الجاهل يدَّعي العلم و العارف يدري بأنه لا يعرف

 

Globe light bulb character in aha moment

التعلم عن الأشياء يخدمنا، و لكن المعرفة الصافية لا تصلك إلا و أنت “مستعد” لها. ما لا يمكنك فهمه فهو ليس لك، ما لا تدرك معناه فهو ليس لك، ما لا تعي جوهره فهو ليس لك، إذا لم يكن للكلام معنى (عندك) فهو ليس لك؛ ربما ليس “الآن”، و كل ما هو لك سيأتيك في وقته، حين يكون مناسباً لك، و كل ما هو لك ستتعرف عليه بنفسك. مُعلِّم حقيقي لن يُفسد تجربتك المعرفية؛ سيتركك تسلك أي اتجاه يقودك إليه حدسك، سيُغذِّي فضولك و لكنه لن يقوم بإشباعه لك، سيقول دون أن يمرر لك فهمه الخاص؛ ففهمه له و فهمك لك و فهم كل أحد هو له وحده. ما يراه كل أحد من جانبه ليس المعنى الحقيقي للأشياء، بل هي معانينا و نحن ننتقي من المعرفة ما يأتي على مقاسها. معطياتك الشخصية في استقبال المفاهيم تتدخل في كل العمليات الذهنية التي تجريها، و هكذا يختلف الفهم باختلاف التجربة. لا تحتاج أن تفهم بالقوة ما لم يمكنك فهمه ببساطة؛ اتركه لوقته و سيرجع لك متى ما كنت جاهزاً لاستقباله.

“العلم” ليس هو “المعرفة”؛ كلنا نتعلم و العلم يقوينا و لكن هناك نوعٌ من المعرفة لا يمكنك استيعابه إلا حين يوافق مرحلتك، و هذا أحد الأسباب التي تجعل البعض يجادل في صده لأي معرفة قادمة من خارج المساحة المألوفة لديه، و حيث يمكنه تجاهلها بدلاً من الإصرار على تصغير حجم كل معرفة حتى تبقى على مقاس معرفته الخاصة؛ يتفرغ لملاحقة المتخصصين بها ليطالبهم بإعادة صياغتها على صورة تُوافِق اللغة التي يُفكِر بها، كما يمكنه أن يقبل التفسيرات التي تتطابق مع فهمه المسبق لأمور أخرى لو استطعت أن تراوغ تحيزه و ترسم روابطاً تُظهر العلاقات التي تجمع بين ما تعرفه و يعرفه. و بالنهاية ليس عمل أحدٍ أن يقنع أحد، و لا أن يشرح له و لا حتى يُعلِّمه، المهتم بالمعرفة لهذا الحد سينهض و يسعى لها بنفسه، الباحث الشغوف عن المعرفة يجيد اكتشاف سبلها و يتحرك نحوها؛ الباحث.. يبحث، منهجية البحث و التي هي أقل من “معرفة” و أكثر من “علم”؛ هي جوهر كل عملية “التعلُّم”.

الإنسان الكسول يخاف من المعرفة لأنها تأتي بالمسئولية، و هناك أكداس من المخلفات التي هو متعلق بها و يخشى فقدانها. أن ترتقي المعرفة لمستوى “الفعل”.. أن “يكون” المرء ما “يعرف”؛ فكرة مرعبة لمن اعتاد التمسك بزوايا الأمان، الذي يحرص على ألا يكون مرئياً و لا مسموعاً و لا مُلاحَظاً، بتجنب فعل أي شيء! إذ أن المتسكعون على الهوامش لا يتم استهدافهم بالرمي من قِبَل مُهاجِمٍ مُحتَملٍ قد يظهر من بين الذين سيجهرون بمخالفتهم، و لا تعترض سبيلهم الحواجز لأنهم أصلاً ملتزمين بالسير خارج مضمار الحياة، مُكتَفِين باللهو على قارعة الطريق مُتَخفِّين بين الظلال. و خَطُ النورِ كاشفٌ و يجعلك معرضاً للخطر؛ فلتلتمس السلامة إذن بالاستمرار بالتحديق فيما بين قدميك، لا ترفع بصرك، صوتك يكفي، و حين يعلو صوت الجهل فَتِّش دائماً عن الخوف.. فأصل كل جهلٍ هو خوفٌ من المعرفة.

“ما فاتك لم تكن لتدركه، و ما أدركته لم يكن ليفوتك، أنت تدرك مرحلة استعدادك.” *الدكتور صلاح الراشد

 

3 thoughts on “الجاهل يدَّعي العلم و العارف يدري بأنه لا يعرف

    • و لهذا لا أهدر ما يقال في “صندوق المحادثات”، بدلاً من تكرار الكلام نفسه لعشرات المرات، أخطط لتكون طريقة ردي يوماً ما على كل تساؤل بإرسال “الرابط” الذي سيعثر فيه السائل على إجابته، خصوصاً البعض خلال سنة و سنتين يعودون لطرح الأسئلة مكررة بشكل مُنهِك و علي في كل مرة إعادة الرد إلا مؤخراً حيث أذكرهم بما هو موثق في صندوق الرسائل “تكلمنا عن هذا في تاريخ كذا لما سألتني عن كذا، راجعي الرد السابق” !_!

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s