ما يفعله المحبَطون بالمحبَطين

شريحة1

عندما تشعر بالإحباط تكون إحباطات الآخرين (لو أنت سمحْت لها بالتسرب إلى مساحة إحباطك الخاص) أشد خطراً عليك من إحباطك الشخصي؛ أما حين يكون من المتعذر اختراق حصانتك المنيعة ضد أي إحباط يصير الاقتراب منك أنت خطراً على المحبَطين أنفسهم.

إن كنت مبتهجاً بطبيعتك؛ فإن حماستك ستستفز غضب العالقين في دوائر معاناتهم، مجرد مشاهدتك و أنت تقضي أياماً ممتعة على هذه الأرض ستثير مخزون استياءاتهم تجاه كل تلك الأشياء القديمة المتكدسة في أعماقهم؛ فتَرَفَق بهم و بنفسك و خفف من ظهورك في حيزهم.

أما إن كنت أنت ذلك المحبَط الغاضب فقم بعزل ذلك الاحتقان عن كل ما يمكن أن يكون مصدراً محتملاً لتغذيته، و حاصره و هو فيك حتى تتجنب تلويث مجالات المحيطين بك بالصديد الذي سيتفجر منه حين يطفح و تقوم بفضه من أجل تفريغه.

 

الغضب المتصاعد بداخل النفس، كانت له وظيفة في وقته، و لكن بعد أن تمت مراكمته، تحول إلى بثرة كبيرة فاسدة، مع إهماله سيبقى يتضخم و يستمر بالانتشار حتى يشوه حقيقتك. الغضب المكبوت هو ما يدمر عالمنا و ليس الغضب المُعبَر عنه في حينه؛ اكتشف طريقتك المثلى بالتعبير و مارسها، سوف تلاحظ أنك عرفت ما هي مهارتك، سيتلاشى الغضب مع الوقت، و سيتبقى إبداعك.

الكلمة هي الفعل

IMG_3638

كنت قد أشرت هنا إلى تطبيقي لبرنامج Find Your Word 2016 بغرض التوصل إلى وضع عنوان عريض ليكون الإطار العام لكل ما ستحتويه السنة، و كانت “الكلمة” قد ظهرت معي منذ اليوم الثالث و مع هذا أكملت اليومين المتبقيين (لأتأكد).

كانت تلك “الكلمة” تُصدِر وميضاً خافتاً خلف كل كلمة من كلماتي العشرين الأولى، ثم أخذت تزيد حدة و سرعة تتابع ومضاتها بينما أقوم بتصفية العشرين إلى الخمس كلمات النهائية، حتى تحولت بالأخير إلى لطخة كبيرة مضيئة بقيت تنتشر حتى غطت كل الأوراق.

كلمة واحدة تُخبر عن امتلاك الجاهزية القصوى لتكريس الوقت و المساحة و الطاقة التي تعادل حجم أهمية كل ما هو مهم لدي، أو لنقل؛ لدى غيري! لأنني (و كما في كثير من شئون الحياة الاعتيادية) اضطر لاختلاس النظر إلى أوراق الآخرين لأعرف كيف سأُقَدِر مقدار أهمية بعض الأشياء.

أُغافل القرد الصغير العابث بداخلي الذي قد يقود أي أحد إلى الجنون (و لكنني أتعايش معه بشكل جيد)، و أجرب تنظيم العفوية الطاغية التي تدير أيامي. و أدري كم يصعب على الذين يعرفوني الاقتناع بأن كل ما أعمله و كل ما أنجزته في حياتي نابع من عفوية الطفل فيَّ.

كل هذا الذي ترونه مني، و كل الذي أخفيه عنكم كذلك، هي أشيائي التي أحب، لا يمكنني أن أمارس إلا ما يثير شغفي، و قد عملت على التأكد من ذلك عندما سلمت السنة و نصف الماضية بالكامل لتسير “على البركة” و بقيت كل الأمور تتالى في سريان و بلا جهد مني.

لم تتبدل معايير أدائي، ما زال حرصي على الإتقان، حس المبادرة بتولي القيادة، انغماسي بالمهمة بلا ملل حتى تتم… و لكنني أميل غالباً لتصديق ما يقوله الآخرون حين يتعلق الأمر بمكونات العالم المادي الذي لا تنسجم معه روحي. يخبرونني بأن علي أن أفعل (أو لا أفعل) الشيء فأجرب بنفسي و أرى.

لأنه بالنهاية لن يمكن لأحد أن يخبرني بما علَيَّ أن أشعر (أو لا اشعر) به؛ لذا لا أرى بأساً بخوض تجربة العيش لمرة وفق “خطة عمل” سأقرر بعدها إن لائمني النظام أو أقوم بتغييره. صارت عندي مناعة قوية ضد التأثر بلدغات الأشخاص من فصيلة Mr. I Know Everything

ما زلت أتناول المسألة كلعبة؛ استيقظت يوماً و قلت: “اليوم ألعب لأفوز” و فزعت قليلاً؛ فأنا ألعب كل يوم لألعب و حسب فما الذي تغير الآن؟! من معرفتي لذاتي سأقول بأنني رفعت من مستوى اللعب لا أكثر.. ما زلت أسير في خط الاستمتاع بالحياة.

