ما يفعله المحبَطون بالمحبَطين

شريحة1

عندما تشعر بالإحباط تكون إحباطات الآخرين (لو أنت سمحْت لها بالتسرب إلى مساحة إحباطك الخاص) أشد خطراً عليك من إحباطك الشخصي؛ أما حين يكون من المتعذر اختراق حصانتك المنيعة ضد أي إحباط يصير الاقتراب منك أنت خطراً على المحبَطين أنفسهم.

إن كنت مبتهجاً بطبيعتك؛ فإن حماستك ستستفز غضب العالقين في دوائر معاناتهم، مجرد مشاهدتك و أنت تقضي أياماً ممتعة على هذه الأرض ستثير مخزون استياءاتهم تجاه كل تلك الأشياء القديمة المتكدسة في أعماقهم؛ فتَرَفَق بهم و بنفسك و خفف من ظهورك في حيزهم.

أما إن كنت أنت ذلك المحبَط الغاضب فقم بعزل ذلك الاحتقان عن كل ما يمكن أن يكون مصدراً محتملاً لتغذيته، و حاصره و هو فيك حتى تتجنب تلويث مجالات المحيطين بك بالصديد الذي سيتفجر منه حين يطفح و تقوم بفضه من أجل تفريغه.

 

الغضب المتصاعد بداخل النفس، كانت له وظيفة في وقته، و لكن بعد أن تمت مراكمته، تحول إلى بثرة كبيرة فاسدة، مع إهماله سيبقى يتضخم و يستمر بالانتشار حتى يشوه حقيقتك. الغضب المكبوت هو ما يدمر عالمنا و ليس الغضب المُعبَر عنه في حينه؛ اكتشف طريقتك المثلى بالتعبير و مارسها، سوف تلاحظ أنك عرفت ما هي مهارتك، سيتلاشى الغضب مع الوقت، و سيتبقى إبداعك.

الكلمة هي الفعل

IMG_3638

كنت قد أشرت هنا إلى تطبيقي لبرنامج Find Your Word 2016 بغرض التوصل إلى وضع عنوان عريض ليكون الإطار العام لكل ما ستحتويه السنة، و كانت “الكلمة” قد ظهرت معي منذ اليوم الثالث و مع هذا أكملت اليومين المتبقيين (لأتأكد).

كانت تلك “الكلمة” تُصدِر وميضاً خافتاً خلف كل كلمة من كلماتي العشرين الأولى، ثم أخذت تزيد حدة و سرعة تتابع ومضاتها بينما أقوم بتصفية العشرين إلى الخمس كلمات النهائية، حتى تحولت بالأخير إلى لطخة كبيرة مضيئة بقيت تنتشر حتى غطت كل الأوراق.

كلمة واحدة تُخبر عن امتلاك الجاهزية القصوى لتكريس الوقت و المساحة و الطاقة التي تعادل حجم أهمية كل ما هو مهم لدي، أو لنقل؛ لدى غيري! لأنني (و كما في كثير من شئون الحياة الاعتيادية) اضطر لاختلاس النظر إلى أوراق الآخرين لأعرف كيف سأُقَدِر مقدار أهمية بعض الأشياء.

أُغافل القرد الصغير العابث بداخلي الذي قد يقود أي أحد إلى الجنون (و لكنني أتعايش معه بشكل جيد)، و أجرب تنظيم العفوية الطاغية التي تدير أيامي. و أدري كم يصعب على الذين يعرفوني الاقتناع بأن كل ما أعمله و كل ما أنجزته في حياتي نابع من عفوية الطفل فيَّ.

كل هذا الذي ترونه مني، و كل الذي أخفيه عنكم كذلك، هي أشيائي التي أحب، لا يمكنني أن أمارس إلا ما يثير شغفي، و قد عملت على التأكد من ذلك عندما سلمت السنة و نصف الماضية بالكامل لتسير “على البركة” و بقيت كل الأمور تتالى في سريان و بلا جهد مني.

