الخيال هو ذاكرة، و المعرفة ذاكرة مُستعارة

little miss oversahre

لدي حكاية تود أن تُقال، و هي عني؛ حاولت تجاهلها لمخالفتها إحدى النقاط كنت قد أضفتها مؤخراً إلى لائحة تعاليمي البدائية الخاصة بالتحقق من صلاحية النص للمشاركة: “لا تكثري من الحديث عن نفسك لغير ضرورة”، و هكذا استمريت بمماطلتها حتى بدا لي أمر التملص منها مستحيلاً. قبل كل شيء، هذا مكاني الذي أكتب فيه، لم أتطفل على صفحات الآخرين لأقيم فيها استعراضاتي، إنني أدفع مالاً لأمتلك مساحتي هذه، و لي أن أستخدمها بالشكل الذي يروق لي (و يروق لكم كذلك). ثم أن “الانفتاح بالتعبير عن الذات” موجود ضمن قائمة التزاماتي المئة، و هو مكتوب مع “المزيد من الشجاعة” في البند نفسه؛ مما يعني أن علَي تجاوز خوفي من أن أتحول إلى واحدة منهم. لا أعرف أين يقع الخط الفاصل ما بين الحديث اللائق عن الذات و الإفراط  فيه حد الثرثرة، و لكن الأمر هو أن لدي حكاية تريد الخروج، و ترى بأن لا أحد سيحكها غيري؛ إذ أن كل منا عنده حياة، و حياة كل منا قصة، و تلك القصة مليئة بالحكايات الصغيرة، و لكل حكاية أن تُروى متى ما عَثَرَت على الكلمات التي تصلح لجلب معانيها إلى الوجود. للبعض ستكون الحكاية درساً، و للبعض رسالة، و للغالبية لن تكون أكثر من هراء محكي بطريقة جيدة! لا يهم؛ فذاكرة خيالي هي الجزء مني الخارج عن سيطرتي.

“أنا” أتذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى “هنا”، و أتذكر دهشتي حين وجدْتَني في هذا الجسد في ذلك المكان مع أولئك الناس، و أتذكر كيف استغرقت وقتي بالتجول في “البيت” دون أن أمتلك الجرأة للمس كل تلك الأشياء المألوفة لي، غير أنني و للمرة الأولى أراها من خلال هذه العيون، وسيلة رؤيتي الجديدة التي تجمَدَت على اتساع التحديق و رسمت ملامح الدهشة على وجه كل طفولتي. و مهما اعتصرُت ذاكرتي عجزت عن تذكر أين كنت قبل مجيئي، و أتذكر تماماً أين كانت “هي” قبل أن أكونها، و لكن عندما أخبرت والدتي عن مشاهد أحداث كنت جزءاً منها أثناء طفولتي، أو كانت تلك الرضيعة التي سبقتني بالمجيء جزءاً منها، قالت بذهول بأنه من غير الممكن لمولود العام و نصف أن تكون ذاكرته قد بدأت بالعمل بعد، فاخترت التوقف عند ذلك الحد و لم أخبرها بأنني شاهدت كل شيء من “الأعلى”؛ كنت أراني في المشهد و أنا خارجه، و كأنني أطفو بينما أراقب “أنا” الثانية (أو الأولى)! و استمرت تلك الفجوة الفاصلة ما بين الذاكرة التي احتفظت بها من مراقبتي “نفسي” و أنا خارجي و بين الذاكرة التي بدأَت معي يوم استيقاظي و أنا بداخلي. ربما كل الأمر لم يقع إلا بمخيلتي النشطة أكثر من اللازم، ربما يمكن لأحدنا أن يعيش في الخيال حتى لا يبقى في ذاكرته مساحة للواقع.

