New Start.. Again

cute-cartoon-south-korea_00153988

تخصصي الجامعي تربوي، و قد اتجهت عند التخرج لتأدية دوري الوظيفي كمعلمة لغة انجليزية، و كان أول ما شعرت به هو كم أن النظام التعليمي محدود؛ المقرر يقيد انطلاقتي، الحصة لها وقت لا يحتمل محاولات الإبداع التي حين كنت ألجأ لها فإن الحوادث تقع! يدركني الجرس قبل الانتهاء من الدرس، أفقد السيطرة على الطالبات اللواتي يبالغن بإظهار سرورهن بالوسائل المسلية في تقديم الدروس، ثم تنبهني مديرة المدرسة إلى أنها لا تريد أن تسمع إلا صوتي و هو يشرح القواعد دون الخروج عن النص، و تنفذ عقوباتها على الصف بتهمة التسبب بالضجيج… ما الذي حصل؟! عشقي للتعليم هو جزء من عشقي للتعلم، هو من أول أحلام طفولتي، الشيء الذي أردت فعله حين أكبر. و لكنني فكرت حينها بأنني قد أكون أخطأت و بأن التعليم ربما ليس العمل الذي سأبرع به، و المدارس بجمود سياساتها التي تقتل التميز ليست مكاني. في ذلك الحين كانت مزاجيتي تتغلب على حكمتي؛ زهدت فيما بقيت أُعد نفسي له طوال سنواتي المدرسية، فتخليت عن مهنة التدريس لأنها بدت لي باهتة جداً حين اقتربت منها لذلك الحد، ما همني الضمان المالي و لا المكانة الاجتماعية.

بعد ذلك عملت في مجال خدمات مالية لم يكن لدي فيه أي خبرة و لكنني بدأت فيه بحماسة عالية، و خلال سنوات عملي السبع تعلمت كل ما لزمني تعلمه، و اكتسبت قدراً جيداً من المهارات بالممارسة ما كان ليُتاح لي تعلمها لو كنت اخترت ملازمة الدور الذي كان متوقعاً مني بالتماشي مع مؤهلي الأكاديمي. و أثناء سنوات “الوظيفة” ظهر التدريب كجزء أساسي من مهام عملي و جعلني أتنبه إلى أن دور “المعلم” ليس مخصصاً للتدريس في المدارس و لكنه أقرب لصفة تأتي من اجتماع حزمة من الخصال الخاصة في شخصيتك، تنقصها حزمة أخرى من المهارات لتصقلها، و تلك المهارات هي تماماً ما اتفق حصولي عليه في مسيرة مهنية قصيرة تعاملت معها منذ البدء على أنها “مرحلة” تعلُّم إضافية وافَقَت حاجتي لمعرفة كل ما لم يتم تعليمنا إياه في المدارس و الجامعات، و كانت فرصة حقيقية للتعلم بالتجربة و الخطأ و ليس بمجرد التلقين و المحاكاة.

و اليوم أتساءل: ماذا لو كنت قد ركنت إلى ما كنت فيه و جبنت عن مغادرة الخط الآمن الذي توفر لي في ذلك الوقت إلى ما هو غامض تماماً بالنسبة لي؟ أقول ربما كنت لأنمو على الدرجة نفسها و لكن بطرق مختلفة، أو ربما كنت تحجرت على ضيق أفقي الذي كان و ما تقدمت بعده خطوة واحدة، و لكن الذي أراه اليوم بوضوح من مكاني هذا، أنني لو لم أتجرأ على التغيير (و إن بدا مجهول العواقب) لما تغيرت، صحيح أنني سلكت الطريق الأطول و لكنه كان الوحيد الذي عثرت عليه. عرفت الآن أنه كان أجدر بي أن أبدأ بتغيير نفسي قبل كل شيء، فلا يوجد أي خطب في المقررات و الحصص و لا الطالبات و لا المديرة؛ هي فقط نفس الإنسان حين تضيق فإنه يضيق بكل ما هو حوله. التغيير الحقيقي يبدأ من الذات و استهداف الخارج حتماً سوف يغيرنا بالنتيجة، و لكنه يعقد العملية و يستغرق وقتاً أطول. فقط لو كان قد أخبرني أحد في ذلك الوقت بأني حين أتغير ستتغير كل التفاصيل في عيني! إلا أن أفضل ما حصل لي هو أني تبعت صوت حدسي حين شعرت بأن ثمة ضرورة للتغيير، غيرت العمل و المكان و الناس فتغيَرَت نفسي ثم اكتشفت كيف أني بدأت رحلة التغيير من غير مكانها؛ لا بأس، فبالنهاية قد وصلت.