لم تتبدل معايير أدائي، ما زال حرصي على الإتقان، حس المبادرة بتولي القيادة، انغماسي بالمهمة بلا ملل حتى تتم… و لكنني أميل غالباً لتصديق ما يقوله الآخرون حين يتعلق الأمر بمكونات العالم المادي الذي لا تنسجم معه روحي. يخبرونني بأن علي أن أفعل (أو لا أفعل) الشيء فأجرب بنفسي و أرى.

لأنه بالنهاية لن يمكن لأحد أن يخبرني بما علَيَّ أن أشعر (أو لا اشعر) به؛ لذا لا أرى بأساً بخوض تجربة العيش لمرة وفق “خطة عمل” سأقرر بعدها إن لائمني النظام أو أقوم بتغييره. صارت عندي مناعة قوية ضد التأثر بلدغات الأشخاص من فصيلة Mr. I Know Everything

ما زلت أتناول المسألة كلعبة؛ استيقظت يوماً و قلت: “اليوم ألعب لأفوز” و فزعت قليلاً؛ فأنا ألعب كل يوم لألعب و حسب فما الذي تغير الآن؟! من معرفتي لذاتي سأقول بأنني رفعت من مستوى اللعب لا أكثر.. ما زلت أسير في خط الاستمتاع بالحياة.

لماذا “الالتزام”؟ تبدو لي الكلمة بعيدة عما أقصده بها حين تُقال باللغة العربية حيث تبدو أكثر تزمُّتاً من مرادفتها باللغة الإنجليزية حيث تبدو مسترخية أكثر في تعريفاتها. و هي (الكلمة) ظهرت لي كعامل مشترك يجمع كل “كلماتي” برابط واحد.

الالتزام مع “الناس” يتضمن الارتباط بأفراد العائلة و فريق العمل و مساعدة الأصدقاء و التعاون مع الزملاء و كلهم في دائرة الأخذ و العطاء (التعلُّم و التعليم)، و قبل الناس هناك التزامي مع “نفسي” بالطبع، ثم يوجد الالتزام مع “البيت” و فيه مساحة العمل و حيز اللعب و التذوق الجمالي و النشاط الحركي؛ لدي التزام مع “البهجة” كذلك و هو نوع من عقود الاحتكار لا يمكنني المخاطرة بفسخه.

بتوهجي و نموي، مشاركة حماقاتي و الاحتفاء بوجودي، و التزامي الذي يغلف كل تلك الأشياء بالحب، و بالحب يتولد كل الإبداع و العافية و المقدرة و التمكن التي تجعلك تلتزم بسهولة بكل التزاماتك؛ التزامي بقيمتي الأعلى و هي الخدمة؛ حين أكتب و أتحدث.. أُشافي و أساعد.. أشجِع و أُلهِم… و اعتنائي بنفسي هو عنايتي بالآخرين؛ إذ أن كل تفاصيلي موجهة نحو خدمة “الكل” الذي يجمعنا.

طبعت هذه الورقة 100_Things_Committed_To و افترضت بأنها ستكون قد امتلأت على نهاية العام، إلا أنها و خلال يوم واحد انشغلت ب58 من الأمور التي أود جعلها من ضمن قائمة التزاماتي، حتى أنني تحايلت عليها بدمج بعض البنود باعتبارها تفرعات من الشيء نفسه! المضحك أن خامس التزام قمت بكتابته في القائمة هو “شَعري” و لا أدري كيف يكون التزام المرء مع شعر رأسه و لكنني أدري كيف بعض الأشياء حين تبدأها يصعب عليك التوقف عنها؛ مثل اعتيادك على حلاقة شعر رأسك بالكامل كلما تجاسر على الطول و أوشك على تجاوز خط نهاية الرقبة.