بقيت منذ صغري على حال المراقبة، ما كنت أميل للعب و لا لمرافقة الناس، أحببت الاختفاء بالزوايا المظلمة لساعات أراقب فيها ما يدور من حولي، لا أحد يبحث عني أو يفتقد حضوري الصامت، أتواصل مع كل الأشياء الساكنة، الجمادات التي تشبهني، حتى الجدران أعطيها تفاصيل شخصية ثم أتعرف عليها. في “خيالي” خَلَقْت حياة موازية لحياة الخارج، و من العيش في خيالي تشكلت كل ذكرياتي، أنسى ما كان يجري في الخارج و لكنني لا أنسى ما كان يدور بداخلي، و لأتذكر حدثاً وقع في حياتي علَيَّ أن أستعيد المرحلة التي كنت قد بلَغتُها بتخيلاتي. و قد تطور ميلي إلى المراقبة إلى شغفي بقراءة الناس، و أسعد أوقاتي تكون في الانتظارات و التنقلات، حيث في المحطات تبدو و كأنك الثابت الوحيد، و الناس تذهب و تجيء؛ تصير أنت المحور و العالم يدور من حولك. ترى “اللحظة” في كل مشهد، و ترى من خلفها تاريخاً من اللحظات التي صنعَتْها، تشاهد العلاقات و الروابط و الفراغات التي تملأها بخيالك، تفكك الأجزاء و توصل النقاط المتقطعة بخطوط متعرجة حتى ترسم “الكل”، تعيد تشكيل الملامح العابسة بابتسامة منك، و بتلويح إحدى يديك تزيل يَبُوسَ الأكف التي أبلاها الشقاء، و تدس في حقائب الصغار أمنيات سعيدة سيقومون بتمريرها لصغار غيرهم حين تُزهر معهم و هم يكبرون.

طريقتي بالتفكير بواسطة شرائح صور أراها في خيالي (أو ذاكرتي) هي الوحيدة التي أعرفها، و لذا يتعبني الكلام، لا مشكلة لدي بالإصغاء لأنني أرى الكلمات أكثر مما أسمعها، حسناً؛ ربما أذهب إلى أماكن بعيدة بينما أبدو لك مستغرقة بالإنصات لما تقول، و لكن لا بأس، سيكون ما يجري في رأسي متعلق حتماً بما تخبرني به، إلا أنني أرى فهمي له و هو يتجسد بمشاهد و أصوات و كائنات متحركة! و لكن لترهقني دعني أتكلم، سترى كيف أبدو و كأنني أتلو الكلمات من على شاشة عرض، و لذا لا أتصور أي بديل كان ليحافظ على سلامتي الذهنية غير الكتابة. و لكني أكتب حتى حين لا أكتب، أقوم بتكوين النصوص في رأسي و هذا يجعلني أكسل من أن أدونها على الورق أو أية وسيلة حفظ أخرى، لأن التفكير في صياغة الجمل و معالجة سلامتها النحوية و كل تلك الشكوك الإملائية يقطع استرسالها العفوي، و قد تهرب من بين يديك أجمل الحكايات إذا أنصرف اهتمامك عنها، أما إذا توجهت لها بكل انتباهك حين تناديك، فسوف تعود مجدداً و تسمح لك أن تعيد روايتها بصيغتها المكتوبة مقابل أنك أحسنت استقبالها أول مرة. دع خيالك و شأنه حين ينزلق إلى الدخول في القصص من وراء الأشياء حين تراها، لو اعترضْته بالتفكير فسوف تقوم بإفساد كل العملية، الخيال تقتله المعرفة المزيفة.

