ذاكرة الجماعة VS النسيان

列印

بما أن عامي الجديد يبدأ في اليوم التالي ليوم مولدي، فقد كانت هديتي لنفسي هذه المرة هي التسجيل ببرنامج Find Your Word 2016 و مدته خمسة أيام للعثور على الكلمة التي سأضعها عنواناً لهذا العام، و قد كنت اعتمدت هذه الطريقة للثلاث أعوام الماضية و وجدتها تعمل معي أكثر من طريقة إعداد قوائم الأهداف، فهو موضوع عام، شيء واحد ستحصل كل الأمور الأخرى تحت مظلته، لم تكن لدي كلمات و لكن عبارات مثل “أفي بوعودي”، و كوني أميل بطبيعتي إلى الاختزالات بكل صورها؛ بتلخيص كل ما يمكن تلخيصه؛ حذف الزوائد و دمج الأجزاء و توحيد الإجراءات و تقليص الجهد و تقليل الهدر (في الحقيقة هذه مجرد طريقة أنيقة لقول: أنا كسولة) فلم يتطلب الكثير لإغرائي باختصار عنوان السنة بأكملها في كلمة واحدة.

كانت السنة المنتهية زاخرة بأكثر مما يمكن بالنسبة لسنة اعتيادية واحدة؛ أي أنها كانت استثنائية حد التخمة، بالرحلات و الشراكات و المهام المُنجزة و الانتقالات الكُبرى، رغم أنني كنت قد أطلقت عليها عنوان “سنة سياحة” تعبيراً عن احتفالي بكونها الأولى التي تأتي من بعد تحرري من الالتزام بأي نوع من العلاقات (لا تعاقدات عمل و لا ارتباطات شخصية) و عودتي إلى نفسي بالكامل. فيها جربت تسليم القيادة للطفل فيَّ بينما يتوقف الراشد عن أي فعل سوى المشاهدة؛ لا تحليل و لا تصحيح و لا تعديل. انتهيت من عمل أي شيء من أجل أي شيء (أو أحد) آخر، كل الأشياء تُفعل لعينها؛ فقط لأنني أريد (أو لا أريد)، هكذا ببساطة. أجوع فآكل و لا آكل لأن “الآن” هو موعد الوجبة، أنعس فأنام و لا أنام “الآن” لكي أستيقظ في موعد محدد، أضجر فألعب “الآن” و ليس لاحقاً حين سأنتهي من هذه المهمة أو تلك؛ لا شيء متوقف على غيره، إما أنه مُتاح فأفعله أو لا أفعله.

في التطبيقات الكتابية التي تضمنها برنامج اختيار كلمتي لهذا العام تم طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالعام الماضي، و هنا برزت صعوبة الأمر بالنسبة لي؛ لم أتمكن من تذكر أي شيء تم طلب الإجابة عليه، فسألت نفسي: هل بلغت هذا الحد من الانغماس في “عيش اللحظة”؟! الحد الذي لا يمكنني معه تذكر كل تفاصيل ما مضى؟ صحيح كنت قد قررت و أصدرت أمراً لذاكرتي بألا تسمح لي باسترجاع أي “تفصيلة” لا طائل من وراءها، و يبدو بأنها (ذاكرتي) ذهبت بعيداً في تنفيذها لهذا الأمر. ثم مهلاً؛ لماذا لا يوجد أحد يمكنه تذكيري بأي شيء؟ لأنه ببساطة لا يوجد أحد كنت قد شاركته شيئاً! و لماذا لا يوجد أحد؟!! لا أحد يدري لأنني لا أدري أو ربما كنت أدري و لكنني الآن نسيت! انتهيت و عثرت على كلمتي بالقفز عن تلك الأجزاء المتعلقة بالعام الماضي، افترضت أنني وصلت حديثاً إلى هذا الخط الزمني و هذه هي سنتي الأولى في نظام الترقيم العجيب هذا.