منذ سنتين، قمت بمغادرة عملي النهاري الذي انتظمت فيه لسبع سنوات (هل هي عشرون ألف ساعة من عمري؟ أكثر أو أقل؟ من يدري!)، و ثلاثة ترفيعات انتهت على مسمى وافق تطلعاتي و لبيت متطلباته و كنت موعودة بالمزيد، استمتعت بكل امتيازات الحياة العملية، و أحببت الرعاية التي أحاطني الزملاء بها، و التقدير الذي خصتني الإدارة به، دخل ممتاز و بيئة عمل مريحة، هامش سلطة واسع و أنظمة مرنة، كنت أفعل كل الأشياء الأخرى التي أريد بلا أية قيود، أنشطة إضافية تتخلل ساعات العمل، و هناك عملي الصحفي في الأمسيات… بدأت أستثقل التفاصيل الآلية و أشعر بعبثية بعض المتطلبات الإدارية، و كل إشادة بتقدم أدائي اعتبرتها إشارة تطلب مني الرحيل، إذ أن كل إضافة ابتدعتها و كل إجراء بادرت به و كل نموذج صممته بدا صارخاً وسط ركام من الأعمال العادية، و في كل مرة نفذت بها مهمة عجز الجميع عن توليها شعرت بأن المكان يضيق علي أكثر فأكثر. ما الذي حصل الآن أيضاً؟! انتهيت من تلك المرحلة؛ استنفَذَت وقتها و كانت مثمرة، لم يعد لدي ما أود إثباته لأحد، حققت إنجازات أشبعت بها اعتدادي بنفسي، أعطيت و أخذت على التساوي. كل ما هنالك أن سنوات العمل هي نوع من التدريب و من الطبيعي أن ينتهي دورها بعد إجادة ما لزم تعلمه منها.

في أيامي الأخيرة في مكتبي الواسع الجميل الذي تغمر الشمس كل زواياه و تتدلى من جوانبه ستائر “نيروزية” متشكلة من نباتاتي التي نمت معي خلال تلك السنين حتى بات من المستحيل إزالتها من الجدران التي غطَّتها بكثافة (كان لا بد من تركها خلفي، و قد فعلْت)، وقفت كل صباح أراقب سكون السماء و ذهب الشمس من نافذتي العالية، أستقيم برأسي فتواجهني أسطح المباني و الأبراج، أخفض رأسي فأشاهد الحركة المجنونة في الشوارع، مركبات تذهب و تجئ دون توقف، مشاة يهرولون، حوادث اصطدام غبية تنم عن غفلة، عمال يتشاجرون مع كفلاء، هكذا كل يوم أرفع بصري لتخبرني الغيوم: “لا تنظر للسحاب حتى تسحب قدميك من الطين المبلل”.. اكتفيت، قلت إذا لم أرحل فسوف أقفز من بين إطار هذه اللوحة التي جمعت عذوبة المنظر في الأعلى مع التنافسية المحمومة التي تجري في الأسفل، و لا أحد يرفع رأسه ليرى، لا ما فوقهم و لا حتى الذين بجوارهم. حسناً، فلأعتبر هذه القفزة رمزاً لتلك. اتخاذ القرار يحتاج وعي و لكن لتنفيذه لا بد أن تكون فاقد الوعي، تشعر بكل المخاوف قبل لحظة القفز من الهاوية و تبقى متشككاً حول وجود المحيط الواسع الذي سيستقبلك في الأسفل ليخفف من وقع الصدمة، ستغوص لوهلة بسبب قوة ارتطامك بالماء، ستظن بأنك غرقت، بمجهود بسيط ستجعل نفسك تطفو، تبتلع أنفاسك بشهقات متتالية، ستعود لوعيك، ثم ستقرر أن تسبح نحو وجهتك، المرفأ القريب الذي كنت قد استهدفته بنظرك قبل أن تقفز، الشاطئ الذي ستستأنف رحلتك بالإبحار منه.