عندي ابن خال مختلف.. أدري كلنا مختلفون؛ و ميزته بامتلاكه “كروموسوم” حَكم عليه “الطب” بأنه “زائد”، إلا أن زيادته تظهر على صورة حب أكثر و صدق أكثر و طفل لا يكبر. قبل أن يتم إرغامه على التشبه بالكبار؛ ذلك النوع من الكبار الذين لا يرون في لعب الراشدين سلوكاً لائقاً، كانت لديه حقيبة عجيبة يجمع فيها أشياء غريبة، مثل دمية بلا أطراف، عجلة مطاطية بلا سيارة، مصباح لعبة لا يعمل… و كنا نُشبِه حقائبنا المدرسية بحقيبته حين نعثر فيها على غرض تالف غير صالح لأي استخدام؛ حيث من المعتاد أن اقتناؤنا للأشياء يكون من أجل ما تفعله لنا و ليس لذاتها، و تعطُل الشيء عن أداء وظيفته يعني التخلص منه. أنا لا أمتلك من ذلك الكروموسوم (الزائد) الذي يترك الإنسان طفلاً إلى الأبد، و لكني أعرف معنى أن تُحَب الأشياء لذاتها و ليس لما تعمله. تناديني أمي باسم ابن خالي الطفل الذي لا يكبر حين تضبطني و أنا أحتفظ بقطعة من جهاز تالف لأني أجدها جميلة كما هي حتى إن كانت بلا “فائدة”. أحياناً يأخذني العطف على لعبة مشوهة إلى أن أشتريها حين أفكر كيف سوف لن يختارها أحد و ستحزن و قد يتم التخلص منها بقسوة. و اتساءل هل كان طفلنا الكبير يقصد إنقاذ الأشياء المعطوبة التي يجمعها في حقيبته؟! و هل يدري بأن حقيبته تعني القبول و الحماية و الرعاية؟

 

ليس عليك أن تكتب من أجل أحد، فقط من أجل نفسك. و ليس لأحدٍ أن يكتب كتاباً من أجل أن يكتب كتاباً فقط، فهذا لن تكون له صلة بالواقع؛ و سيكون مجرد كتاب. *إميل سيوران

و كيف لا أحب نفسي؟!

اقول حب نفسك يخي

 

“كيف أحب نفسي؟” في كل مرة يصلني فيها هذا السؤال يكون ردي “و لماذا لا تحب نفسك؟!” و كأنني لم أكن يوماً “هناك” أو كأنني نسيت كم من عمري قضيت و أنا أستقبل إساءات و أمر بإحباطات و اضع نفسي بمنازل دنيا في سبيل.. حسناَ؛ أصبحنا نعرف الآن بأنه لم يكن حباً و لا حتى شيئاً قريباً من الحب، ليس إلا نظاماً مصمماً للسيطرة على العقول من أجل إعدادها لتكون قابلة لاستقبال الأوامر و تنفيذ متطلباتها بما يضمن استمرار دوران العملية دون حاجة لإعادة “البرمجة” الأساس. نعم أنت مجرد “وحدة تخزين بيانات” عملها أن تنسخ محتوياتها على وحدات تخزين إضافية؛ و هكذا يواصل “النظام” تشغيل نفسه.

يمكن للرسائل التي يتم توصيلها (أو عدم توصيلها) إلينا في الطفولة أن تأخذنا نحو أشد الأماكن ظلمة في رفضنا، عدم استحساننا، بل حتى إنكار معرفتنا لذواتنا. كل عوامل هذه التجربة مخططة للتواطؤ على جعلك تصدق شيئاً واحداً حتى تعتقنه حد اليقين، منذ مجيئك إلى هذه الحياة، أول ما يتم إخبارك به هو أنك “لا تعرف”، و يبقى هذا المعنى يُقال لك بكل الطرق، في البيت ثم في “المدرسة” و في كل ما سيليهما، هكذا حتى تقرر يوماً بأنك اكتفيت من الخضوع للأكاذيب، و تبدأ تتذكر أنك بالأصل “تعرف”، و تعود لاكتشاف الطريق الذي مشيته أول مرة و أنت معصوب العينين، و لكنك الآن استعدت بصيرتك؛ و أنت الآن ترى.

