و في الخلف كتب المُنَجِّم:

“مسيرة صعبة، يجب أن تتسلحي بكل الفضائل لتجتازيها حتى النهاية..”

Follow your heart

لقد تزوجت أمي في عمر السادسة عشرة، و أنجبتني و هي تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً. في مرحلة طفولتي كلها، بل طيلة حياتي، لم أرها مطلقاً تعاملني بحنان. لم تتزوج عن حب، لم يجبرها أحد على ذلك، لقد أجبرت هي نفسها… كانت تطمع في امتلاك لقب من ألقاب النبلاء.

أما أبي، و الذي كان يكبرها في السن، بارون و يهوى الموسيقى، قد سحرته موهبتها في الغناء.

و بعد أن أنجبا الوريث الذي كان مهماً للحفاظ على اسم العائلة، عاشا غريقين في النكد و المشاحنات حتى نهاية أيامهما.

ماتت أمي غير راضية و نادمة، من دون أن ينتابها أدنى شك في أنها على الأقل اشتركت بطريقة أو بأخرى في هذا الخطأ. بل كانت مقتنعة بأن العالم هو القاسي جداً، لأنه لم يسمح لها باختيارات أفضل. و كنت أنا مختلفة كثيراً عنها. و بالفعل في سن السابعة، بعد أن عبرت مرحلة الاعتماد الطفولي عليها، بدأت لا أحتملها.

لقد عانيت كثيراً بسببها، كانت تثور باستمرار، و كانت ثورتها دائماً بسبب أشياء خارجية فقط. فقد كان كمالها المزعوم يُشعرني بأنني شريرة، و كانت الوحدة هي ثمن شري. في البداية بذلت بعض المحاولات لأكون مثلها، لكنها كانت محاولات فاشلة، و كانت تنتهي غالباً باليأس. و كلما كنت أحاول ذلك كنت أشعر بالضيق. فالتخلي عن الذات يؤدي إلى اليأس، و بين اليأس و الغضب خيط رفيع.

عندما أدركت بأن حب أمي هو شئ متعلق بالمظاهر فقط، يتعلق بما يجب أن أكون عليه، و ليس بما كنت عليه، بدأت أشعر في السر و في خفايا قلبي بأنني أكرهها فعلاً.

و لأهرب من هذا الشعور كنت ألجأ لعالمي الخاص. في المساء، في فراشي و أنا أخفي الضوء بقطعة قماش كنت أقرأ كتب المغامرات حتى ساعات متأخرة من الليل. و كنت أحب التخيل جداً، لفترة من الزمن كنت أحلم بأنني قرصانة أعيش في بحر الصين، و كنت قرصانة مختلفة تماماً لأنني كنت أسرق ليس لنفسي، بل لأعطي كل شئ للفقراء.

و من خيالات العصابات وصلت إلى تلك الخيالات الخاصة بالنزعة الخيرية، كنت أفكر أنه بعد تخرجي في كلية الطب يمكنني الذهاب إلى أفريقيا للعناية بالأفارقة الفقراء.

و في سن الرابعة عشرة… أدركت أنني لن أستطيع مطلقاً أن أعالج أي إنسان لأن هوايتي الوحيدة الحقيقية هي علم الآثار. و من بين كل الأعمال الأخرى التي تخيلت أنني سأقوم بها، أعتقد أن تلك كانت هي الهواية الوحيدة التي تناسبني.

و بالفعل لأحقق هذا الحلم، قمت بالمعركة الأولى و الوحيدة مع أبي، تلك الخاصة بالتحاقي بالقسم الأدبي في دراستي الثانوية. لم يكن يريد أن يسمعني أتحدث عن هذا الموضوع، كان يقول إن هذا لن يفيد في شئ، و إنه إذا كنت أريد بالفعل أن أدرس، كان من الأفضل أن أتعلم اللغات. و لكنني في النهاية نجحت.

و في اللحظة التي كنت أعبر فيها بوابة المدرسة الثانوية، كنت واثقة تماماً بأنني فزت. و لكنني كنت واهمة. و عندما أعلنت له في نهاية دراساتي العليا عن رغبتي في استكمال دراستي الجامعية في روما، كانت إجابته نهائية: “لن نتحدث حتى عن هذا.”

