الكلمة هي الفعل

IMG_3638

كنت قد أشرت هنا إلى تطبيقي لبرنامج Find Your Word 2016 بغرض التوصل إلى وضع عنوان عريض ليكون الإطار العام لكل ما ستحتويه السنة، و كانت “الكلمة” قد ظهرت معي منذ اليوم الثالث و مع هذا أكملت اليومين المتبقيين (لأتأكد).

كانت تلك “الكلمة” تُصدِر وميضاً خافتاً خلف كل كلمة من كلماتي العشرين الأولى، ثم أخذت تزيد حدة و سرعة تتابع ومضاتها بينما أقوم بتصفية العشرين إلى الخمس كلمات النهائية، حتى تحولت بالأخير إلى لطخة كبيرة مضيئة بقيت تنتشر حتى غطت كل الأوراق.

كلمة واحدة تُخبر عن امتلاك الجاهزية القصوى لتكريس الوقت و المساحة و الطاقة التي تعادل حجم أهمية كل ما هو مهم لدي، أو لنقل؛ لدى غيري! لأنني (و كما في كثير من شئون الحياة الاعتيادية) اضطر لاختلاس النظر إلى أوراق الآخرين لأعرف كيف سأُقَدِر مقدار أهمية بعض الأشياء.

أُغافل القرد الصغير العابث بداخلي الذي قد يقود أي أحد إلى الجنون (و لكنني أتعايش معه بشكل جيد)، و أجرب تنظيم العفوية الطاغية التي تدير أيامي. و أدري كم يصعب على الذين يعرفوني الاقتناع بأن كل ما أعمله و كل ما أنجزته في حياتي نابع من عفوية الطفل فيَّ.

كل هذا الذي ترونه مني، و كل الذي أخفيه عنكم كذلك، هي أشيائي التي أحب، لا يمكنني أن أمارس إلا ما يثير شغفي، و قد عملت على التأكد من ذلك عندما سلمت السنة و نصف الماضية بالكامل لتسير “على البركة” و بقيت كل الأمور تتالى في سريان و بلا جهد مني.

لم تتبدل معايير أدائي، ما زال حرصي على الإتقان، حس المبادرة بتولي القيادة، انغماسي بالمهمة بلا ملل حتى تتم… و لكنني أميل غالباً لتصديق ما يقوله الآخرون حين يتعلق الأمر بمكونات العالم المادي الذي لا تنسجم معه روحي. يخبرونني بأن علي أن أفعل (أو لا أفعل) الشيء فأجرب بنفسي و أرى.

لأنه بالنهاية لن يمكن لأحد أن يخبرني بما علَيَّ أن أشعر (أو لا اشعر) به؛ لذا لا أرى بأساً بخوض تجربة العيش لمرة وفق “خطة عمل” سأقرر بعدها إن لائمني النظام أو أقوم بتغييره. صارت عندي مناعة قوية ضد التأثر بلدغات الأشخاص من فصيلة Mr. I Know Everything

ما زلت أتناول المسألة كلعبة؛ استيقظت يوماً و قلت: “اليوم ألعب لأفوز” و فزعت قليلاً؛ فأنا ألعب كل يوم لألعب و حسب فما الذي تغير الآن؟! من معرفتي لذاتي سأقول بأنني رفعت من مستوى اللعب لا أكثر.. ما زلت أسير في خط الاستمتاع بالحياة.

لماذا “الالتزام”؟ تبدو لي الكلمة بعيدة عما أقصده بها حين تُقال باللغة العربية حيث تبدو أكثر تزمُّتاً من مرادفتها باللغة الإنجليزية حيث تبدو مسترخية أكثر في تعريفاتها. و هي (الكلمة) ظهرت لي كعامل مشترك يجمع كل “كلماتي” برابط واحد.

الالتزام مع “الناس” يتضمن الارتباط بأفراد العائلة و فريق العمل و مساعدة الأصدقاء و التعاون مع الزملاء و كلهم في دائرة الأخذ و العطاء (التعلُّم و التعليم)، و قبل الناس هناك التزامي مع “نفسي” بالطبع، ثم يوجد الالتزام مع “البيت” و فيه مساحة العمل و حيز اللعب و التذوق الجمالي و النشاط الحركي؛ لدي التزام مع “البهجة” كذلك و هو نوع من عقود الاحتكار لا يمكنني المخاطرة بفسخه.

بتوهجي و نموي، مشاركة حماقاتي و الاحتفاء بوجودي، و التزامي الذي يغلف كل تلك الأشياء بالحب، و بالحب يتولد كل الإبداع و العافية و المقدرة و التمكن التي تجعلك تلتزم بسهولة بكل التزاماتك؛ التزامي بقيمتي الأعلى و هي الخدمة؛ حين أكتب و أتحدث.. أُشافي و أساعد.. أشجِع و أُلهِم… و اعتنائي بنفسي هو عنايتي بالآخرين؛ إذ أن كل تفاصيلي موجهة نحو خدمة “الكل” الذي يجمعنا.