ربما تحتاج نوعاً من الإلزام لتحافظ على بعض الأشياء التي لا يمكنك التمسك بها حين تكون معتاداً على التخلي؛ اخلق بعض الارتباطات لتكون بمثابة الخيط الذي يشدك عن الارتفاع أكثر من اللازم. حين أحدنا يبقى يتخفف من أثقاله فيجد نفسه فجأة على ارتفاع بعيد جداً عن الأرض حتى أنه يختفي عن الأنظار و لا يعود يسمع كل ضجيج العالم في الأسفل الذي ما زال يراه من حيث هو لا يُرى، و حين تُكثِر من النظر إلى الأعلى و تصبح خفيفاً جداً إلى أن تكاد تتلاشى و تذهب إلى المكان الذي تذهب إليه “البالونات” الضالة و كل الأشياء التي تختفي! لن تعلم ما الذي ينتظرك هناك لأنه لم يحصل من قبل أن عاد “البالون” الهارب من يد صاحبه ليخبرنا عما يوجد في سماء العدم التي تبتلع الأشياء الضائعة.

 

 

 

Dear Mr. I Know Everything

شريحة1

هل تعرف أحداً منهم؟ ذلك الشخص الذي عرف عن شيء و ظن بأنه يعرف عن كل شيء؟ أو الذي عرف القليل من كل شيء و اعتقد بأنه يعرف الكثير عن جميع الأشياء؟ أو الذي عرف الكثير في شيء واحد و اعتبر كل شيء آخر جزء من معرفته بذلك الشيء الوحيد؟

حين تراه ستميزه بسهولة و لا تحتاج علامات إرشادية لتتعرف على الشخص من هذا النوع. و لو لديك طريقة للتعامل معه فلا تحتكرها لنفسك لأنني ما زلت لا أعرف كيفية التعامل مع هذه الفئة من الناس إلا بعدم التعامل على الإطلاق؛ ألا تقول و لا تفعل (و لا تكون) شيئاً طالما أنت معهم؛ لأنه سيبقى يلاحق كل ما تقول أو تفعل (أو حتى تكون) بقلم التصحيح الأحمر الذي يعطيه سلطة الأستاذ عليك. تحصن معه بالصمت و الكتمان على أن تكون منفتحاً بالتعبير عن نفسك و إلا سيبقى كل ما يمكن أن يعرفه عنك مشروعاً يعمل هو على التعديل عليه.

 

  • أنت تعبر عن “ذاتك” و هو يقيسك على مسطرة “ذاته”.
  • له “تجربة” في الحياة و هي المعيار لكل ما يمكن للآخرين معرفته.
  • تتكلم ليقاطعك بنبرة “العارف”، هو يعرف ما تتحدث عنه، ألا ترى انفعاله؟!
  • لا خطب به بالتأكيد، فهو لم يخطئ مرة ليتعلم، فقط كان لا يعرف ثم الآن عرف.
  • أنت لم تتخصص أو تقم بدارسة ما قام بتعلمه و ما يقوم الآن بتعليمه لك، و لا تريد.
  • على الأغلب لن تستعرض معارفك عليه؛ و لهذا سيبقى ليس ثمة ما يجعلك جديراً بالتقدير عنده.
  • سيقوم بتقليص حجم كل معلومة ترد من خارج إطار معرفته حتى يجعلها تتناسب مع مقاس ما يعلم.
  • ليس لديك ما يتعلمه لأن ما يعلمه أكثر بكثير مما عندك، حتى حين تقول ما يؤيد كلامه؛ سيعارضك فيه!
  • معتاد على ممارسة دور “الأستاذية” إلى درجة أنه لن يلاحظ تقدمك عليه ببعض المجالات، أو حتى بمجاله نفسه.
  • قل الشيء أو عكسه، في كل الأحوال سيعثر على ما يناقضه أو ينتقده أو يتبرع بتقديم نصيحة لم تطلبها منه حوله.
  • أنت تكتب و هو يعلق، أنت تتحدث و هو يتدخل، أنت تفعل و هو يحلل؛ و لكنه لا يكتب و لا يتحدث و لا يبادر بالفعل من تلقاء ذاته.
  • نظرة التركيز المرتسمة على وجهه بينما تكلمه لا تعني بأنه يصغي إليك؛ إنه يجهز الرد و ينتظر النقطة التي سيختطف بها الحديث منك.
  • لديك فرصاً تبدو واعدة للنمو، احذر إخباره عنها؛ ستكون فرصاً لن يمكنه التفريط بها لاستعراض معرفته الواسعة بكل ما يمكن أن يتعلق بها.
  • سيتسلل إلى الحديث الدائر بين اثنين ليرد على سؤال لم يُطرح عليه و ليس ثمة ضرورة حتى للإجابة عليه.
  • إنه فقط يعلمكم ما سبقكم إلى معرفته: لسنا “نحن” بل أنتم، لا يجب علينا بل يجب عليكم، أنا في موقع و أنتم بموقع بعيد عني و منه أخاطبكم، هل تسمعوني؟!
  • مهما وجهت له من أسئلة، لا تتوقع أن تسمع منه عبارة “لا أعرف”؛ سيرد دائماً حتى لو كان مجرد “رد”، غالباً سيطيل في الإسهاب هنا (بالرد الذي لا يجيب على سؤالك) و سيُغرِقك بكمية معلومات الهدف منها تشتيت تركيزك عن موضوع سؤالك الأول.