لماذا “الالتزام”؟ تبدو لي الكلمة بعيدة عما أقصده بها حين تُقال باللغة العربية حيث تبدو أكثر تزمُّتاً من مرادفتها باللغة الإنجليزية حيث تبدو مسترخية أكثر في تعريفاتها. و هي (الكلمة) ظهرت لي كعامل مشترك يجمع كل “كلماتي” برابط واحد.

الالتزام مع “الناس” يتضمن الارتباط بأفراد العائلة و فريق العمل و مساعدة الأصدقاء و التعاون مع الزملاء و كلهم في دائرة الأخذ و العطاء (التعلُّم و التعليم)، و قبل الناس هناك التزامي مع “نفسي” بالطبع، ثم يوجد الالتزام مع “البيت” و فيه مساحة العمل و حيز اللعب و التذوق الجمالي و النشاط الحركي؛ لدي التزام مع “البهجة” كذلك و هو نوع من عقود الاحتكار لا يمكنني المخاطرة بفسخه.

بتوهجي و نموي، مشاركة حماقاتي و الاحتفاء بوجودي، و التزامي الذي يغلف كل تلك الأشياء بالحب، و بالحب يتولد كل الإبداع و العافية و المقدرة و التمكن التي تجعلك تلتزم بسهولة بكل التزاماتك؛ التزامي بقيمتي الأعلى و هي الخدمة؛ حين أكتب و أتحدث.. أُشافي و أساعد.. أشجِع و أُلهِم… و اعتنائي بنفسي هو عنايتي بالآخرين؛ إذ أن كل تفاصيلي موجهة نحو خدمة “الكل” الذي يجمعنا.

طبعت هذه الورقة 100_Things_Committed_To و افترضت بأنها ستكون قد امتلأت على نهاية العام، إلا أنها و خلال يوم واحد انشغلت ب58 من الأمور التي أود جعلها من ضمن قائمة التزاماتي، حتى أنني تحايلت عليها بدمج بعض البنود باعتبارها تفرعات من الشيء نفسه! المضحك أن خامس التزام قمت بكتابته في القائمة هو “شَعري” و لا أدري كيف يكون التزام المرء مع شعر رأسه و لكنني أدري كيف بعض الأشياء حين تبدأها يصعب عليك التوقف عنها؛ مثل اعتيادك على حلاقة شعر رأسك بالكامل كلما تجاسر على الطول و أوشك على تجاوز خط نهاية الرقبة.

ربما تحتاج نوعاً من الإلزام لتحافظ على بعض الأشياء التي لا يمكنك التمسك بها حين تكون معتاداً على التخلي؛ اخلق بعض الارتباطات لتكون بمثابة الخيط الذي يشدك عن الارتفاع أكثر من اللازم. حين أحدنا يبقى يتخفف من أثقاله فيجد نفسه فجأة على ارتفاع بعيد جداً عن الأرض حتى أنه يختفي عن الأنظار و لا يعود يسمع كل ضجيج العالم في الأسفل الذي ما زال يراه من حيث هو لا يُرى، و حين تُكثِر من النظر إلى الأعلى و تصبح خفيفاً جداً إلى أن تكاد تتلاشى و تذهب إلى المكان الذي تذهب إليه “البالونات” الضالة و كل الأشياء التي تختفي! لن تعلم ما الذي ينتظرك هناك لأنه لم يحصل من قبل أن عاد “البالون” الهارب من يد صاحبه ليخبرنا عما يوجد في سماء العدم التي تبتلع الأشياء الضائعة.

 

 

 

Dear Mr. I Know Everything

شريحة1

هل تعرف أحداً منهم؟ ذلك الشخص الذي عرف عن شيء و ظن بأنه يعرف عن كل شيء؟ أو الذي عرف القليل من كل شيء و اعتقد بأنه يعرف الكثير عن جميع الأشياء؟ أو الذي عرف الكثير في شيء واحد و اعتبر كل شيء آخر جزء من معرفته بذلك الشيء الوحيد؟

حين تراه ستميزه بسهولة و لا تحتاج علامات إرشادية لتتعرف على الشخص من هذا النوع. و لو لديك طريقة للتعامل معه فلا تحتكرها لنفسك لأنني ما زلت لا أعرف كيفية التعامل مع هذه الفئة من الناس إلا بعدم التعامل على الإطلاق؛ ألا تقول و لا تفعل (و لا تكون) شيئاً طالما أنت معهم؛ لأنه سيبقى يلاحق كل ما تقول أو تفعل (أو حتى تكون) بقلم التصحيح الأحمر الذي يعطيه سلطة الأستاذ عليك. تحصن معه بالصمت و الكتمان على أن تكون منفتحاً بالتعبير عن نفسك و إلا سيبقى كل ما يمكن أن يعرفه عنك مشروعاً يعمل هو على التعديل عليه.