حقك في أن تتم رعايتك و حمايتك و قبولك، هو شيء يأتي معك ثم يتم تجريدك منه – مثلما قام الزوجان “تيناردييه” في رواية “البؤساء” بسلب الكساء الفخم الذي كانت ترتديه الصغيرة “كوزيت” بعد استلامها مباشرة من والدتها لرعايتها مقابل أجر مالي، ثم بيع تلك الملابس و التقتير على الطفلة و تسخيرها للعمل لصالحهم طوال مدة إقامتها لديهم إلى أن تم إنقاذها من قِبَل ” جان فالجان”.. مثل ذلك أنت تأتي برداء من القداسة و أنت مستحق لأن تكون محبوباً و مرغوباً و محتفىً بك دون أي شرط، و لك أن تتم تغذيتك و إشباعك و إنماؤك بلا أي مقابل منك، و حصتك في مصادر هذا الكون مكفولة و أنت تحب ذاتك؛ و أنت تنمو؛ ثم و أنت تخدم وجودك.

و لكن أهلك (مثل معظم البشر) مدربون على وضع ثمن عليك أن تدفعه مقابل “حقك” في العيش و في البقاء، و حقك في أن “تكون”! كل ما يتم تقديمه إليك من لحظة خروجك إلى الدنيا سيكون مختوم برقعة “سعر”، و من الآن كل العلاقة التي تحكم تعاملاتك معهم ستكون أشبه بكشف حساب كبير مُعَد لتقييمك و محاسبتك و تغريمك عِوض كل اشتراط لن يمكنك الوفاء به، و كل توقع ستعجز عن تلبيته، و كل دور مرسوم لك حين لا تتمكن من تأديته. مستوى جودتك هنا يعادل أهمية وجودك، و بقدر ما تجتهد بجعل نفسك ملائماً ستنال من الاحتواء، و كلما انصهرت على شكل القالب المُعد لك فأنت في أمان.

و بينما يتم تدجينك؛ فإن كل احتياجاتك (التي تخدم هذا الغرض) تندرج تحت بند “الضرورات” و لا يمكن اعتبارها مشكلة حتى عندما يتعسر تأمينها. و في الظاهر، سيبدو و كأنه قد تم بالفعل سد كل حاجاتك و احتضانك بينما تكبر و تجهيزك بما يلزم للانطلاق في طريقك متحرراً من كل الروابط التي ستشدك إلى الأسفل، إلا أنك ستُذهل حين تخرج إلى “العالم” و تكتشف بأن كل العملية كانت تهدف إلى جعلك مربوطاً بشدة بهم حتى لا تستطيع أن تغادرهم حين يحل وقت استحقاق ديونك لهم، و كل زيادة في ما أُعطِيته من قبل؛ تُحكِم قيودك أكثر حتى لا يمكنك الفرار بعيداً إلا بقدر ما ستسمح به مطاطية النسيج الذي تم غزله من حولك.

كل ذلك “الحب” المزيف لن يترك لك مبرِراً لأن تغضب منهم فتقوم بتوجيه الغضب إلى نفسك، و كلما شعرت بالاستياء تجاهد نفسك بكبته و تستبدله بالشعور بالذنب، لأن المعلومات التي تم تخزينها في ذاكرتك تخبرك بأنك الآن جاحد للمعروف، و من هنا تأتي كراهيتك لنفسك (أو انعدام حبك لنفسك). غضبك المتفاقم هو الحب الغير مُعبر عنه؛ لأنهم لم يحبونني كما يجب فلا بد من أنه ثمة خطب بي، قد أكون لا أستحق و ربما هم محقون و أنا فقط “لا أعرف”! كم أكره نفسي؛ و هم أيضاً لا يسمحون لحبي لهم بالخروج لأنهم لا يحبونني و لا أعرف ما الذي علي فعله لكي أستحق أن يحبوني و يسمحوا لي بأن أحبهم…

