الخيال هو ذاكرة، و المعرفة ذاكرة مُستعارة

little miss oversahre

لدي حكاية تود أن تُقال، و هي عني؛ حاولت تجاهلها لمخالفتها إحدى النقاط كنت قد أضفتها مؤخراً إلى لائحة تعاليمي البدائية الخاصة بالتحقق من صلاحية النص للمشاركة: “لا تكثري من الحديث عن نفسك لغير ضرورة”، و هكذا استمريت بمماطلتها حتى بدا لي أمر التملص منها مستحيلاً. قبل كل شيء، هذا مكاني الذي أكتب فيه، لم أتطفل على صفحات الآخرين لأقيم فيها استعراضاتي، إنني أدفع مالاً لأمتلك مساحتي هذه، و لي أن أستخدمها بالشكل الذي يروق لي (و يروق لكم كذلك). ثم أن “الانفتاح بالتعبير عن الذات” موجود ضمن قائمة التزاماتي المئة، و هو مكتوب مع “المزيد من الشجاعة” في البند نفسه؛ مما يعني أن علَي تجاوز خوفي من أن أتحول إلى واحدة منهم. لا أعرف أين يقع الخط الفاصل ما بين الحديث اللائق عن الذات و الإفراط  فيه حد الثرثرة، و لكن الأمر هو أن لدي حكاية تريد الخروج، و ترى بأن لا أحد سيحكها غيري؛ إذ أن كل منا عنده حياة، و حياة كل منا قصة، و تلك القصة مليئة بالحكايات الصغيرة، و لكل حكاية أن تُروى متى ما عَثَرَت على الكلمات التي تصلح لجلب معانيها إلى الوجود. للبعض ستكون الحكاية درساً، و للبعض رسالة، و للغالبية لن تكون أكثر من هراء محكي بطريقة جيدة! لا يهم؛ فذاكرة خيالي هي الجزء مني الخارج عن سيطرتي.

“أنا” أتذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى “هنا”، و أتذكر دهشتي حين وجدْتَني في هذا الجسد في ذلك المكان مع أولئك الناس، و أتذكر كيف استغرقت وقتي بالتجول في “البيت” دون أن أمتلك الجرأة للمس كل تلك الأشياء المألوفة لي، غير أنني و للمرة الأولى أراها من خلال هذه العيون، وسيلة رؤيتي الجديدة التي تجمَدَت على اتساع التحديق و رسمت ملامح الدهشة على وجه كل طفولتي. و مهما اعتصرُت ذاكرتي عجزت عن تذكر أين كنت قبل مجيئي، و أتذكر تماماً أين كانت “هي” قبل أن أكونها، و لكن عندما أخبرت والدتي عن مشاهد أحداث كنت جزءاً منها أثناء طفولتي، أو كانت تلك الرضيعة التي سبقتني بالمجيء جزءاً منها، قالت بذهول بأنه من غير الممكن لمولود العام و نصف أن تكون ذاكرته قد بدأت بالعمل بعد، فاخترت التوقف عند ذلك الحد و لم أخبرها بأنني شاهدت كل شيء من “الأعلى”؛ كنت أراني في المشهد و أنا خارجه، و كأنني أطفو بينما أراقب “أنا” الثانية (أو الأولى)! و استمرت تلك الفجوة الفاصلة ما بين الذاكرة التي احتفظت بها من مراقبتي “نفسي” و أنا خارجي و بين الذاكرة التي بدأَت معي يوم استيقاظي و أنا بداخلي. ربما كل الأمر لم يقع إلا بمخيلتي النشطة أكثر من اللازم، ربما يمكن لأحدنا أن يعيش في الخيال حتى لا يبقى في ذاكرته مساحة للواقع.

بقيت منذ صغري على حال المراقبة، ما كنت أميل للعب و لا لمرافقة الناس، أحببت الاختفاء بالزوايا المظلمة لساعات أراقب فيها ما يدور من حولي، لا أحد يبحث عني أو يفتقد حضوري الصامت، أتواصل مع كل الأشياء الساكنة، الجمادات التي تشبهني، حتى الجدران أعطيها تفاصيل شخصية ثم أتعرف عليها. في “خيالي” خَلَقْت حياة موازية لحياة الخارج، و من العيش في خيالي تشكلت كل ذكرياتي، أنسى ما كان يجري في الخارج و لكنني لا أنسى ما كان يدور بداخلي، و لأتذكر حدثاً وقع في حياتي علَيَّ أن أستعيد المرحلة التي كنت قد بلَغتُها بتخيلاتي. و قد تطور ميلي إلى المراقبة إلى شغفي بقراءة الناس، و أسعد أوقاتي تكون في الانتظارات و التنقلات، حيث في المحطات تبدو و كأنك الثابت الوحيد، و الناس تذهب و تجيء؛ تصير أنت المحور و العالم يدور من حولك. ترى “اللحظة” في كل مشهد، و ترى من خلفها تاريخاً من اللحظات التي صنعَتْها، تشاهد العلاقات و الروابط و الفراغات التي تملأها بخيالك، تفكك الأجزاء و توصل النقاط المتقطعة بخطوط متعرجة حتى ترسم “الكل”، تعيد تشكيل الملامح العابسة بابتسامة منك، و بتلويح إحدى يديك تزيل يَبُوسَ الأكف التي أبلاها الشقاء، و تدس في حقائب الصغار أمنيات سعيدة سيقومون بتمريرها لصغار غيرهم حين تُزهر معهم و هم يكبرون.