 

  • أنت تعبر عن “ذاتك” و هو يقيسك على مسطرة “ذاته”.
  • له “تجربة” في الحياة و هي المعيار لكل ما يمكن للآخرين معرفته.
  • تتكلم ليقاطعك بنبرة “العارف”، هو يعرف ما تتحدث عنه، ألا ترى انفعاله؟!
  • لا خطب به بالتأكيد، فهو لم يخطئ مرة ليتعلم، فقط كان لا يعرف ثم الآن عرف.
  • أنت لم تتخصص أو تقم بدارسة ما قام بتعلمه و ما يقوم الآن بتعليمه لك، و لا تريد.
  • على الأغلب لن تستعرض معارفك عليه؛ و لهذا سيبقى ليس ثمة ما يجعلك جديراً بالتقدير عنده.
  • سيقوم بتقليص حجم كل معلومة ترد من خارج إطار معرفته حتى يجعلها تتناسب مع مقاس ما يعلم.
  • ليس لديك ما يتعلمه لأن ما يعلمه أكثر بكثير مما عندك، حتى حين تقول ما يؤيد كلامه؛ سيعارضك فيه!
  • معتاد على ممارسة دور “الأستاذية” إلى درجة أنه لن يلاحظ تقدمك عليه ببعض المجالات، أو حتى بمجاله نفسه.
  • قل الشيء أو عكسه، في كل الأحوال سيعثر على ما يناقضه أو ينتقده أو يتبرع بتقديم نصيحة لم تطلبها منه حوله.
  • أنت تكتب و هو يعلق، أنت تتحدث و هو يتدخل، أنت تفعل و هو يحلل؛ و لكنه لا يكتب و لا يتحدث و لا يبادر بالفعل من تلقاء ذاته.
  • نظرة التركيز المرتسمة على وجهه بينما تكلمه لا تعني بأنه يصغي إليك؛ إنه يجهز الرد و ينتظر النقطة التي سيختطف بها الحديث منك.
  • لديك فرصاً تبدو واعدة للنمو، احذر إخباره عنها؛ ستكون فرصاً لن يمكنه التفريط بها لاستعراض معرفته الواسعة بكل ما يمكن أن يتعلق بها.
  • سيتسلل إلى الحديث الدائر بين اثنين ليرد على سؤال لم يُطرح عليه و ليس ثمة ضرورة حتى للإجابة عليه.
  • إنه فقط يعلمكم ما سبقكم إلى معرفته: لسنا “نحن” بل أنتم، لا يجب علينا بل يجب عليكم، أنا في موقع و أنتم بموقع بعيد عني و منه أخاطبكم، هل تسمعوني؟!
  • مهما وجهت له من أسئلة، لا تتوقع أن تسمع منه عبارة “لا أعرف”؛ سيرد دائماً حتى لو كان مجرد “رد”، غالباً سيطيل في الإسهاب هنا (بالرد الذي لا يجيب على سؤالك) و سيُغرِقك بكمية معلومات الهدف منها تشتيت تركيزك عن موضوع سؤالك الأول.

 

عزيزي السيد الذي يعرف كل شيء..

“النصائح وسيلة عدمية تدميرية” *الدكتور نايف الجهني

أدري بأن لديك رأي في كل شيء، و بأنك تفترض بأنه يجب أن يكون لدي رأي كذلك، و لا يمكن ألا يكون لدي رأي لأنك ترى بأنه من المستحيل أن تكون إنساناً و لا تمتلك رأياً في كل شيء إلا أنك ترفض الإفصاح عن رأيك ربما. هذا ما تراه أنت! و أدري بأنك تريد أن يرى الجميع رأيك، و تريد كل الآراء أن تكون على مقاس رأيك، لا يمكن أن يكون أحدنا قد بلغ مرحلة لم تبلغها بعد، كما يجب أن تتقلص كل الأشياء لكي يمكن قياسها في حدود ما تعرف، لأنك أنت الذي تعرف. و لكن الذي لا تعرفه، بأنك لست أنا، و تجربتك ليست تجربتي، و حياتك بالكاد تعيشها لتحاول إقحام نفسك في كل ما لا يعنيك في حياة كل شخص يتورط بمعرفتك أو بإنشاء علاقة معك.

 

أن تعرف؛ يعني أن تعرف بشكل كلي.

أن لا تعرف بشكل كلي؛ يعني أنك لا تعرف.

لكي تعرف بشكل كلي؛ من الضروري أن تعرف القليل جداً،

و لكن لتعرف ذلك القليل جداً؛ عليك أن تعرف الكثير جداً.

Gurdjieff*