و الآن هذا الطور من رحلتي قد اكتمل و كذلك رؤيتي قد توسعت، و طابع المرحلة القادمة مستمد من استهدافي دمج تجربتي الحالية مع كل مُحصِّلات المراحل السابقة في نظام متوازن. الشغف المعرفي الذي انتقل معي من فترات عمري الأولى، المهارات العملية التي اكتسبتها في المراحل التي تلتها، و الرؤية الروحية التي كرست لها السنوات الأخيرة، بلا توقعات و لا تطلعات، أدري بأنني على وشك ولوج دورة من التحولات الهائلة، و كل تلك المراحل لم تكن إلا جزءاً من الاستعداد لهذه التحولات.

و لو أمكنني أن أختصر كل مراحل تطوري الذاتي في ثلاثة نصوص رافقتني مثل نقشٍ محفور في وعيي منذ طفولتي، كتبتها في كل مكان سُمِح فيه بالخربشة على الجدران، و في كل انتقالاتي علقتها في أماكن نومي أينما أقمت. حيث كلٌ منها لامس في أعماقي ما وافق ذلك التوق المبهم الذي كان أكبر من فهمي و أنا في سنواتي الأولى على هذه الأرض، إلا أنها حين اجتمعت لدي من قراءاتي المبكرة شكَّلت ما بدا لي دليلاً استرشدت به دوماً كخط عريض توجب علي أن أرجع للسير عليه كلما أخرجني عنه شرود انتباهي:

  • شعار المتعلِّم الصغير فيَّ الذي يدفعه شعورٌ مُلِّح مستمر بأنه يحتاج معرفة المزيد و لا يمكنه التوقف عن البحث، مُتَّبِعاً توجيهات الحدس دوماً:

ألا لن تنالَ العلمَ إلا بستةٍ

 سأُنبيك عن مجموعِها ببيان

ذكاءٌ و حرصٌ و اصطبارٌ و بُلغة

و إرشادُ أستاذٍ وطولِ زمان

  • شعار العامل المُتَفَانِي فيَّ الذي اختار الكلمات لتكون صنعته، و أداته التي كرَّسها ليُمتِع و يُلهِم و يشافي و يُسعِد و يُعلِّم، مُستنبِطاً من الحكمة سر عزلته:

لقاءُ الناسِ ليسَ يُفيدُ شيئاً

سوى الهذيانِ من قيلٍ و قال

فأقْلِل من لقاءِ الناسِ إلا

لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حال

  • شعار المعلم الصبور فيَّ الذي عمله هو الناس، و مساعدتهم هي شغفه، و خدمتهم هي مهمة حياته، و بِحُبٍ يوقظ إمكانياتهم و يُخرِج أجمل ما فيهم:

“كُن للناسِ في الحلمِ كالأرضِ تحتهمُ، و في السخاءِ كالماءِ الجاري، و في الرحمةِ كالشمسِ و القمرِ؛ فإنهما يطلعان على البَرِّ و الفاجرِ.”

و نعم ما زلت أتغير، ففي التغير نمو و حياة.

 

One thought on “New Start.. Again

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s