و الآن ماذا؟! هل سيكون علَيَّ ألاَّ “أتذكر” طالما أنه ليس معي من أتشارك ذاكرتي معهم؟ لا أقصد أن يكون ثمة من أخبره بكل شيء لحظةً بلحظة، بل أعني ذلك النوع من التزامن الذي يجعل خطوط حياة كل منا تسير في الاتجاه ذاته؛ و أكثر من ذلك أن يكون بالقرب ذلك النوع من الأشخاص الذين لا تخلو كل تفاصيل أيامك من حضورهم فيها بمقدار حضورك، إلى الحد الذي سيمكنهم معه الإجابة على تلك الأسئلة كما لو أنهم يعرفون عنك ما لا تعرفه عن نفسك. و مع قناعتي بأن كل من يتواجد في عالمي فهو إما نسخة قديمة مني أو نسخة متقدمة عني؛ و حيث أنه لم يحصل مرة في حياتي أن اقترب مني مخلوق لهذا الحد؛ فإنني على اقتناع تام بأنه لن يكون ذلك إلا مع النسخة الأشد شبهاً بي من بين جميع العابرين الذين تقاطعت دروب مرورهم بدربي قط. و إلى أن تحدث المعجزة المنشودة؛ سأبقى أوثق أبرز ما يمر بي خلال يومي لعلي حين أرجع له لاحقاً “أتذكر” كل ما أحاط به من تفاصيل.

و يبقى هذا التساؤل معلقاً لأنه السؤال و فيه الإجابة:

كيف يمكن العيش في الحاضر عندما لا يكون هناك أحد في هذا الحاضر معي؟! Anaïs Nin*

 

القطيع الصغير

shutterstock_214216972

معظمنا يعرف كيف تتحول نهايات الأعوام إلى وِرَش مراجعة لكشوفات السنة من أجل إغلاق الحسابات المكتملة و ترحيل الخطط المؤجلة و إعدام المهام المعلقة. هذه العملية تجري عادة ما بين بداية الشهر الأخير من السنة المنتهية إلى آخر أيام الشهر الأول من السنة الجديدة. إلا أن الأعوام لا تستعجلك للحاق بها؛ العام الجديد لا يكترث لحرصنا على مزامنة بداياتنا مع بدايته و بالمقابل لا ضرورة للتزمت الذي يبديه البعض في هذا الشأن.

لدي في صندوق الرسائل رسالة وصلتني بعد نصف ساعة من دخول العام تسأل صاحبتها بفزع حول ما العمل و قد تجاوز الوقت منتصف الليل و هي ما زالت غير قادرة على صياغة “نوايا” أو حتى كتابة “نية” واحدة! و الصراحة رغم أنني استلمت نداءات استغاثتها في وقتها إلا أنني تركت الرد عليها إلى المساء؛ فلم تكن نبرة التفجع تلك صالحة لاعتمادها ك”بداية” سيعتمد كل التالي عليها.

يمكنك تحديد مواعيد بداياتك الخاصة دون حاجة لمزاحمة كل العالم بمحاولة اللحاق ببوابة وهمية لا مواعيد محددة لفتحها أو إغلاقها، إن كان الزمن وهماً فلا يوجد أسهل من أن تختار لنفسك نوع الوهم الذي يناسبك، و إن شئت يمكنك أن تبقى كذلك طافياً في فضاءك الخاص بلا أي حسابات من أي نوع. أما كل ذلك التدافع بنية الاستفادة من كثافة طاقة الجموع فسوف يعمل؛ و لكن في أي الاتجاهات سيعمل (مع كل مشاعر الاحتياج و اللهفة و الإحساس بالطوارئ التي تحرك تلك المجموعات)؟!

كثير من أولئك الذين أرادوا التحرر من برمجة “القطيع” انتهى بهم الأمر إلى الاحتشاد في قطعان صغيرة متفرقة؛ و تَبَيَن أن الغالبية لم تكن مشكلتهم في التبعية تحديداً و لكن كل المسألة أن أحدهم سيكون أكثر ارتياحاً حين يتاح له اختيار القطيع الذي يلاحقه، و أكثر حبوراً حين يمتلك قطيعه الخاص؛ حيث يعيد استثمار ادعاءاته الداعية إلى “التحرر من برمجة القطيع“.

Back to Life

Back again

و سؤال العودة كان: هل ينبغي علَي حذف كل ما تم نشره “هنا” سابقاً على اعتبار أن النسخة الحالية مني مختلفة تماماً عن تلك التي كانت؟! اليوم لا شيء بي يشبه أي من أشيائي القديمة، و ليس في هذه اليد ما هو متبقٍ من اليد التي كتبت كل ذلك، و لا الأصابع هي الأصابع نفسها، هكذا ينطوي الزمان جارفاً حتى الأماكن معه.