و أنا، كما كان يحدث في ذلك الوقت، أطعت من دون حتى أن أتنفس. لا يجب أن يعتقد المرء أن الفوز في أحد المعارك يعني الفوز في الحرب. إنه خطأ الشباب. عندما أفكر في هذا الأمر الآن، أعتقد أنني لو أصررت على رأيي، كان والدي سيوافق في النهاية.

كان رفضه الحاسم هذا يُعد جزءاً من النظام التربوي في ذلك الوقت. في الواقع لم يكن الآباء يؤمنون بقدرة الشباب على اتخاذ قراراتهم الخاصة، و بالتالي، عندما كانوا يُظهرون رغبة مختلفة، كانوا يحاولون أن يضعونهم تحت الاختبار. و نظراً إلى أنني قد تراجعت أمام أول عائق، كان الأمر جلياً جداً بالنسبة إليهم أنها ليست رغبة حقيقة و لكن مجرد أمنية عابرة.

كان الأبناء، بالنسبة إلى أبي و أمي، قبل كل شئ واجباً ظاهرياً. و بالتالي كانوا يُهملون تطورنا الداخلي، بل كانوا يتعاملون بقسوة متناهية مع الجوانب الأكثر تفاهة في التربية. كان يجب علي أن أجلس معتدلة على مائدة الطعام و ركبتاي قريبتان من جسدي. و لم يكن مهماً بالنسبة إليهما إذا ما كان ذلك يصيبني بالرغبة في الانتحار.

إن المظهر هو كل شئ، أي شئ بعيد عن ذلك كان لا يليق. هكذا كبرت و بداخلي الشعور بأنني شئ شبيه بالقرد الذي يجب تدريبه جيداً و ليس الإنسان، شخص له أفراحه و أتراحه، شخص يحتاج لأن يكون محبوباً.

و من هنا وُلد الضيق بداخلي مبكراً جداً، إحساس كبير بالوحدة، وحدة أصبحت هائلة بمرور الوقت، نوع من الفراغ الذي يحدث لعجلات السيارات، و الذي فيه كنت أتحرك في حركات بطيئة و سخيفة مثل حركات الغواص. و كانت الوحدة تُولد أيضاً من التساؤلات، تساؤلات كنت أطرحها على نفسي و لم أكن أعرف كيف أُجيب عنها. فبدءاً من الرابعة أو الخامسة من عمري كنت أنظر حولي و أتساءل: “لماذا أنا هنا؟ من أين أتيت؟ و من أين أتت كل الأشياء التي آراها حولي، ماذا وراء كل هذا، هل كانت كلها هنا أيضاً و أنا غير موجودة، هل ستبقى إلى الأبد؟” كنت أسأل نفسي كل الأسئلة التي يتساءلها الأطفال الحساسون عندما يواجهون العالم المعقد. و كنت مقتنعة بأنه حتى إذا كان الكبار يطرحون تلك الأسئلة، فهم قادرون على الإجابة عنها. و لكن بعد محاولتين أو ثلاث مع أمي و المربية استنتجت أنهم لم يتوصلوا إلى إجابات، بل لم يطرحوا تلك الأسئلة على أنفسهم أصلاً.

و هكذا تزايد لدي الشعور بالوحدة… كنت مجبرة أن أحل وحدي كل لغز بقوتي أنا فقط، و كلما كان الوقت يمر، كنت أسأل نفسي عن كل شئ، و كانت الأسئلة تزداد حجماً و فظاظة في كل مرة…

و في السادسة كان لقائي الأول مع الموت. كان أبي يمتلك كلب صيد. كان وديعاً و حنوناً، كنا رفيقي المفضل في اللعب…

و في صباح أحد الأيام، و عند عودتي من المدرسة، لم أجده ينتظرني بجوار مدخل المنزل. في البداية اعتقدت أنه ذهب إلى مكان ما مع والدي، و لكن عندما رأيت والدي جالساً بهدوء في مكتبه و “أرجو” لا يجلس عند قدميه، انتابني قلق شديد، خرجت و أخذت أصيح بأعلى صوتي أناديه في كل أرجاء الحديقة، و عدت إلى الداخل و أخذت أبحث عنه في المنزل كله…

و في المساء، في اللحظة التي كنت أعطي فيها والديَّ قبلة المساء الإجبارية، استجمعت شجاعتي كلها و سألت أبي: “أين أرجو؟” أجابني دون أن يرفع نظره عن الجريدة: “أرجو، رحل بعيداً.” فسألته: “و لماذا؟ -“لأنه تعب جداً من مضايقاتك”.