طريقتي بالتفكير بواسطة شرائح صور أراها في خيالي (أو ذاكرتي) هي الوحيدة التي أعرفها، و لذا يتعبني الكلام، لا مشكلة لدي بالإصغاء لأنني أرى الكلمات أكثر مما أسمعها، حسناً؛ ربما أذهب إلى أماكن بعيدة بينما أبدو لك مستغرقة بالإنصات لما تقول، و لكن لا بأس، سيكون ما يجري في رأسي متعلق حتماً بما تخبرني به، إلا أنني أرى فهمي له و هو يتجسد بمشاهد و أصوات و كائنات متحركة! و لكن لترهقني دعني أتكلم، سترى كيف أبدو و كأنني أتلو الكلمات من على شاشة عرض، و لذا لا أتصور أي بديل كان ليحافظ على سلامتي الذهنية غير الكتابة. و لكني أكتب حتى حين لا أكتب، أقوم بتكوين النصوص في رأسي و هذا يجعلني أكسل من أن أدونها على الورق أو أية وسيلة حفظ أخرى، لأن التفكير في صياغة الجمل و معالجة سلامتها النحوية و كل تلك الشكوك الإملائية يقطع استرسالها العفوي، و قد تهرب من بين يديك أجمل الحكايات إذا أنصرف اهتمامك عنها، أما إذا توجهت لها بكل انتباهك حين تناديك، فسوف تعود مجدداً و تسمح لك أن تعيد روايتها بصيغتها المكتوبة مقابل أنك أحسنت استقبالها أول مرة. دع خيالك و شأنه حين ينزلق إلى الدخول في القصص من وراء الأشياء حين تراها، لو اعترضْته بالتفكير فسوف تقوم بإفساد كل العملية، الخيال تقتله المعرفة المزيفة.

عندي ابن خال مختلف.. أدري كلنا مختلفون؛ و ميزته بامتلاكه “كروموسوم” حَكم عليه “الطب” بأنه “زائد”، إلا أن زيادته تظهر على صورة حب أكثر و صدق أكثر و طفل لا يكبر. قبل أن يتم إرغامه على التشبه بالكبار؛ ذلك النوع من الكبار الذين لا يرون في لعب الراشدين سلوكاً لائقاً، كانت لديه حقيبة عجيبة يجمع فيها أشياء غريبة، مثل دمية بلا أطراف، عجلة مطاطية بلا سيارة، مصباح لعبة لا يعمل… و كنا نُشبِه حقائبنا المدرسية بحقيبته حين نعثر فيها على غرض تالف غير صالح لأي استخدام؛ حيث من المعتاد أن اقتناؤنا للأشياء يكون من أجل ما تفعله لنا و ليس لذاتها، و تعطُل الشيء عن أداء وظيفته يعني التخلص منه. أنا لا أمتلك من ذلك الكروموسوم (الزائد) الذي يترك الإنسان طفلاً إلى الأبد، و لكني أعرف معنى أن تُحَب الأشياء لذاتها و ليس لما تعمله. تناديني أمي باسم ابن خالي الطفل الذي لا يكبر حين تضبطني و أنا أحتفظ بقطعة من جهاز تالف لأني أجدها جميلة كما هي حتى إن كانت بلا “فائدة”. أحياناً يأخذني العطف على لعبة مشوهة إلى أن أشتريها حين أفكر كيف سوف لن يختارها أحد و ستحزن و قد يتم التخلص منها بقسوة. و اتساءل هل كان طفلنا الكبير يقصد إنقاذ الأشياء المعطوبة التي يجمعها في حقيبته؟! و هل يدري بأن حقيبته تعني القبول و الحماية و الرعاية؟

 

ليس عليك أن تكتب من أجل أحد، فقط من أجل نفسك. و ليس لأحدٍ أن يكتب كتاباً من أجل أن يكتب كتاباً فقط، فهذا لن تكون له صلة بالواقع؛ و سيكون مجرد كتاب. *إميل سيوران