و كيف لا أحب نفسي؟!

اقول حب نفسك يخي

 

“كيف أحب نفسي؟” في كل مرة يصلني فيها هذا السؤال يكون ردي “و لماذا لا تحب نفسك؟!” و كأنني لم أكن يوماً “هناك” أو كأنني نسيت كم من عمري قضيت و أنا أستقبل إساءات و أمر بإحباطات و اضع نفسي بمنازل دنيا في سبيل.. حسناَ؛ أصبحنا نعرف الآن بأنه لم يكن حباً و لا حتى شيئاً قريباً من الحب، ليس إلا نظاماً مصمماً للسيطرة على العقول من أجل إعدادها لتكون قابلة لاستقبال الأوامر و تنفيذ متطلباتها بما يضمن استمرار دوران العملية دون حاجة لإعادة “البرمجة” الأساس. نعم أنت مجرد “وحدة تخزين بيانات” عملها أن تنسخ محتوياتها على وحدات تخزين إضافية؛ و هكذا يواصل “النظام” تشغيل نفسه.

يمكن للرسائل التي يتم توصيلها (أو عدم توصيلها) إلينا في الطفولة أن تأخذنا نحو أشد الأماكن ظلمة في رفضنا، عدم استحساننا، بل حتى إنكار معرفتنا لذواتنا. كل عوامل هذه التجربة مخططة للتواطؤ على جعلك تصدق شيئاً واحداً حتى تعتقنه حد اليقين، منذ مجيئك إلى هذه الحياة، أول ما يتم إخبارك به هو أنك “لا تعرف”، و يبقى هذا المعنى يُقال لك بكل الطرق، في البيت ثم في “المدرسة” و في كل ما سيليهما، هكذا حتى تقرر يوماً بأنك اكتفيت من الخضوع للأكاذيب، و تبدأ تتذكر أنك بالأصل “تعرف”، و تعود لاكتشاف الطريق الذي مشيته أول مرة و أنت معصوب العينين، و لكنك الآن استعدت بصيرتك؛ و أنت الآن ترى.

حقك في أن تتم رعايتك و حمايتك و قبولك، هو شيء يأتي معك ثم يتم تجريدك منه – مثلما قام الزوجان “تيناردييه” في رواية “البؤساء” بسلب الكساء الفخم الذي كانت ترتديه الصغيرة “كوزيت” بعد استلامها مباشرة من والدتها لرعايتها مقابل أجر مالي، ثم بيع تلك الملابس و التقتير على الطفلة و تسخيرها للعمل لصالحهم طوال مدة إقامتها لديهم إلى أن تم إنقاذها من قِبَل ” جان فالجان”.. مثل ذلك أنت تأتي برداء من القداسة و أنت مستحق لأن تكون محبوباً و مرغوباً و محتفىً بك دون أي شرط، و لك أن تتم تغذيتك و إشباعك و إنماؤك بلا أي مقابل منك، و حصتك في مصادر هذا الكون مكفولة و أنت تحب ذاتك؛ و أنت تنمو؛ ثم و أنت تخدم وجودك.

و لكن أهلك (مثل معظم البشر) مدربون على وضع ثمن عليك أن تدفعه مقابل “حقك” في العيش و في البقاء، و حقك في أن “تكون”! كل ما يتم تقديمه إليك من لحظة خروجك إلى الدنيا سيكون مختوم برقعة “سعر”، و من الآن كل العلاقة التي تحكم تعاملاتك معهم ستكون أشبه بكشف حساب كبير مُعَد لتقييمك و محاسبتك و تغريمك عِوض كل اشتراط لن يمكنك الوفاء به، و كل توقع ستعجز عن تلبيته، و كل دور مرسوم لك حين لا تتمكن من تأديته. مستوى جودتك هنا يعادل أهمية وجودك، و بقدر ما تجتهد بجعل نفسك ملائماً ستنال من الاحتواء، و كلما انصهرت على شكل القالب المُعد لك فأنت في أمان.

و بينما يتم تدجينك؛ فإن كل احتياجاتك (التي تخدم هذا الغرض) تندرج تحت بند “الضرورات” و لا يمكن اعتبارها مشكلة حتى عندما يتعسر تأمينها. و في الظاهر، سيبدو و كأنه قد تم بالفعل سد كل حاجاتك و احتضانك بينما تكبر و تجهيزك بما يلزم للانطلاق في طريقك متحرراً من كل الروابط التي ستشدك إلى الأسفل، إلا أنك ستُذهل حين تخرج إلى “العالم” و تكتشف بأن كل العملية كانت تهدف إلى جعلك مربوطاً بشدة بهم حتى لا تستطيع أن تغادرهم حين يحل وقت استحقاق ديونك لهم، و كل زيادة في ما أُعطِيته من قبل؛ تُحكِم قيودك أكثر حتى لا يمكنك الفرار بعيداً إلا بقدر ما ستسمح به مطاطية النسيج الذي تم غزله من حولك.