 

عزيزي السيد الذي يعرف كل شيء..

“النصائح وسيلة عدمية تدميرية” *الدكتور نايف الجهني

أدري بأن لديك رأي في كل شيء، و بأنك تفترض بأنه يجب أن يكون لدي رأي كذلك، و لا يمكن ألا يكون لدي رأي لأنك ترى بأنه من المستحيل أن تكون إنساناً و لا تمتلك رأياً في كل شيء إلا أنك ترفض الإفصاح عن رأيك ربما. هذا ما تراه أنت! و أدري بأنك تريد أن يرى الجميع رأيك، و تريد كل الآراء أن تكون على مقاس رأيك، لا يمكن أن يكون أحدنا قد بلغ مرحلة لم تبلغها بعد، كما يجب أن تتقلص كل الأشياء لكي يمكن قياسها في حدود ما تعرف، لأنك أنت الذي تعرف. و لكن الذي لا تعرفه، بأنك لست أنا، و تجربتك ليست تجربتي، و حياتك بالكاد تعيشها لتحاول إقحام نفسك في كل ما لا يعنيك في حياة كل شخص يتورط بمعرفتك أو بإنشاء علاقة معك.

 

أن تعرف؛ يعني أن تعرف بشكل كلي.

أن لا تعرف بشكل كلي؛ يعني أنك لا تعرف.

لكي تعرف بشكل كلي؛ من الضروري أن تعرف القليل جداً،

و لكن لتعرف ذلك القليل جداً؛ عليك أن تعرف الكثير جداً.

Gurdjieff*

ذاكرة الجماعة VS النسيان

列印

بما أن عامي الجديد يبدأ في اليوم التالي ليوم مولدي، فقد كانت هديتي لنفسي هذه المرة هي التسجيل ببرنامج Find Your Word 2016 و مدته خمسة أيام للعثور على الكلمة التي سأضعها عنواناً لهذا العام، و قد كنت اعتمدت هذه الطريقة للثلاث أعوام الماضية و وجدتها تعمل معي أكثر من طريقة إعداد قوائم الأهداف، فهو موضوع عام، شيء واحد ستحصل كل الأمور الأخرى تحت مظلته، لم تكن لدي كلمات و لكن عبارات مثل “أفي بوعودي”، و كوني أميل بطبيعتي إلى الاختزالات بكل صورها؛ بتلخيص كل ما يمكن تلخيصه؛ حذف الزوائد و دمج الأجزاء و توحيد الإجراءات و تقليص الجهد و تقليل الهدر (في الحقيقة هذه مجرد طريقة أنيقة لقول: أنا كسولة) فلم يتطلب الكثير لإغرائي باختصار عنوان السنة بأكملها في كلمة واحدة.

