كان يجب علي أن أجلس معتدلة على مائدة الطعام و ركبتاي قريبتان من جسدي. و لم يكن مهماً بالنسبة إليهما إذا ما كان ذلك يصيبني بالرغبة في الانتحار.

إن المظهر هو كل شئ، أي شئ بعيد عن ذلك كان لا يليق. هكذا كبرت و بداخلي الشعور بأنني شئ شبيه بالقرد الذي يجب تدريبه جيداً و ليس الإنسان، شخص له أفراحه و أتراحه، شخص يحتاج لأن يكون محبوباً.

و من هنا وُلد الضيق بداخلي مبكراً جداً، إحساس كبير بالوحدة، وحدة أصبحت هائلة بمرور الوقت، نوع من الفراغ الذي يحدث لعجلات السيارات، و الذي فيه كنت أتحرك في حركات بطيئة و سخيفة مثل حركات الغواص. و كانت الوحدة تُولد أيضاً من التساؤلات، تساؤلات كنت أطرحها على نفسي و لم أكن أعرف كيف أُجيب عنها. فبدءاً من الرابعة أو الخامسة من عمري كنت أنظر حولي و أتساءل: “لماذا أنا هنا؟ من أين أتيت؟ و من أين أتت كل الأشياء التي آراها حولي، ماذا وراء كل هذا، هل كانت كلها هنا أيضاً و أنا غير موجودة، هل ستبقى إلى الأبد؟” كنت أسأل نفسي كل الأسئلة التي يتساءلها الأطفال الحساسون عندما يواجهون العالم المعقد. و كنت مقتنعة بأنه حتى إذا كان الكبار يطرحون تلك الأسئلة، فهم قادرون على الإجابة عنها. و لكن بعد محاولتين أو ثلاث مع أمي و المربية استنتجت أنهم لم يتوصلوا إلى إجابات، بل لم يطرحوا تلك الأسئلة على أنفسهم أصلاً.

و هكذا تزايد لدي الشعور بالوحدة… كنت مجبرة أن أحل وحدي كل لغز بقوتي أنا فقط، و كلما كان الوقت يمر، كنت أسأل نفسي عن كل شئ، و كانت الأسئلة تزداد حجماً و فظاظة في كل مرة…

و في السادسة كان لقائي الأول مع الموت. كان أبي يمتلك كلب صيد. كان وديعاً و حنوناً، كنا رفيقي المفضل في اللعب…

و في صباح أحد الأيام، و عند عودتي من المدرسة، لم أجده ينتظرني بجوار مدخل المنزل. في البداية اعتقدت أنه ذهب إلى مكان ما مع والدي، و لكن عندما رأيت والدي جالساً بهدوء في مكتبه و “أرجو” لا يجلس عند قدميه، انتابني قلق شديد، خرجت و أخذت أصيح بأعلى صوتي أناديه في كل أرجاء الحديقة، و عدت إلى الداخل و أخذت أبحث عنه في المنزل كله…

و في المساء، في اللحظة التي كنت أعطي فيها والديَّ قبلة المساء الإجبارية، استجمعت شجاعتي كلها و سألت أبي: “أين أرجو؟” أجابني دون أن يرفع نظره عن الجريدة: “أرجو، رحل بعيداً.” فسألته: “و لماذا؟ -“لأنه تعب جداً من مضايقاتك”.

و لكن ماذا كان في هذه الإجابة؟ عدم لياقة؟ تعالٍ؟ سادية؟ في اللحظة التي سمعت فيها تلك الكلمات كُسِرَ شئ ما بداخلي. بدأت لا أنام في الليل، و كان يكفي أن يحدث شئ بسيط جداً حتى أنفجر في النحيب. و بعد شهر أو شهرين تم استدعاء طبيب الأطفال.

قال: “إن الطفلة ضعيفة جداً”، و أعطاني زيت كبد السمك. و لم يسألني أحد مطلقاً عن سبب عدم نومي، أو عن سبب إمساكي دائماً، و في كل مكان، كرة “أرجو” المتآكلة.

و لهذا الحدث أعهد ببدايتي سن البلوغ. في السادسة من عمري، أجل تماماً في سن السادسة. فقد رحل “أرجو” لأنني كنت شريرة، إذن فإن تصرفاتي كانت تؤثر فيمن حولي، كانت تؤثر و تتسبب في الاختفاء، في الدمار. و منذ تلك اللحظة و فيما بعد ذلك لم تعد تصرفاتي بسيطة و تلقائية.

فبسبب رعبي أن أقترف خطأ آخر، قمت بتقليل تصرفاتي إلى أقصى درجة، و بالتالي أصبحت بليدة و مترددة. و في الليل كنت أمسك بالكرة الصغيرة بين يدي و كنت أقول و أنا أبكي: “أرجو، أرجو، عد حتى إن كنت قد أخطأت، فأنا أحبك أكثر من الجميع”…

في تربية الأطفال عادة ما يكون للنفاق سلطته.