كل ذلك “الحب” المزيف لن يترك لك مبرِراً لأن تغضب منهم فتقوم بتوجيه الغضب إلى نفسك، و كلما شعرت بالاستياء تجاهد نفسك بكبته و تستبدله بالشعور بالذنب، لأن المعلومات التي تم تخزينها في ذاكرتك تخبرك بأنك الآن جاحد للمعروف، و من هنا تأتي كراهيتك لنفسك (أو انعدام حبك لنفسك). غضبك المتفاقم هو الحب الغير مُعبر عنه؛ لأنهم لم يحبونني كما يجب فلا بد من أنه ثمة خطب بي، قد أكون لا أستحق و ربما هم محقون و أنا فقط “لا أعرف”! كم أكره نفسي؛ و هم أيضاً لا يسمحون لحبي لهم بالخروج لأنهم لا يحبونني و لا أعرف ما الذي علي فعله لكي أستحق أن يحبوني و يسمحوا لي بأن أحبهم…

تذَكَّر قبل كل شيء أنك بالأصل روح لا تعرف إلا الحب، و ذلك الحب ليس مرتبطاً بما قد تفعله أو تقوله أو تكونه، الحب هو أنت على حقيقتك. روحك أوسع من أن تضيق عن احتواء جماعتك و ناسك و كل البشر، و حين تفهم كيف تحولت محبتك إلى غضب و كيف توقفت عن حب نفسك لأنك مستاء من الآخرين، فستتعلم كيف تعود إلى حالتك النقية من كل بغض، ومن ذلك الأسى الذي تراكم فيك بفعل تتابع التجارب المؤلمة عليك حتى لم تعد تعرف من أين بدأ مقتك هذا و لمن هو موجه و لأي الأسباب. توقف هنا لتدرك بأنك ما زلت تلعب لعبتهم؛ أنت كذلك لا تعرف كيف تحب، جرب أن تبدأ بإسقاط كل مفاهيمك القديمة عن “الحقوق و الواجبات”.

استهدف الحب و انسَ أمر العلاقات؛ توقف عن انتظار شيء من أحد، خصوصاً ما لم تقدمه أنت لنفسك، و توقف عن افتراض ما هو حقٌ لك على غيرك و ما هو واجب عليهم لك، قم بفصل أدوار الناس في محيطك عن توقعاتك منهم، تلك والدتك و كان من الممكن بحسابات أخرى أن تكون مثلاً جارتكم و تبقى هي ذات الشخص بكل مواصفاته و سلوكياته و ميزاته ثم لا تحصل منك على ردود الأفعال و الانفعالات و المواقف ذاتها. لا تفرض تصوراتك (أو الإطارات المتوارثة) على الناس بناءً على صفات قرابتهم بك، و سيسهل عليك الخروج من دائرة توجيه اللوم و تبادل الاتهامات، و أيضاً الامتناع عن مقارنة ما تعطي بما تأخذ.

طالما أنك تحيا في العالم المادي فسوف تنطبق عليك قوانينه؛ الخلل الظاهر يتم إصلاحه من الخارج و بعد ذلك يكون التفرغ لصيانة “الداخل”. و قبل أن تمتلك مهارات العيش من العمق؛ لا تسمع لمن يحدثك عن مبدأ العمل من الداخل للخارج؛ لديك ثغرات تستنزف طاقتك، لا بد من معالجتها أولاً حتى تتمكن من استجماع قواك الداخلية. ضع نفسك أولاً و تجنب تكريس عطاؤك للآخرين في هذه المرحلة؛ لا تنسى، أنت تحب نفسك أولاً، ثم “أنت” تنمو، و بعد ذلك فقط تكون ثمارك صالحة لأن تقدم منها لمن تريد و على حجم ما تركت نفسك لتنمو.

العلاقات تُبنى على احتياجات و متطلبات و اشتراطات، و لا بأس في ذلك، و لكن استرجاع الفطرة على الحب سيجعل كل علاقاتك لا تعكس إلا ظلال الحب، و ستنتهي من نوع العلاقات التي تتذبذب فيها المشاعر بحسب مدى التزامك بتلبية شروطها أو تقصيرك فيها. و حتى النهايات لن تكون مؤلمة بَعدْ، و لا مشحونة بالغيظ، إذ أن الحب الشامل ينساب عند إحياؤه ليغمر ذاتك و يفيض على غيرك و يلامس كل الأشياء من حولك؛ لا يجعلك محدوداً و لا منفصلاً، هو كلِّي لا يتجزأ. حبك لذاتك يتجسد بحب جميع الأشخاص في عالمك لك، و لا يمكنك ادِّعاء هذا النوع من الحب لنفسك و أنت تعاني من انعدام الانسجام مع الناس في محيطك، يمكنك أن تخدع نفسك و أن تكذب على الآخرين و لكن لن يمكنك التحايل على عالم النوايا الحقيقية؛ الخارج هو مرآة الداخل.