و لكن ماذا كان في هذه الإجابة؟ عدم لياقة؟ تعالٍ؟ سادية؟ في اللحظة التي سمعت فيها تلك الكلمات كُسِرَ شئ ما بداخلي. بدأت لا أنام في الليل، و كان يكفي أن يحدث شئ بسيط جداً حتى أنفجر في النحيب. و بعد شهر أو شهرين تم استدعاء طبيب الأطفال.

قال: “إن الطفلة ضعيفة جداً”، و أعطاني زيت كبد السمك. و لم يسألني أحد مطلقاً عن سبب عدم نومي، أو عن سبب إمساكي دائماً، و في كل مكان، كرة “أرجو” المتآكلة.

و لهذا الحدث أعهد ببدايتي سن البلوغ. في السادسة من عمري، أجل تماماً في سن السادسة. فقد رحل “أرجو” لأنني كنت شريرة، إذن فإن تصرفاتي كانت تؤثر فيمن حولي، كانت تؤثر و تتسبب في الاختفاء، في الدمار. و منذ تلك اللحظة و فيما بعد ذلك لم تعد تصرفاتي بسيطة و تلقائية.

فبسبب رعبي أن أقترف خطأ آخر، قمت بتقليل تصرفاتي إلى أقصى درجة، و بالتالي أصبحت بليدة و مترددة. و في الليل كنت أمسك بالكرة الصغيرة بين يدي و كنت أقول و أنا أبكي: “أرجو، أرجو، عد حتى إن كنت قد أخطأت، فأنا أحبك أكثر من الجميع”…

في تربية الأطفال عادة ما يكون للنفاق سلطته.

أتذكر جيداً في إحدى المرات و أنا أتنزه مع والدي بالقرب من حظيرة، عثرت على طير ميت، و من دون أي شعور بالخوف أمسكته بيدي و أريته إياه. فصاح على الفور: “ضعيه أرضاً، ألا ترين أنه نائم؟”

كان الموت مثل الحب، موضوع لا يجب الخوض فيه.

ألم يكن من الأفضل ألف مرة إذا كانوا قد قالوا لي إن “أرجو” مات؟ كان من الممكن أن يأخذني أبي بين ذراعيه و يقول لي: “لقد قتلته لأنه كان مريضاً و يعاني كثيراً، و هو مسرور جداً حيث هو الآن.” كان من الممكن أن أبكي أكثر، و ربما كنت قد شعرت بالإحباط، و لمدة شهور و شهور كنت سأذهب للمكان الذي دُفن فيه، و كنت سأتحدث معه طويلاً. ثم، رويداً رويدا كنت سأبدأ في نسيانه، كانت ستهمني أشياء أخرى و كانت ستصبح لي هوايات جديدة، و كان “أرجو” سينزلق في عمق أفكاري كالذكرى، ذكرى جميلة لطفولتي. و لكن بهذه الطريقة أصبح “أرجو” هو الموت الصغير الذي أحمله بداخلي.

و من ثم أقول إنه في سن السادسة كنت قد نضجت بالفعل، لأنه بدلاً من الفرح أصبحت أشعر بالقلق، و بدلاً من الفضول أصبحت أشعر باللامبالاة. هل كان أبواي وحشين؟!

أبدأً، مطلقاً، ففي هذا الزمن كانا طبيعيَن جداً.

فقط عندما أصبحت أمي مُسنة بدأت تقص علي أشياء عن طفولتها. كانت أمها قد توفيت و هي لا تزال طفلة، و قبل أن تلدها كانت رُزقت بولد، أصيب في سن الثالثة بالتهاب رئوي. و كانت قد حملت بها بعد ذلك على الفور، و لكن حظها كان سيئاً إذ لم تكن أنثى فقط، بل وُلدت في اليوم نفسه الذي فيه توفي أخوها. و حتى تتذكر ذلك الحدث الحزين، ألبسوها ملابس الحِداد و هي في سن الرضاعة، و علقوا فوق فراشها الصغير لوحة زيتية كبيرة لأخيها. و كان الغرض من هذا أن تتذكر، بمجرد أن تفتح عينيها، أنها ليست سوى بديل، مجرد نسخة بلا لون لشخص أفضل…

