ذاكرة الجماعة VS النسيان

列印

بما أن عامي الجديد يبدأ في اليوم التالي ليوم مولدي، فقد كانت هديتي لنفسي هذه المرة هي التسجيل ببرنامج Find Your Word 2016 و مدته خمسة أيام للعثور على الكلمة التي سأضعها عنواناً لهذا العام، و قد كنت اعتمدت هذه الطريقة للثلاث أعوام الماضية و وجدتها تعمل معي أكثر من طريقة إعداد قوائم الأهداف، فهو موضوع عام، شيء واحد ستحصل كل الأمور الأخرى تحت مظلته، لم تكن لدي كلمات و لكن عبارات مثل “أفي بوعودي”، و كوني أميل بطبيعتي إلى الاختزالات بكل صورها؛ بتلخيص كل ما يمكن تلخيصه؛ حذف الزوائد و دمج الأجزاء و توحيد الإجراءات و تقليص الجهد و تقليل الهدر (في الحقيقة هذه مجرد طريقة أنيقة لقول: أنا كسولة) فلم يتطلب الكثير لإغرائي باختصار عنوان السنة بأكملها في كلمة واحدة.

كانت السنة المنتهية زاخرة بأكثر مما يمكن بالنسبة لسنة اعتيادية واحدة؛ أي أنها كانت استثنائية حد التخمة، بالرحلات و الشراكات و المهام المُنجزة و الانتقالات الكُبرى، رغم أنني كنت قد أطلقت عليها عنوان “سنة سياحة” تعبيراً عن احتفالي بكونها الأولى التي تأتي من بعد تحرري من الالتزام بأي نوع من العلاقات (لا تعاقدات عمل و لا ارتباطات شخصية) و عودتي إلى نفسي بالكامل. فيها جربت تسليم القيادة للطفل فيَّ بينما يتوقف الراشد عن أي فعل سوى المشاهدة؛ لا تحليل و لا تصحيح و لا تعديل. انتهيت من عمل أي شيء من أجل أي شيء (أو أحد) آخر، كل الأشياء تُفعل لعينها؛ فقط لأنني أريد (أو لا أريد)، هكذا ببساطة. أجوع فآكل و لا آكل لأن “الآن” هو موعد الوجبة، أنعس فأنام و لا أنام “الآن” لكي أستيقظ في موعد محدد، أضجر فألعب “الآن” و ليس لاحقاً حين سأنتهي من هذه المهمة أو تلك؛ لا شيء متوقف على غيره، إما أنه مُتاح فأفعله أو لا أفعله.

في التطبيقات الكتابية التي تضمنها برنامج اختيار كلمتي لهذا العام تم طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالعام الماضي، و هنا برزت صعوبة الأمر بالنسبة لي؛ لم أتمكن من تذكر أي شيء تم طلب الإجابة عليه، فسألت نفسي: هل بلغت هذا الحد من الانغماس في “عيش اللحظة”؟! الحد الذي لا يمكنني معه تذكر كل تفاصيل ما مضى؟ صحيح كنت قد قررت و أصدرت أمراً لذاكرتي بألا تسمح لي باسترجاع أي “تفصيلة” لا طائل من وراءها، و يبدو بأنها (ذاكرتي) ذهبت بعيداً في تنفيذها لهذا الأمر. ثم مهلاً؛ لماذا لا يوجد أحد يمكنه تذكيري بأي شيء؟ لأنه ببساطة لا يوجد أحد كنت قد شاركته شيئاً! و لماذا لا يوجد أحد؟!! لا أحد يدري لأنني لا أدري أو ربما كنت أدري و لكنني الآن نسيت! انتهيت و عثرت على كلمتي بالقفز عن تلك الأجزاء المتعلقة بالعام الماضي، افترضت أنني وصلت حديثاً إلى هذا الخط الزمني و هذه هي سنتي الأولى في نظام الترقيم العجيب هذا.