كانت السنة المنتهية زاخرة بأكثر مما يمكن بالنسبة لسنة اعتيادية واحدة؛ أي أنها كانت استثنائية حد التخمة، بالرحلات و الشراكات و المهام المُنجزة و الانتقالات الكُبرى، رغم أنني كنت قد أطلقت عليها عنوان “سنة سياحة” تعبيراً عن احتفالي بكونها الأولى التي تأتي من بعد تحرري من الالتزام بأي نوع من العلاقات (لا تعاقدات عمل و لا ارتباطات شخصية) و عودتي إلى نفسي بالكامل. فيها جربت تسليم القيادة للطفل فيَّ بينما يتوقف الراشد عن أي فعل سوى المشاهدة؛ لا تحليل و لا تصحيح و لا تعديل. انتهيت من عمل أي شيء من أجل أي شيء (أو أحد) آخر، كل الأشياء تُفعل لعينها؛ فقط لأنني أريد (أو لا أريد)، هكذا ببساطة. أجوع فآكل و لا آكل لأن “الآن” هو موعد الوجبة، أنعس فأنام و لا أنام “الآن” لكي أستيقظ في موعد محدد، أضجر فألعب “الآن” و ليس لاحقاً حين سأنتهي من هذه المهمة أو تلك؛ لا شيء متوقف على غيره، إما أنه مُتاح فأفعله أو لا أفعله.

في التطبيقات الكتابية التي تضمنها برنامج اختيار كلمتي لهذا العام تم طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالعام الماضي، و هنا برزت صعوبة الأمر بالنسبة لي؛ لم أتمكن من تذكر أي شيء تم طلب الإجابة عليه، فسألت نفسي: هل بلغت هذا الحد من الانغماس في “عيش اللحظة”؟! الحد الذي لا يمكنني معه تذكر كل تفاصيل ما مضى؟ صحيح كنت قد قررت و أصدرت أمراً لذاكرتي بألا تسمح لي باسترجاع أي “تفصيلة” لا طائل من وراءها، و يبدو بأنها (ذاكرتي) ذهبت بعيداً في تنفيذها لهذا الأمر. ثم مهلاً؛ لماذا لا يوجد أحد يمكنه تذكيري بأي شيء؟ لأنه ببساطة لا يوجد أحد كنت قد شاركته شيئاً! و لماذا لا يوجد أحد؟!! لا أحد يدري لأنني لا أدري أو ربما كنت أدري و لكنني الآن نسيت! انتهيت و عثرت على كلمتي بالقفز عن تلك الأجزاء المتعلقة بالعام الماضي، افترضت أنني وصلت حديثاً إلى هذا الخط الزمني و هذه هي سنتي الأولى في نظام الترقيم العجيب هذا.

و الآن ماذا؟! هل سيكون علَيَّ ألاَّ “أتذكر” طالما أنه ليس معي من أتشارك ذاكرتي معهم؟ لا أقصد أن يكون ثمة من أخبره بكل شيء لحظةً بلحظة، بل أعني ذلك النوع من التزامن الذي يجعل خطوط حياة كل منا تسير في الاتجاه ذاته؛ و أكثر من ذلك أن يكون بالقرب ذلك النوع من الأشخاص الذين لا تخلو كل تفاصيل أيامك من حضورهم فيها بمقدار حضورك، إلى الحد الذي سيمكنهم معه الإجابة على تلك الأسئلة كما لو أنهم يعرفون عنك ما لا تعرفه عن نفسك. و مع قناعتي بأن كل من يتواجد في عالمي فهو إما نسخة قديمة مني أو نسخة متقدمة عني؛ و حيث أنه لم يحصل مرة في حياتي أن اقترب مني مخلوق لهذا الحد؛ فإنني على اقتناع تام بأنه لن يكون ذلك إلا مع النسخة الأشد شبهاً بي من بين جميع العابرين الذين تقاطعت دروب مرورهم بدربي قط. و إلى أن تحدث المعجزة المنشودة؛ سأبقى أوثق أبرز ما يمر بي خلال يومي لعلي حين أرجع له لاحقاً “أتذكر” كل ما أحاط به من تفاصيل.