كيف يمكنني إذن أن ألومها؟ كيف يمكن أن يلومها أحد على مشاعرها الباردة، على اختياراتها الخاطئة، و عن كونها بعيدة عن الجميع؟

حتى القرود إذا تربت في معمل معقم بدلاً من الأم الحقيقية، يصيبهم الحزن بعد فترة و يتركون أنفسهم فريسة للموت. و إذا عدنا أكثر إلى الوراء، لنرى والدتها، أو والدة والدتها، من يدري ماذا يمكننا أن نجد أيضاً؟

إن اعتياد التعاسة عادة ما يتبع التسلسل النسائي. مثل بعض الصفات الوراثية، فهو يعبر من الأم إلى الابنة. و أثناء عبوره، و بدلاً من أن يصبح أهون، يصبح أكثر كثافة بالتدريج، يصبح أكثر ثباتاً و عمقاً. بالنسبة إلى الرجال فالأمر مختلف جداً، كانت لديهم المهنة و السياسة و الحرب، فكان يمكن بذلك لطاقاتهم أن تخرج و أن تنتشر.

أما نحن فالأمر ليس كذلك. فنحن و لمدة أجيال و أجيال، لم نتردد سوى على غرفة النوم و المطبخ و الحمام، قمنا بعمل الآلاف و الآلاف من الخطوات و التصرفات و نحن نحمل بداخلنا الشعور نفسه بالحقد، الشعور نفسه بعدم الرضا…

…عندما كنا نذهب في ليلة عيد العذراء فوق النتوء الجبلي لنشاهد الصواريخ الصناعية التي كانت تُطلق من المياه، في كل فترة كان يوجد صاروخ من تلك الصواريخ، لا ينجح في الوصول إلى السماء على الرغم من انفجاره. عندما أفكر في حياة أمي، و حياة جدتي، عندما أفكر في العديد من الأشخاص الذين عرفتهم، تعود إلى ذاكرتي فوراً تلك الصورة: نيران تنفجر و لا تنجح في الصعود إلى أعلى.

اذهب حيث يقودك قلبك

من الصفحة 43 إلى 51
اذهب حيث يقودك قلبك
سوزانا تامارو
ترجمة د أماني فوزي حبشي
مراجعة د أيمن عبد الحميد الشيوي
سلسلة إبداعات عالمية
العدد 399 فبراير 2014

va-dove-ti-porta-il-cuore

“هناك حقائق تحمل في طياتها معنى الحرية، و حقائق أخرى تحتوي معاني مرعبة.”

2 thoughts on “و في الخلف كتب المُنَجِّم:

  1. لتو أنهيت الرواية وبدأت بشر اﻻقتباسات على صفحتي بالفيس بوك رواية جداً رائعة و عميقة تحمل روح اﻻنسان والأنثى والفرح والحكمة عشت مع الجدة ودورها وكل مشاعرها كم نحن قساة على اﻻجداد نظنهم هرمو لكنهم شباب بعقلهم و أرواحهم وجمال نقاء قلوبهم. شكرا لكم مجدد على طرحكم

    إعجاب

    • لاحظتي كيف أن توحد تاريخهن بالمعاناة بدلاً من أن يجمعهن بدائرة واحدة، جعل كل واحدة منهن تتكثف في نقطة محاطة بالأسلاك الشائكة المُكهربة؟ و حتى مع اختلاف الأشياء، فهذه ثقافة تبرمجت عليها ذهنية الأنثى في كل العالم تقريباً تجعلها تذوب في آلامها الذاتية وتتضخم بتشربها إياها أناها و لا تعود تشعر إلا بعذابها الشخصي الذي يجعلها أنانية في خياراتها حتى لو ورَّثت عذابها نفسها للتي تليها، و يبقى يتراكم من جيل لجيل و يكبر حتى لا يمكن معالجته إلا بتصريف الإحتقان قبل انفجاره، و هذه ما فعلته الجدة متأخرة، و قد كانت ورثت العذاب من والدتها و أورثته لابنتها التي نقلته بدورها لابنتها (الحفيدة).

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s