و الآن ماذا؟! هل سيكون علَيَّ ألاَّ “أتذكر” طالما أنه ليس معي من أتشارك ذاكرتي معهم؟ لا أقصد أن يكون ثمة من أخبره بكل شيء لحظةً بلحظة، بل أعني ذلك النوع من التزامن الذي يجعل خطوط حياة كل منا تسير في الاتجاه ذاته؛ و أكثر من ذلك أن يكون بالقرب ذلك النوع من الأشخاص الذين لا تخلو كل تفاصيل أيامك من حضورهم فيها بمقدار حضورك، إلى الحد الذي سيمكنهم معه الإجابة على تلك الأسئلة كما لو أنهم يعرفون عنك ما لا تعرفه عن نفسك. و مع قناعتي بأن كل من يتواجد في عالمي فهو إما نسخة قديمة مني أو نسخة متقدمة عني؛ و حيث أنه لم يحصل مرة في حياتي أن اقترب مني مخلوق لهذا الحد؛ فإنني على اقتناع تام بأنه لن يكون ذلك إلا مع النسخة الأشد شبهاً بي من بين جميع العابرين الذين تقاطعت دروب مرورهم بدربي قط. و إلى أن تحدث المعجزة المنشودة؛ سأبقى أوثق أبرز ما يمر بي خلال يومي لعلي حين أرجع له لاحقاً “أتذكر” كل ما أحاط به من تفاصيل.

و يبقى هذا التساؤل معلقاً لأنه السؤال و فيه الإجابة:

كيف يمكن العيش في الحاضر عندما لا يكون هناك أحد في هذا الحاضر معي؟! Anaïs Nin*

 

القطيع الصغير

shutterstock_214216972

معظمنا يعرف كيف تتحول نهايات الأعوام إلى وِرَش مراجعة لكشوفات السنة من أجل إغلاق الحسابات المكتملة و ترحيل الخطط المؤجلة و إعدام المهام المعلقة. هذه العملية تجري عادة ما بين بداية الشهر الأخير من السنة المنتهية إلى آخر أيام الشهر الأول من السنة الجديدة. إلا أن الأعوام لا تستعجلك للحاق بها؛ العام الجديد لا يكترث لحرصنا على مزامنة بداياتنا مع بدايته و بالمقابل لا ضرورة للتزمت الذي يبديه البعض في هذا الشأن.

لدي في صندوق الرسائل رسالة وصلتني بعد نصف ساعة من دخول العام تسأل صاحبتها بفزع حول ما العمل و قد تجاوز الوقت منتصف الليل و هي ما زالت غير قادرة على صياغة “نوايا” أو حتى كتابة “نية” واحدة! و الصراحة رغم أنني استلمت نداءات استغاثتها في وقتها إلا أنني تركت الرد عليها إلى المساء؛ فلم تكن نبرة التفجع تلك صالحة لاعتمادها ك”بداية” سيعتمد كل التالي عليها.

يمكنك تحديد مواعيد بداياتك الخاصة دون حاجة لمزاحمة كل العالم بمحاولة اللحاق ببوابة وهمية لا مواعيد محددة لفتحها أو إغلاقها، إن كان الزمن وهماً فلا يوجد أسهل من أن تختار لنفسك نوع الوهم الذي يناسبك، و إن شئت يمكنك أن تبقى كذلك طافياً في فضاءك الخاص بلا أي حسابات من أي نوع. أما كل ذلك التدافع بنية الاستفادة من كثافة طاقة الجموع فسوف يعمل؛ و لكن في أي الاتجاهات سيعمل (مع كل مشاعر الاحتياج و اللهفة و الإحساس بالطوارئ التي تحرك تلك المجموعات)؟!

كثير من أولئك الذين أرادوا التحرر من برمجة “القطيع” انتهى بهم الأمر إلى الاحتشاد في قطعان صغيرة متفرقة؛ و تَبَيَن أن الغالبية لم تكن مشكلتهم في التبعية تحديداً و لكن كل المسألة أن أحدهم سيكون أكثر ارتياحاً حين يتاح له اختيار القطيع الذي يلاحقه، و أكثر حبوراً حين يمتلك قطيعه الخاص؛ حيث يعيد استثمار ادعاءاته الداعية إلى “التحرر من برمجة القطيع“.