Back to Life

Back again

و سؤال العودة كان: هل ينبغي علَي حذف كل ما تم نشره “هنا” سابقاً على اعتبار أن النسخة الحالية مني مختلفة تماماً عن تلك التي كانت؟! اليوم لا شيء بي يشبه أي من أشيائي القديمة، و ليس في هذه اليد ما هو متبقٍ من اليد التي كتبت كل ذلك، و لا الأصابع هي الأصابع نفسها، هكذا ينطوي الزمان جارفاً حتى الأماكن معه.

و لكنني اخترت أن أتركها على حالها، ربما لتبقى شاهدة على تحولاتي الأخيرة. و قد كنت توقفت عن النشر هنا لأسباب فيها من الحماقة أكثر مما فيها من الحكمة؛ غيظي من الناس الذين يتجسسون علي بتتبع مساحات تواجدي الإلكترونية، تكتمي حول كثير مما مررت به و حرصت على خوضه وحدي دون إثارة أي جلبة تستنفر المقربين مني للتدخل أو التطفل.. قليلٌ من الحب و مزيدٌ من الفضول؛ يضطر أحدنا للتنازل عن أحدهما من أجل التخلص من الآخر.

و في كل مرة رغبت بالعودة أحجمت بسبب الفجوة الآخذة في الإتساع ما بين “أنا” التي غادرتني (أو غادرتها) و بين ذاتي الحالية، و الآن قررت قفز هذا الحاجز قبل أن يصير على ارتفاع لن يمكنني اجتيازه، و الحاجز حين يتضخم يتحول إلى “عقبة” و العقبة تتطلب منك مجهودات مضاعفة للإلتفاف حولها، ثم تظهر “المُعيقات” فتنشغل بمعالجتها إلى أن تستنزفك فلا يتبقى لديك فائضٌ من الطاقة لمواصلة عبور الطريق. حتى حين كنت أهم بالكتابة عن (عدم) الكتابة أكبح نفسي بتذكيري بأن هذه واحدة من أكثر الحِيَل ابتذالاً؛ كل أحد يمكنه أن يكتب عن أحوال امتناعه عن “أن يكتب”، لم أُرِد الوقوع في هذا الفخ.

كما أخترت أن أترك القصاصات المنشورة هنا ضمن خطة كانت ارتجالية للتدرب على الإنضباط بكتابة مقطع لكل يوم من أيام السنة الماضية 2015 

اليوم هو أول أيام سنتي الجديدة (الثاني عشر من يناير هو يوم قدوم هذا الجسد الذي ما زال يُحسن ضيافتي إلى هذه الدنيا)، و لأجعل الأمر واضحاً لكل مَن يترصد مساحاتي و يحاول التسلل إلى فضائي و يرغب بسحبي بالقوة نحو مجاله:

إذا كنت تظن بأن الحب الذي تستقبله مني قطة الشارع المشردة التي تتمسح بقدمي تتوسلني احتضانها لحين أهجرها متملصة و أتجنب التصاق خطواتها الصغيرة بخطواتي طلباً لرعاية لا يمكنني تحمل عبئ الإلتزام بتوفيرها لها في الوقت الحالي يختلف عن ذلك الذي أحمل منه لك، و إن راق لك أن تتوهم بأن حبي لك قد يكون من نوع غير الذي أقدمه لنملة المطبخ التي استمالت تواطئي معها بصورة مماطلة في كنس أي فتات متخلف عن تحضير وجباتي لفترة كافية تتيح لها فرصة التسلل على عدة جولات لحمل حصتها منه، فلست الشخص الذي يمكنه التواجد في عالمي الحالي. ثمة حيز لك فقط إذا كنت قادماً لتحب معي ذلك القط و لتشارك تلك النملة محبتي.

كما دائماً، ما زلت أحب الجميع بهذا النوع من التجرد، بلا شعور بالإرتباط بأي أحد، بلا شيء. حين اعتقدت خلال مراحلي عمري الأولى بأنني عاجزة عن أن أحب (ذلك ما كان يخبرني به البعض لأنني لا أرتبط و لا أتعلق و لا أرغب و لا أتمسك و لا أشتاق و لا أفتقد) تركت العالم جانباً و انطلقت أنقب في أعماقي عن سبب ذلك، و لكني وجدت أني في الحقيقة “أحب” أكثر مما يمكن لأي إنسان أن يحب. كل الأمر كان أنني كنت أشعر بالغضب دون أن أكون غاضبة! اشتريت بضعة كتب تحمل في عناوينها عبارة anger management و لم أُتم مرة قراءة أي منها؛ رأيت فيها شيئاً خاطئاً؛ أنا لا أريد “السيطرة” على غضبي، بل ألا أغضب. هل ذلك ممكن؟! نعم ممكن، و قد حصل.. كيف؟ سيأتي ذلك في سياقه و لكن الأهم هو أني عرفت أن الغضب هو حب غير مُعبر عنه، و الحُب الغير مُعبر عنه هو حب مُساء فهمه، و الحب المُساء فهمه مُشَوش عليه بسبب شيوع أنواع من الأفكار/ المشاعر/ الأفعال/ التجارب/ العلاقات/ القيود/ التجاوزات/ التعاسات… المتسمية باسم الحب زيفاً و هي ليست منه في شيء.
 