طبعت هذه الورقة 100_Things_Committed_To و افترضت بأنها ستكون قد امتلأت على نهاية العام، إلا أنها و خلال يوم واحد انشغلت ب58 من الأمور التي أود جعلها من ضمن قائمة التزاماتي، حتى أنني تحايلت عليها بدمج بعض البنود باعتبارها تفرعات من الشيء نفسه! المضحك أن خامس التزام قمت بكتابته في القائمة هو “شَعري” و لا أدري كيف يكون التزام المرء مع شعر رأسه و لكنني أدري كيف بعض الأشياء حين تبدأها يصعب عليك التوقف عنها؛ مثل اعتيادك على حلاقة شعر رأسك بالكامل كلما تجاسر على الطول و أوشك على تجاوز خط نهاية الرقبة.

ربما تحتاج نوعاً من الإلزام لتحافظ على بعض الأشياء التي لا يمكنك التمسك بها حين تكون معتاداً على التخلي؛ اخلق بعض الارتباطات لتكون بمثابة الخيط الذي يشدك عن الارتفاع أكثر من اللازم. حين أحدنا يبقى يتخفف من أثقاله فيجد نفسه فجأة على ارتفاع بعيد جداً عن الأرض حتى أنه يختفي عن الأنظار و لا يعود يسمع كل ضجيج العالم في الأسفل الذي ما زال يراه من حيث هو لا يُرى، و حين تُكثِر من النظر إلى الأعلى و تصبح خفيفاً جداً إلى أن تكاد تتلاشى و تذهب إلى المكان الذي تذهب إليه “البالونات” الضالة و كل الأشياء التي تختفي! لن تعلم ما الذي ينتظرك هناك لأنه لم يحصل من قبل أن عاد “البالون” الهارب من يد صاحبه ليخبرنا عما يوجد في سماء العدم التي تبتلع الأشياء الضائعة.

 

 

 

5 thoughts on “الكلمة هي الفعل

  1. كشخص اعتاد على التخلي دائما حتى صار سمة لافعلا ، اجد كلمة ‘ التزام ‘ اكثر تقييدا من قائمة طعام المطعم المجاور لي – والتي لا احبها لكني اعتدت ان اختار افضلها – ربما احاول ان افعل ذلك مع تلك الكلمة ،
    لا احب التقييد لا اشعر بالانتاجيه وكثيرا بالاختناق اذا ما وضعت في مكان او علاقة تتطلب مثلا وجودا دائما كنوع من الالتزام بالبقاء والدعم ،
    اتخفف كثيرا ، وبما انني انطوائيه او لنقل افضل التأمل اكثر من الحديث ، سهل هذا الامر الكثير ،
    صرت كما ذكرتي بالون في وسط بقعة ما ، لا اظن اني ضللت ربما احاول ايجاد طرقي كما افعل دائما ،
    القدرة على التخلي او فعل ذلك بلا وجود رغبة سوى رغبة الوصول الى مااشعر عنده بوجودي ، تصبح اكثر اخافة مع الوقت ،
    لا اتمسك بشيء او بأحد ،
    أظنني “ملتزمة” اذن بما يريحني فحسب حاليا على المدى القصير ، الا اني مازلت أتعلم ان اوازي هذا مع المدى الطويل علني لا أمل من المحاولات يوما .
    مدوناتك جميله
    🙂

    Liked by 2 people

    • 🙂 حتى أنا يا فاطمة أقوم بالتحايل على الكلمات و تطويعها دائماً لتخدم منطقة ارتياحي في عزلتي و لهذا أخوض هذا النوع من التدريب أو ما يبدو أنه أقرب لاكتشاف كيف هي حياة “الناس”، أعني عموم البشر، و إن كانت ذهنية المراقب فيَّ لا تعطيني أي فرصة للإندماج في الدور لدرجة نسيان أنه مجرد دور ألعبه؛ ما زلت أمرح و آخذ كل الأمور على محمل “البحث”، و كأن كل الأرض معمل لتجاربي و كل إنسان هو جزء من “التجربة” !_!

      Liked by 1 person

      • افكر يا صبرين ان كل انسان هو جزء من تجربة آخر ، وان وجودي على الارض تجربه فرديه ،
        ربما يخيفني اني ابحث اكثر مما أتوقف لأبني شيئا ، او ربما يتم البناء تراكميا دون ان اعي ذلك ،
        دور المراقب ممتع وغني بكل مااتصوره ، أظن ان شعور التخمه يأتي مرافقا لذلك ايضا
        ._.

        Liked by 1 person

  2. يا سلااااااام
    ضاع مني بالون مرة
    أو ضاع من أختي ربما، لا أذكر
    كنت هناك ولحقته بعيني حتى اختفى
    تذكرته الآن 😍❤️✨
    تذكرت دمية الفيل في فيلم انسايد اوت أيضًا 👾

    Liked by 1 person

  3. التنبيهات: الخيال هو ذاكرة، و المعرفة ذاكرة مُستعارة | قصة صغيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s