و يبقى هذا التساؤل معلقاً لأنه السؤال و فيه الإجابة:

كيف يمكن العيش في الحاضر عندما لا يكون هناك أحد في هذا الحاضر معي؟! Anaïs Nin*

 

القطيع الصغير

shutterstock_214216972

معظمنا يعرف كيف تتحول نهايات الأعوام إلى وِرَش مراجعة لكشوفات السنة من أجل إغلاق الحسابات المكتملة و ترحيل الخطط المؤجلة و إعدام المهام المعلقة. هذه العملية تجري عادة ما بين بداية الشهر الأخير من السنة المنتهية إلى آخر أيام الشهر الأول من السنة الجديدة. إلا أن الأعوام لا تستعجلك للحاق بها؛ العام الجديد لا يكترث لحرصنا على مزامنة بداياتنا مع بدايته و بالمقابل لا ضرورة للتزمت الذي يبديه البعض في هذا الشأن.

لدي في صندوق الرسائل رسالة وصلتني بعد نصف ساعة من دخول العام تسأل صاحبتها بفزع حول ما العمل و قد تجاوز الوقت منتصف الليل و هي ما زالت غير قادرة على صياغة “نوايا” أو حتى كتابة “نية” واحدة! و الصراحة رغم أنني استلمت نداءات استغاثتها في وقتها إلا أنني تركت الرد عليها إلى المساء؛ فلم تكن نبرة التفجع تلك صالحة لاعتمادها ك”بداية” سيعتمد كل التالي عليها.

يمكنك تحديد مواعيد بداياتك الخاصة دون حاجة لمزاحمة كل العالم بمحاولة اللحاق ببوابة وهمية لا مواعيد محددة لفتحها أو إغلاقها، إن كان الزمن وهماً فلا يوجد أسهل من أن تختار لنفسك نوع الوهم الذي يناسبك، و إن شئت يمكنك أن تبقى كذلك طافياً في فضاءك الخاص بلا أي حسابات من أي نوع. أما كل ذلك التدافع بنية الاستفادة من كثافة طاقة الجموع فسوف يعمل؛ و لكن في أي الاتجاهات سيعمل (مع كل مشاعر الاحتياج و اللهفة و الإحساس بالطوارئ التي تحرك تلك المجموعات)؟!

كثير من أولئك الذين أرادوا التحرر من برمجة “القطيع” انتهى بهم الأمر إلى الاحتشاد في قطعان صغيرة متفرقة؛ و تَبَيَن أن الغالبية لم تكن مشكلتهم في التبعية تحديداً و لكن كل المسألة أن أحدهم سيكون أكثر ارتياحاً حين يتاح له اختيار القطيع الذي يلاحقه، و أكثر حبوراً حين يمتلك قطيعه الخاص؛ حيث يعيد استثمار ادعاءاته الداعية إلى “التحرر من برمجة القطيع“.

Back to Life

Back again

و سؤال العودة كان: هل ينبغي علَي حذف كل ما تم نشره “هنا” سابقاً على اعتبار أن النسخة الحالية مني مختلفة تماماً عن تلك التي كانت؟! اليوم لا شيء بي يشبه أي من أشيائي القديمة، و ليس في هذه اليد ما هو متبقٍ من اليد التي كتبت كل ذلك، و لا الأصابع هي الأصابع نفسها، هكذا ينطوي الزمان جارفاً حتى الأماكن معه.