ستتأكد لاحقاً أن كل من هو متواجد بعالمك فهو إما نسخة قديمة منك أو متقدمة عنك، و هذا سيكسبك منظوراً جديداً أعلى من “عدم المقاومة” أو مجرد “القبول”، سيصير احتفاء بكل أحد مهما كان ما هو عليه، و احتواء للجميع بكل ما فيهم، و لا يصل أحدهم إليك إلا و هو مرحب به سلفاً ليكون “نفسه”، حقيقياً و على طبيعته، و هذا هو الوجه الآخر لقبولك ذاتك. بالتدريج سيختفي من مجال تعاملك كل من يتعارض وجوده مع اختيارك للحب و سلامك الداخلي و اتزان إدراكك.

يمكنك أن تبدأ التدرب على حب النفس بتكثيف اعتناؤك بك، قم بهذه الحيلة و تخيل أنك ذلك الحبيب الذي تسعى لجذب انتباهه ليقع في غرامك. كل ما تراه سائداً على اعتباره تعبيراً عن الحب من شخص لشخص، خذه و مارسه مع نفسك؛ تجَّمل بسخاء.. أخرج في نزهة.. تكلم بلطف.. تجاوز زلاتك.. لاحظ تفاصيلك.. قدم لك هدية.. مشروب دافئ.. رسالة غزل… اعطي لنفسك على الجودة التي تعطيها لغيرك، و إن كانت متدنية من الجانبين؛ ابدأ بالجانب الخاص بك، إذ كما أن سلوكياتنا هي المؤشر الذي يعطي قراءة صادقة لما بدواخلنا، فكذلك تضبيط الداخل سيتجلى في تصرفاتنا. لا تخفي عاداتك التي لا تروق لك أو تتظاهر بعكسها، استبدلها و ستتلاشى ببساطة.

لو شعرت بأن بعضاً من المرارات القديمة ما زالت تعيقك؛ لا تستعجل تحررك منها، يمكنك تركها للوقت الذي سوف تصبح فيه أقوى على مواجهتها بعد أن تكون قد ابتعدت عن تأثيراتها عليك بما يكفي لأن تراها بوضوح و بتجرد أكبر. صدق بأنك ستنظر يوماً لكل معاناة و ترى فيها الدرس الذي جلبته لمستقبلك، و سترى المُعلِّم في كل مسيئ تعرَّض لك بالأذى. فبالنهاية، هي ليست إلا أدوار، و كل منا سبب لتدابير أعلى لا يمكننا الإحاطة بها. و لسنا الذين نعطي و إن كنا مسخرين لتوصيل العطايا لمستحقيها؛ استلم الرسالة و كن ممتناً للرسول. هكذا نتعلم كيف نحب، كل تجاربك الماضية هي مجرد تدريبات قاسية على الحب.

الحب في جوهره مثل نهر جارٍ، جريانه لا يتوقف على وجود أحد معه أو بقربه، و هو لا يغير مجراه ليلحق بأحد، و لا يبحث كذلك عمن يمكن أن يُسقِط عليه محبته. الحب كينونة و ليس فعل، النهر يقدم من نفسه لمن ينحني عليه ليغرف منه، و لا ينشغل بالتفكير بمدى استحقاقه، عطاءه ليس واجب، ببساطة هذه طبيعته و هكذا هو يكون. و عطاياك ستتجه لمن تعرف و لمن لا تعرف لأن الحب فيض داخلي تستقيه من حبك لمصدره، استشعارك الدائم لحب الخالق يظهر في حبك لمخلوقاته، بما فيهم نفسك، و هذا هو معنى أن تكون أنت الحب.

على سبيل الحب

12 thoughts on “و كيف لا أحب نفسي؟!

  1. الحب في جوهره مثل نهر جارٍ… هذا الاقتباس مر علي، أعتقد في مدونة سابقة لكِ، هل هو من كتابتك فعلًا؟
    عمومًا مقال حرك في الكثير
    رغم أني لا أعرف في أي نقطة من خريطة هذا أنا بعد، ربما سأحتاج لتكرار القراءة لتحديد مدى تقصيري مع نفسي والحب والكون
    والله مقال رهيب مدري كم مرة بقول لكن ع قدر عدوانيته وقسوته رهيييييب

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s