تذَكَّر قبل كل شيء أنك بالأصل روح لا تعرف إلا الحب، و ذلك الحب ليس مرتبطاً بما قد تفعله أو تقوله أو تكونه، الحب هو أنت على حقيقتك. روحك أوسع من أن تضيق عن احتواء جماعتك و ناسك و كل البشر، و حين تفهم كيف تحولت محبتك إلى غضب و كيف توقفت عن حب نفسك لأنك مستاء من الآخرين، فستتعلم كيف تعود إلى حالتك النقية من كل بغض، ومن ذلك الأسى الذي تراكم فيك بفعل تتابع التجارب المؤلمة عليك حتى لم تعد تعرف من أين بدأ مقتك هذا و لمن هو موجه و لأي الأسباب. توقف هنا لتدرك بأنك ما زلت تلعب لعبتهم؛ أنت كذلك لا تعرف كيف تحب، جرب أن تبدأ بإسقاط كل مفاهيمك القديمة عن “الحقوق و الواجبات”.

استهدف الحب و انسَ أمر العلاقات؛ توقف عن انتظار شيء من أحد، خصوصاً ما لم تقدمه أنت لنفسك، و توقف عن افتراض ما هو حقٌ لك على غيرك و ما هو واجب عليهم لك، قم بفصل أدوار الناس في محيطك عن توقعاتك منهم، تلك والدتك و كان من الممكن بحسابات أخرى أن تكون مثلاً جارتكم و تبقى هي ذات الشخص بكل مواصفاته و سلوكياته و ميزاته ثم لا تحصل منك على ردود الأفعال و الانفعالات و المواقف ذاتها. لا تفرض تصوراتك (أو الإطارات المتوارثة) على الناس بناءً على صفات قرابتهم بك، و سيسهل عليك الخروج من دائرة توجيه اللوم و تبادل الاتهامات، و أيضاً الامتناع عن مقارنة ما تعطي بما تأخذ.

طالما أنك تحيا في العالم المادي فسوف تنطبق عليك قوانينه؛ الخلل الظاهر يتم إصلاحه من الخارج و بعد ذلك يكون التفرغ لصيانة “الداخل”. و قبل أن تمتلك مهارات العيش من العمق؛ لا تسمع لمن يحدثك عن مبدأ العمل من الداخل للخارج؛ لديك ثغرات تستنزف طاقتك، لا بد من معالجتها أولاً حتى تتمكن من استجماع قواك الداخلية. ضع نفسك أولاً و تجنب تكريس عطاؤك للآخرين في هذه المرحلة؛ لا تنسى، أنت تحب نفسك أولاً، ثم “أنت” تنمو، و بعد ذلك فقط تكون ثمارك صالحة لأن تقدم منها لمن تريد و على حجم ما تركت نفسك لتنمو.

العلاقات تُبنى على احتياجات و متطلبات و اشتراطات، و لا بأس في ذلك، و لكن استرجاع الفطرة على الحب سيجعل كل علاقاتك لا تعكس إلا ظلال الحب، و ستنتهي من نوع العلاقات التي تتذبذب فيها المشاعر بحسب مدى التزامك بتلبية شروطها أو تقصيرك فيها. و حتى النهايات لن تكون مؤلمة بَعدْ، و لا مشحونة بالغيظ، إذ أن الحب الشامل ينساب عند إحياؤه ليغمر ذاتك و يفيض على غيرك و يلامس كل الأشياء من حولك؛ لا يجعلك محدوداً و لا منفصلاً، هو كلِّي لا يتجزأ. حبك لذاتك يتجسد بحب جميع الأشخاص في عالمك لك، و لا يمكنك ادِّعاء هذا النوع من الحب لنفسك و أنت تعاني من انعدام الانسجام مع الناس في محيطك، يمكنك أن تخدع نفسك و أن تكذب على الآخرين و لكن لن يمكنك التحايل على عالم النوايا الحقيقية؛ الخارج هو مرآة الداخل.