أن أكتب، كانت هذه هي طريقتي المُثلى بالتعبير عن الغضب، و من أجل الفهم توجب علي أن أُخرج كل ما بداخلي حتى أراه بعين المراقب فيّ، لم أكتب ليقرأني أحد بل لكي أقرأ نفسي، و رغم هذا لم أجعل منها عملية سرية، انكشافك دون انغلاق على التعبير عن نفسك هو جزء مهم من استعدادك لإحداث فارق؛ ألّا تخجل و لا تخاف و لا تُكابر، تخلع عنك قشورك علناً بلا خزي و لا قهر و لا أسى بينما تشاهدك عيون كأنك لا تراها. “بالكلمة تداوي و تُحفز، تُعلِّم و تجلب متعة، تستحث الصبر و تُظهر أجمل ما في الناس، و هي الكلمة تُرجمان الروح حين تٌحوِّل الاستياء إلى رضى و الإنزعاج إلى ارتياح و تُنير البصيرة على الزوايا التي يُعمي الغضب عن رؤيتها”. لو عرفت كم يمكنك بالكلمة و حسب أن تُمِدَّ أرواحاً بالشجاعة كي تستلهم من تجربتك في أن “تُنجز” شيئاً و “تُحقِق” و جودها و “تكون” لا أكثر؛ فقط  بتعبيرك الصادق عن ذاتك! و لكنك قبل أن تُؤَثِر تريد أن تتحرر، أليس كذلك؟ تحرر من أناك قبل كل شيء؛ جرب أن تنظر إلى نفسك و “كأنك” لست “أنت” ثم كن أنت و أعد النظر فيك.
 
في الصفحة رقم 73 من كتاب “العوالم المتوازية للذات” ضمن تمارين الإنتقال إلى “الواقع الموازي”، في تجربة “تبَنِي المنظور” الغرض من التماهي مع الأشياء هو رفع مستوى الإدراك، مستوى الطاقة و الذكاء مثلما يقول “داودسن”.  أن لا تنظر إلى الغرض، تنظر إليه كما هو أولاً، ثم “تتماهى” معه، أي “تكونه و تشعر بشعور جسدي حقيقي لكونك أياه و ترى المحيط من منظوره.” ثم التدرج بتماهيك مع الأشياء، بأن تكون أنت الغرض و هو ينظر إلى غرض ثاني ثم يتماهى معه مثلما فعلت أنت معه (و هو الآن أنت)، و يقول استمر هكذا بالتنقل ما بين الأشياء إلى أن تشعر بتغير في طاقتك و مشاعرك و وعيك. تدربك على “النظر كأنك” بدلاً من مجرد “النظر إلى” سيجعل من السهل عليك تبني أي هوية، و هذا سيساعدك على تجسيد أي واقع موازي لواقعك الحالي و تود الإنتقال إليه. بالنسبة لأحد “جامعي القصص” (هذه هي ترجمتي الخاصة لمصطلح storyteller)، فهو صاحب خيال يجعله ذو مهارة تلقائية بالتماهي مع أي شئ، حتى أن في الأدب تقنيات مثل (Personalization) و (Customization) يتم توظيف نزعة التماهي من خلالهما.

7 thoughts on “Back to Life

  1. هكذا إذن، من المتوقع جداً أن قسوة الصمت تلك كانت بفعل فوضى الطفيليين، يبدو أن جميع “بائعي الحلوى” ينتهجون نفس الأفكار والحلول للهرب من كسل “العامة” في تنظيم مشاعرهم وترتيب أولوياتهم وفشلهم في تنظيم حياتهم الخاصة حتى يثقلوا بها كاهل من هم أوسع فسحة وأفقه فكراً، أظنك أدركت كم هناك من المشردين من غير القطط والنمل وطيور النوافذ…، غير مستعدين للخطو خطوة واحدة إلى الأمام دون أن يمسكوا بإصبع أحدهم، أمقُت بشدّة أولئك الذين لا يريدون مواجهة الحياة وهم فيها، برغم كونها قصيرة ولا تعد شيئاً أمام ما وُعِد به بنو جنسنا، ولا أستثني نفسي، أمقُت بشدة أيضاً ذلك الحال الذي عشت عليه لسنوات قبل أن أتجرأ على الحَبوِ للمرة الأولى غير آبه بما قد يحصل.

    الحياة جميلة بحب كل ما يمكن حبه، اقتنيت أفراخاً ونباتات وأحجارا كنا نمارس الحبّ سوية، لكن من الجميل أن يعود إلينا ما نُرسل… من الجميل، أن يعود،… إلينا….. ما نُرسله، نعم………..

    تعلمت منك أشياء كثيرة أستاذتنا المحترمة، إلا أنّ أكثرها وقعاً في قلبي وعمقاً في ذاكرتي هو التوقف عن الحكم عن أي شيء، أو أي أحد. لكن لعل أكثر ما ضايقني في ما حصل أنه كان من اللطيف جداً أن.

    Liked by 1 person

  2. مكرر 😂 أكملته دون النظر لحروفك، تذكرت كتاباتك عن اللبان الملتصق وعن استحالة أن يتملكك أحدهم ولو حتى في أحلامه، إلى آخره…
    كل عام وأنتِ حرة أيتها الحلزونة الاستثنائية

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s