و لكنني اخترت أن أتركها على حالها، ربما لتبقى شاهدة على تحولاتي الأخيرة. و قد كنت توقفت عن النشر هنا لأسباب فيها من الحماقة أكثر مما فيها من الحكمة؛ غيظي من الناس الذين يتجسسون علي بتتبع مساحات تواجدي الإلكترونية، تكتمي حول كثير مما مررت به و حرصت على خوضه وحدي دون إثارة أي جلبة تستنفر المقربين مني للتدخل أو التطفل.. قليلٌ من الحب و مزيدٌ من الفضول؛ يضطر أحدنا للتنازل عن أحدهما من أجل التخلص من الآخر.

و في كل مرة رغبت بالعودة أحجمت بسبب الفجوة الآخذة في الإتساع ما بين “أنا” التي غادرتني (أو غادرتها) و بين ذاتي الحالية، و الآن قررت قفز هذا الحاجز قبل أن يصير على ارتفاع لن يمكنني اجتيازه، و الحاجز حين يتضخم يتحول إلى “عقبة” و العقبة تتطلب منك مجهودات مضاعفة للإلتفاف حولها، ثم تظهر “المُعيقات” فتنشغل بمعالجتها إلى أن تستنزفك فلا يتبقى لديك فائضٌ من الطاقة لمواصلة عبور الطريق. حتى حين كنت أهم بالكتابة عن (عدم) الكتابة أكبح نفسي بتذكيري بأن هذه واحدة من أكثر الحِيَل ابتذالاً؛ كل أحد يمكنه أن يكتب عن أحوال امتناعه عن “أن يكتب”، لم أُرِد الوقوع في هذا الفخ.

كما أخترت أن أترك القصاصات المنشورة هنا ضمن خطة كانت ارتجالية للتدرب على الإنضباط بكتابة مقطع لكل يوم من أيام السنة الماضية 2015 

اليوم هو أول أيام سنتي الجديدة (الثاني عشر من يناير هو يوم قدوم هذا الجسد الذي ما زال يُحسن ضيافتي إلى هذه الدنيا)، و لأجعل الأمر واضحاً لكل مَن يترصد مساحاتي و يحاول التسلل إلى فضائي و يرغب بسحبي بالقوة نحو مجاله:

إذا كنت تظن بأن الحب الذي تستقبله مني قطة الشارع المشردة التي تتمسح بقدمي تتوسلني احتضانها لحين أهجرها متملصة و أتجنب التصاق خطواتها الصغيرة بخطواتي طلباً لرعاية لا يمكنني تحمل عبئ الإلتزام بتوفيرها لها في الوقت الحالي يختلف عن ذلك الذي أحمل منه لك، و إن راق لك أن تتوهم بأن حبي لك قد يكون من نوع غير الذي أقدمه لنملة المطبخ التي استمالت تواطئي معها بصورة مماطلة في كنس أي فتات متخلف عن تحضير وجباتي لفترة كافية تتيح لها فرصة التسلل على عدة جولات لحمل حصتها منه، فلست الشخص الذي يمكنه التواجد في عالمي الحالي. ثمة حيز لك فقط إذا كنت قادماً لتحب معي ذلك القط و لتشارك تلك النملة محبتي.

كما دائماً، ما زلت أحب الجميع بهذا النوع من التجرد، بلا شعور بالإرتباط بأي أحد، بلا شيء. حين اعتقدت خلال مراحلي عمري الأولى بأنني عاجزة عن أن أحب (ذلك ما كان يخبرني به البعض لأنني لا أرتبط و لا أتعلق و لا أرغب و لا أتمسك و لا أشتاق و لا أفتقد) تركت العالم جانباً و انطلقت أنقب في أعماقي عن سبب ذلك، و لكني وجدت أني في الحقيقة “أحب” أكثر مما يمكن لأي إنسان أن يحب. كل الأمر كان أنني كنت أشعر بالغضب دون أن أكون غاضبة! اشتريت بضعة كتب تحمل في عناوينها عبارة anger management و لم أُتم مرة قراءة أي منها؛ رأيت فيها شيئاً خاطئاً؛ أنا لا أريد “السيطرة” على غضبي، بل ألا أغضب. هل ذلك ممكن؟! نعم ممكن، و قد حصل.. كيف؟ سيأتي ذلك في سياقه و لكن الأهم هو أني عرفت أن الغضب هو حب غير مُعبر عنه، و الحُب الغير مُعبر عنه هو حب مُساء فهمه، و الحب المُساء فهمه مُشَوش عليه بسبب شيوع أنواع من الأفكار/ المشاعر/ الأفعال/ التجارب/ العلاقات/ القيود/ التجاوزات/ التعاسات… المتسمية باسم الحب زيفاً و هي ليست منه في شيء.
 