و لكنني اخترت أن أتركها على حالها، ربما لتبقى شاهدة على تحولاتي الأخيرة. و قد كنت توقفت عن النشر هنا لأسباب فيها من الحماقة أكثر مما فيها من الحكمة؛ غيظي من الناس الذين يتجسسون علي بتتبع مساحات تواجدي الإلكترونية، تكتمي حول كثير مما مررت به و حرصت على خوضه وحدي دون إثارة أي جلبة تستنفر المقربين مني للتدخل أو التطفل.. قليلٌ من الحب و مزيدٌ من الفضول؛ يضطر أحدنا للتنازل عن أحدهما من أجل التخلص من الآخر.

و في كل مرة رغبت بالعودة أحجمت بسبب الفجوة الآخذة في الإتساع ما بين “أنا” التي غادرتني (أو غادرتها) و بين ذاتي الحالية، و الآن قررت قفز هذا الحاجز قبل أن يصير على ارتفاع لن يمكنني اجتيازه، و الحاجز حين يتضخم يتحول إلى “عقبة” و العقبة تتطلب منك مجهودات مضاعفة للإلتفاف حولها، ثم تظهر “المُعيقات” فتنشغل بمعالجتها إلى أن تستنزفك فلا يتبقى لديك فائضٌ من الطاقة لمواصلة عبور الطريق. حتى حين كنت أهم بالكتابة عن (عدم) الكتابة أكبح نفسي بتذكيري بأن هذه واحدة من أكثر الحِيَل ابتذالاً؛ كل أحد يمكنه أن يكتب عن أحوال امتناعه عن “أن يكتب”، لم أُرِد الوقوع في هذا الفخ.

كما أخترت أن أترك القصاصات المنشورة هنا ضمن خطة كانت ارتجالية للتدرب على الإنضباط بكتابة مقطع لكل يوم من أيام السنة الماضية 2015 

اليوم هو أول أيام سنتي الجديدة (الثاني عشر من يناير هو يوم قدوم هذا الجسد الذي ما زال يُحسن ضيافتي إلى هذه الدنيا)، و لأجعل الأمر واضحاً لكل مَن يترصد مساحاتي و يحاول التسلل إلى فضائي و يرغب بسحبي بالقوة نحو مجاله:

إذا كنت تظن بأن الحب الذي تستقبله مني قطة الشارع المشردة التي تتمسح بقدمي تتوسلني احتضانها لحين أهجرها متملصة و أتجنب التصاق خطواتها الصغيرة بخطواتي طلباً لرعاية لا يمكنني تحمل عبئ الإلتزام بتوفيرها لها في الوقت الحالي يختلف عن ذلك الذي أحمل منه لك، و إن راق لك أن تتوهم بأن حبي لك قد يكون من نوع غير الذي أقدمه لنملة المطبخ التي استمالت تواطئي معها بصورة مماطلة في كنس أي فتات متخلف عن تحضير وجباتي لفترة كافية تتيح لها فرصة التسلل على عدة جولات لحمل حصتها منه، فلست الشخص الذي يمكنه التواجد في عالمي الحالي. ثمة حيز لك فقط إذا كنت قادماً لتحب معي ذلك القط و لتشارك تلك النملة محبتي.

كما دائماً، ما زلت أحب الجميع بهذا النوع من التجرد، بلا شعور بالإرتباط بأي أحد، بلا شيء. حين اعتقدت خلال مراحلي عمري الأولى بأنني عاجزة عن أن أحب (ذلك ما كان يخبرني به البعض لأنني لا أرتبط و لا أتعلق و لا أرغب و لا أتمسك و لا أشتاق و لا أفتقد) تركت العالم جانباً و انطلقت أنقب في أعماقي عن سبب ذلك، و لكني وجدت أني في الحقيقة “أحب” أكثر مما يمكن لأي إنسان أن يحب. كل الأمر كان أنني كنت أشعر بالغضب دون أن أكون غاضبة! اشتريت بضعة كتب تحمل في عناوينها عبارة anger management و لم أُتم مرة قراءة أي منها؛ رأيت فيها شيئاً خاطئاً؛ أنا لا أريد “السيطرة” على غضبي، بل ألا أغضب. هل ذلك ممكن؟! نعم ممكن، و قد حصل.. كيف؟ سيأتي ذلك في سياقه و لكن الأهم هو أني عرفت أن الغضب هو حب غير مُعبر عنه، و الحُب الغير مُعبر عنه هو حب مُساء فهمه، و الحب المُساء فهمه مُشَوش عليه بسبب شيوع أنواع من الأفكار/ المشاعر/ الأفعال/ التجارب/ العلاقات/ القيود/ التجاوزات/ التعاسات… المتسمية باسم الحب زيفاً و هي ليست منه في شيء.
 