ستتأكد لاحقاً أن كل من هو متواجد بعالمك فهو إما نسخة قديمة منك أو متقدمة عنك، و هذا سيكسبك منظوراً جديداً أعلى من “عدم المقاومة” أو مجرد “القبول”، سيصير احتفاء بكل أحد مهما كان ما هو عليه، و احتواء للجميع بكل ما فيهم، و لا يصل أحدهم إليك إلا و هو مرحب به سلفاً ليكون “نفسه”، حقيقياً و على طبيعته، و هذا هو الوجه الآخر لقبولك ذاتك. بالتدريج سيختفي من مجال تعاملك كل من يتعارض وجوده مع اختيارك للحب و سلامك الداخلي و اتزان إدراكك.

يمكنك أن تبدأ التدرب على حب النفس بتكثيف اعتناؤك بك، قم بهذه الحيلة و تخيل أنك ذلك الحبيب الذي تسعى لجذب انتباهه ليقع في غرامك. كل ما تراه سائداً على اعتباره تعبيراً عن الحب من شخص لشخص، خذه و مارسه مع نفسك؛ تجَّمل بسخاء.. أخرج في نزهة.. تكلم بلطف.. تجاوز زلاتك.. لاحظ تفاصيلك.. قدم لك هدية.. مشروب دافئ.. رسالة غزل… اعطي لنفسك على الجودة التي تعطيها لغيرك، و إن كانت متدنية من الجانبين؛ ابدأ بالجانب الخاص بك، إذ كما أن سلوكياتنا هي المؤشر الذي يعطي قراءة صادقة لما بدواخلنا، فكذلك تضبيط الداخل سيتجلى في تصرفاتنا. لا تخفي عاداتك التي لا تروق لك أو تتظاهر بعكسها، استبدلها و ستتلاشى ببساطة.

لو شعرت بأن بعضاً من المرارات القديمة ما زالت تعيقك؛ لا تستعجل تحررك منها، يمكنك تركها للوقت الذي سوف تصبح فيه أقوى على مواجهتها بعد أن تكون قد ابتعدت عن تأثيراتها عليك بما يكفي لأن تراها بوضوح و بتجرد أكبر. صدق بأنك ستنظر يوماً لكل معاناة و ترى فيها الدرس الذي جلبته لمستقبلك، و سترى المُعلِّم في كل مسيئ تعرَّض لك بالأذى. فبالنهاية، هي ليست إلا أدوار، و كل منا سبب لتدابير أعلى لا يمكننا الإحاطة بها. و لسنا الذين نعطي و إن كنا مسخرين لتوصيل العطايا لمستحقيها؛ استلم الرسالة و كن ممتناً للرسول. هكذا نتعلم كيف نحب، كل تجاربك الماضية هي مجرد تدريبات قاسية على الحب.

الحب في جوهره مثل نهر جارٍ، جريانه لا يتوقف على وجود أحد معه أو بقربه، و هو لا يغير مجراه ليلحق بأحد، و لا يبحث كذلك عمن يمكن أن يُسقِط عليه محبته. الحب كينونة و ليس فعل، النهر يقدم من نفسه لمن ينحني عليه ليغرف منه، و لا ينشغل بالتفكير بمدى استحقاقه، عطاءه ليس واجب، ببساطة هذه طبيعته و هكذا هو يكون. و عطاياك ستتجه لمن تعرف و لمن لا تعرف لأن الحب فيض داخلي تستقيه من حبك لمصدره، استشعارك الدائم لحب الخالق يظهر في حبك لمخلوقاته، بما فيهم نفسك، و هذا هو معنى أن تكون أنت الحب.

على سبيل الحب

التشتت VS التركيز

شريحة1

 

اعرف شيء “عن” كل شيء، و اعرف كل شيء في شيء واحد.