أتذكر جيداً في إحدى المرات و أنا أتنزه مع والدي بالقرب من حظيرة، عثرت على طير ميت، و من دون أي شعور بالخوف أمسكته بيدي و أريته إياه. فصاح على الفور: “ضعيه أرضاً، ألا ترين أنه نائم؟”

كان الموت مثل الحب، موضوع لا يجب الخوض فيه.

ألم يكن من الأفضل ألف مرة إذا كانوا قد قالوا لي إن “أرجو” مات؟ كان من الممكن أن يأخذني أبي بين ذراعيه و يقول لي: “لقد قتلته لأنه كان مريضاً و يعاني كثيراً، و هو مسرور جداً حيث هو الآن.” كان من الممكن أن أبكي أكثر، و ربما كنت قد شعرت بالإحباط، و لمدة شهور و شهور كنت سأذهب للمكان الذي دُفن فيه، و كنت سأتحدث معه طويلاً. ثم، رويداً رويدا كنت سأبدأ في نسيانه، كانت ستهمني أشياء أخرى و كانت ستصبح لي هوايات جديدة، و كان “أرجو” سينزلق في عمق أفكاري كالذكرى، ذكرى جميلة لطفولتي. و لكن بهذه الطريقة أصبح “أرجو” هو الموت الصغير الذي أحمله بداخلي.

و من ثم أقول إنه في سن السادسة كنت قد نضجت بالفعل، لأنه بدلاً من الفرح أصبحت أشعر بالقلق، و بدلاً من الفضول أصبحت أشعر باللامبالاة. هل كان أبواي وحشين؟!

أبدأً، مطلقاً، ففي هذا الزمن كانا طبيعيَن جداً.

فقط عندما أصبحت أمي مُسنة بدأت تقص علي أشياء عن طفولتها. كانت أمها قد توفيت و هي لا تزال طفلة، و قبل أن تلدها كانت رُزقت بولد، أصيب في سن الثالثة بالتهاب رئوي. و كانت قد حملت بها بعد ذلك على الفور، و لكن حظها كان سيئاً إذ لم تكن أنثى فقط، بل وُلدت في اليوم نفسه الذي فيه توفي أخوها. و حتى تتذكر ذلك الحدث الحزين، ألبسوها ملابس الحِداد و هي في سن الرضاعة، و علقوا فوق فراشها الصغير لوحة زيتية كبيرة لأخيها. و كان الغرض من هذا أن تتذكر، بمجرد أن تفتح عينيها، أنها ليست سوى بديل، مجرد نسخة بلا لون لشخص أفضل…

كيف يمكنني إذن أن ألومها؟ كيف يمكن أن يلومها أحد على مشاعرها الباردة، على اختياراتها الخاطئة، و عن كونها بعيدة عن الجميع؟

حتى القرود إذا تربت في معمل معقم بدلاً من الأم الحقيقية، يصيبهم الحزن بعد فترة و يتركون أنفسهم فريسة للموت. و إذا عدنا أكثر إلى الوراء، لنرى والدتها، أو والدة والدتها، من يدري ماذا يمكننا أن نجد أيضاً؟

إن اعتياد التعاسة عادة ما يتبع التسلسل النسائي. مثل بعض الصفات الوراثية، فهو يعبر من الأم إلى الابنة. و أثناء عبوره، و بدلاً من أن يصبح أهون، يصبح أكثر كثافة بالتدريج، يصبح أكثر ثباتاً و عمقاً. بالنسبة إلى الرجال فالأمر مختلف جداً، كانت لديهم المهنة و السياسة و الحرب، فكان يمكن بذلك لطاقاتهم أن تخرج و أن تنتشر.

أما نحن فالأمر ليس كذلك. فنحن و لمدة أجيال و أجيال، لم نتردد سوى على غرفة النوم و المطبخ و الحمام، قمنا بعمل الآلاف و الآلاف من الخطوات و التصرفات و نحن نحمل بداخلنا الشعور نفسه بالحقد، الشعور نفسه بعدم الرضا…

…عندما كنا نذهب في ليلة عيد العذراء فوق النتوء الجبلي لنشاهد الصواريخ الصناعية التي كانت تُطلق من المياه، في كل فترة كان يوجد صاروخ من تلك الصواريخ، لا ينجح في الوصول إلى السماء على الرغم من انفجاره. عندما أفكر في حياة أمي، و حياة جدتي، عندما أفكر في العديد من الأشخاص الذين عرفتهم، تعود إلى ذاكرتي فوراً تلك الصورة: نيران تنفجر و لا تنجح في الصعود إلى أعلى.

اذهب حيث يقودك قلبك

من الصفحة 43 إلى 51
اذهب حيث يقودك قلبك
سوزانا تامارو
ترجمة د أماني فوزي حبشي
مراجعة د أيمن عبد الحميد الشيوي
سلسلة إبداعات عالمية
العدد 399 فبراير 2014

va-dove-ti-porta-il-cuore

“هناك حقائق تحمل في طياتها معنى الحرية، و حقائق أخرى تحتوي معاني مرعبة.”