أن أكتب، كانت هذه هي طريقتي المُثلى بالتعبير عن الغضب، و من أجل الفهم توجب علي أن أُخرج كل ما بداخلي حتى أراه بعين المراقب فيّ، لم أكتب ليقرأني أحد بل لكي أقرأ نفسي، و رغم هذا لم أجعل منها عملية سرية، انكشافك دون انغلاق على التعبير عن نفسك هو جزء مهم من استعدادك لإحداث فارق؛ ألّا تخجل و لا تخاف و لا تُكابر، تخلع عنك قشورك علناً بلا خزي و لا قهر و لا أسى بينما تشاهدك عيون كأنك لا تراها. “بالكلمة تداوي و تُحفز، تُعلِّم و تجلب متعة، تستحث الصبر و تُظهر أجمل ما في الناس، و هي الكلمة تُرجمان الروح حين تٌحوِّل الاستياء إلى رضى و الإنزعاج إلى ارتياح و تُنير البصيرة على الزوايا التي يُعمي الغضب عن رؤيتها”. لو عرفت كم يمكنك بالكلمة و حسب أن تُمِدَّ أرواحاً بالشجاعة كي تستلهم من تجربتك في أن “تُنجز” شيئاً و “تُحقِق” و جودها و “تكون” لا أكثر؛ فقط  بتعبيرك الصادق عن ذاتك! و لكنك قبل أن تُؤَثِر تريد أن تتحرر، أليس كذلك؟ تحرر من أناك قبل كل شيء؛ جرب أن تنظر إلى نفسك و “كأنك” لست “أنت” ثم كن أنت و أعد النظر فيك.
 
في الصفحة رقم 73 من كتاب “العوالم المتوازية للذات” ضمن تمارين الإنتقال إلى “الواقع الموازي”، في تجربة “تبَنِي المنظور” الغرض من التماهي مع الأشياء هو رفع مستوى الإدراك، مستوى الطاقة و الذكاء مثلما يقول “داودسن”.  أن لا تنظر إلى الغرض، تنظر إليه كما هو أولاً، ثم “تتماهى” معه، أي “تكونه و تشعر بشعور جسدي حقيقي لكونك أياه و ترى المحيط من منظوره.” ثم التدرج بتماهيك مع الأشياء، بأن تكون أنت الغرض و هو ينظر إلى غرض ثاني ثم يتماهى معه مثلما فعلت أنت معه (و هو الآن أنت)، و يقول استمر هكذا بالتنقل ما بين الأشياء إلى أن تشعر بتغير في طاقتك و مشاعرك و وعيك. تدربك على “النظر كأنك” بدلاً من مجرد “النظر إلى” سيجعل من السهل عليك تبني أي هوية، و هذا سيساعدك على تجسيد أي واقع موازي لواقعك الحالي و تود الإنتقال إليه. بالنسبة لأحد “جامعي القصص” (هذه هي ترجمتي الخاصة لمصطلح storyteller)، فهو صاحب خيال يجعله ذو مهارة تلقائية بالتماهي مع أي شئ، حتى أن في الأدب تقنيات مثل (Personalization) و (Customization) يتم توظيف نزعة التماهي من خلالهما.