استعجالك القفز على المراحل التي تعتقد بأنك متقدم عنها هو ما يتسبب بشعورك بالتشتت، ربما تكون تعرف الكثير بالفعل و لكن المعرفة ليست الغاية، هي مجرد مرحلة ستوصلك مع الانضباط إلى المنهجية التي سيتضح لك معها إلى أين تود الاتجاه و هكذا سيتلاشى التشتت.

قد يضجرك بالبداية اضطرارك لأن تُبطئ من إيقاعك و لكن المفاجآت ستكون تنتظرك بالنهاية و ستتسارع عندها القفزات الكبرى. بدايتك في طريق تحقيق الذات هي أقرب لعملك وفق لائحة مراجعة (checklist) تخدمك بتفحص متانة تأسيسك للتحقق من جاهزيتك للارتقاء للمستوى التالي على خط تطورك الشخصي.

مع تقدمك ستكون قد تبلورت قدرتك على تخطيط منهجك الخاص، أنت هنا إذا كنت قد انتهيت من تأسيس نظام حياة مبني على تطبيق كل معرفتك و صار مسار حياتك أوضح لك؛ اكتشفت أين أنت الآن و قررت أين تود أن تكون، أنت تتحضر للخروج من دائرة التغيير باتجاه دائرة التأثير.

مهما كان ما تعلمته و عملته حتى الآن، لو كنت ما زلت في دائرة المعاناة فارجع و قم بإعادة كل العملية من الأول. الإنسان المؤثر ليس هو الشخص العالق في “مشاكل” الحياة الاعتيادية و لا يمكن أن تعطله العقبات التي يقف عندها الشخص العادي، اعرف مرحلتك و تعامل معها.

فلتر متابعاتك و قم بتطوير أدواتك، و لتختار بعناية من بين المرشدين، فتش عن الأصالة، تجنب مجموعات الاقتباس و النسخ و التجميع، ستتعلم أكثر حين يكون معلمك هو مصمم المنهج الذي يقدمه و مُعِد المواد التي يستخدمها و متحدث بلغته الخاصة التي جعلته مميزاً عن النسخ المقلدة منه.

أحط نفسك بمن تلتقي خطوطهم مع خط سيرك؛ الذين يضيفون لك و تضيف لهم. و لتأخذ عليك أن تعطي، و أن تصدقني حين أخبرك بأنك حتماً تمتلك ما يمكنك أن تعطي منه حتى لو كنت لا تدري، تعرَّف جيداً على ملكاتك و اكتشف ميزاتك و باركها بتسخيرها في الخدمة العامة بمحيطك.

استثمر في نفسك بسخاء، يمكنك توظيف كل ما تكتسبه من معرفة في إنتاج أي عمل موجه لإفادة الآخرين بما عندك، احرص على أن يكون لاجتهادك ثمار ملموسة. حدد مجالك و احذر من أن تتحول مسألة “توسيع الخيارات” إلى ذريعة تبرر هوسك بتكديس كل ما يصل إليك من مواد.

اتبع إيقاعك الخاص؛ لا يوجد نظام أفضل من الثاني، ما هو لك يختلف عما هو لغيرك. ثق بحدسك و سلم نفسك لنفسك، مع كل خطوة ستعرف التالي لوحدك دون أن تخلق من حولك تشويشاً بطلب النصح من الآخرين أو محاكاة تجاربهم أو تقليد طرقهم دون التأكد من أنها حقاً تناسبك.

 

 

 

لديك قصة

شريحة1 ‫‬

و لَأن تخبر قصتك بنفسك خير من أن تدعها ليستولي عليها صانعوا “الأخبار” الذين إما سيصنعون منك القصة (قصة كبيرة)، أو سيخلطونك مع الجميع في قصة تافهة واحدة حتى تختفي في رتابة “اليومي”. فأنت إما خبراً بارزاً، أو عادياً جداً؛ قد تكون الحَدَث أو قد تكون في الخلفية الباهتة التي يجري من أمامها و يطمسها ذلك الحدث.

لديك قصة؛ و لكل قصة هدف، و تلك القصة اختارتك لتروي جانباً من قصة أكبر. قد تظن بأنك تمتلك القصة، و لكنك حين تغيب تبقى القصة؛ فأنت للقصة و هي ليست لك، و مع هذا فخلودك مرهون بروايتك لها، بقدر ما ستعيش القصة من بعدك؛ أنت تعيش.

يُقال: “لا تروي قصة إذا لم تكن تعرف نهايتها”، و بما أن النهايات لا نهائية؛ إذن فليس هناك من “نهاية” لتعرفها قبل أن تشرع برواية قصتك! كل نهاية شيء هي بداية لشيء آخر، فقط اختر النقطة التي تود اعتبارها نهايتك (الفاصلة) الحالية ثم انتقل لبدايتك التالية.

يحدث الكثير بعد أن تروي قصتك؛ عندما تُخبر القصة فإنك تضع لها “نهاية”، و من بعد “النهاية” ستخلق “بداية” قصة جديدة. حين تقوم بصياغة القصة بكلماتك الخاصة فإنك تستعيد السلطة منها، أنت الراوي الآن، يمكنك التعديل عليها أو تغييرها بل و حتى التخلص منها و كأنها ما “كانت“.

لكل أحد في هذا العالم قصة، و من الأفضل لكل قصة أن تُروى من جانب صاحبها؛ لن يمكن لأحد أن يخبر قصتك عنك كما يمكنك أنت أن تفعل، إذ أن الذي رأى بنفسه غير الذي سمع. أنت مَن كان هناك في القصة؛ أنت و ذاكرتك و خيالك و أحلامك، لا يمكن لقصة أن تكون مكتملة إلا بأوهام و أكاذيب و هلوسات كاتبها.

لديك حياة واحدة، يمكنك أن تنفقها على أن تحياها من العمق إلى العمق، أو أن تبددها بالعيش كمجرد عابر على قصص الآخرين. عليك الاكتفاء بعيش حياتك كما يجب على أن توزع نفسك على أكثر من حياة هي ليست لك، ثم لا تعيش أي منها. جرب مرة ألا تحجب نفسك خلف تجاربهم و أن تتحدث بصوتك أنت.

لقد اخترت منذ بضعة سنوات ليس فقط أن أنسى، بل و ألا أعرف حتى ما يجري من حولي على هذه الأرض، و حين سأقرأ بعد عشرات السنين تأريخاً ملفقاً للحقبة التي عاصرتها دون أن أكترث لمعرفة كل ما يحصل بها، سأعتمد على قصص الصغار الذين كبروا ليخبروا عن كل الذي حصل و فاتني معرفته في وقته.

ليس الخبر البارز، بل قصة الإنسان “العادي جداً” هي التي توثق تاريخ هذا العالم. ابدأ من النهاية لكي تعرف من أين سوف تنطلق و إلى أين ستتجه؛ فكِّر في عمرٍ تغزله من بقايا حَيَوات ممزقة، أو عمر يكون هو جسرك نحو البصيرة و به ستعمل على ترك القيمة التي ستساهم بها في رفع رصيد هذا العالم من الحكمة؛ أيهما ستختار؟

ليس هناك عذاب أشد من أن تحمل حكاية غير مروية في داخلك. *مايا آنجلو

الألم الذي يُحرِّض على الإبداع

not you

 

الإنتاج الذي قد يحرضه فيك “الأسى” أو “البهجة” هو ذاته الذي يمكن لحياد المشاعر أن يجعلك تمتنع عن إتيانه؛ و لذا نحن لا نحب المكوث طويلاً في خط “الملل” الفاصل ما بين “الشغف” و “الإحباط”.

قال و هو يرفع الكتاب: هذا الرجل لديه مشكلة.

سألته: و ما مشكلته؟

-إنه يعتبر الملل فناً.

*تشارلز بوكوفسكي