أن أكتب، كانت هذه هي طريقتي المُثلى بالتعبير عن الغضب، و من أجل الفهم توجب علي أن أُخرج كل ما بداخلي حتى أراه بعين المراقب فيّ، لم أكتب ليقرأني أحد بل لكي أقرأ نفسي، و رغم هذا لم أجعل منها عملية سرية، انكشافك دون انغلاق على التعبير عن نفسك هو جزء مهم من استعدادك لإحداث فارق؛ ألّا تخجل و لا تخاف و لا تُكابر، تخلع عنك قشورك علناً بلا خزي و لا قهر و لا أسى بينما تشاهدك عيون كأنك لا تراها. “بالكلمة تداوي و تُحفز، تُعلِّم و تجلب متعة، تستحث الصبر و تُظهر أجمل ما في الناس، و هي الكلمة تُرجمان الروح حين تٌحوِّل الاستياء إلى رضى و الإنزعاج إلى ارتياح و تُنير البصيرة على الزوايا التي يُعمي الغضب عن رؤيتها”. لو عرفت كم يمكنك بالكلمة و حسب أن تُمِدَّ أرواحاً بالشجاعة كي تستلهم من تجربتك في أن “تُنجز” شيئاً و “تُحقِق” و جودها و “تكون” لا أكثر؛ فقط  بتعبيرك الصادق عن ذاتك! و لكنك قبل أن تُؤَثِر تريد أن تتحرر، أليس كذلك؟ تحرر من أناك قبل كل شيء؛ جرب أن تنظر إلى نفسك و “كأنك” لست “أنت” ثم كن أنت و أعد النظر فيك.
 
في الصفحة رقم 73 من كتاب “العوالم المتوازية للذات” ضمن تمارين الإنتقال إلى “الواقع الموازي”، في تجربة “تبَنِي المنظور” الغرض من التماهي مع الأشياء هو رفع مستوى الإدراك، مستوى الطاقة و الذكاء مثلما يقول “داودسن”.  أن لا تنظر إلى الغرض، تنظر إليه كما هو أولاً، ثم “تتماهى” معه، أي “تكونه و تشعر بشعور جسدي حقيقي لكونك أياه و ترى المحيط من منظوره.” ثم التدرج بتماهيك مع الأشياء، بأن تكون أنت الغرض و هو ينظر إلى غرض ثاني ثم يتماهى معه مثلما فعلت أنت معه (و هو الآن أنت)، و يقول استمر هكذا بالتنقل ما بين الأشياء إلى أن تشعر بتغير في طاقتك و مشاعرك و وعيك. تدربك على “النظر كأنك” بدلاً من مجرد “النظر إلى” سيجعل من السهل عليك تبني أي هوية، و هذا سيساعدك على تجسيد أي واقع موازي لواقعك الحالي و تود الإنتقال إليه. بالنسبة لأحد “جامعي القصص” (هذه هي ترجمتي الخاصة لمصطلح storyteller)، فهو صاحب خيال يجعله ذو مهارة تلقائية بالتماهي مع أي شئ، حتى أن في الأدب تقنيات مثل (Personalization) و (Customization) يتم توظيف نزعة التماهي من خلالهما.

جسمي يتعافى و كذلك روحي

IMG_٢٠١٤٠٨٠٨_٠٢٠٧١٦

التساؤلات التي يتم طرحها عليك حول توجهاتك الذهنية و فلسفاتك الحياتية و مناهجك المعيشية، غالباً دافعها يكون إما فضول الجهل أو الاهتمام بالمعرفة، تعرف أنها من النوع الأول دون حاجة للتدقيق إن كانت المعلومة المطلوبة لا يمكن أن تفيد السائل بأي وسيلة و لا بأي شكل، و العكس بالنسبة للنوع الثاني. و بعض الأسئلة تأتي بمزيج الفضول للمعرفة، و بحسب الظاهر في هذا السؤال، يمكنني اقتطاع ثلثه الأول و اعتباره قابل للإجابة، و التخلص من الثلثين الآخرَين.

حسناً، في السنة الماضية حصلت على الأسئلة نفسها و بقيت أُنوع الإجابات بتقدير ما يود كل أحد سماعه ليتماشى مع ما هو مستعد لفهمه، لا يمكنني إدخال أي واحد لعمق تجاربي الذاتية، فلو كانت توافق استيعابه لما جاءت الأسئلة على ذلك القدر من السطحية. حرارة الجو، و تقلب المزاج، و الحاجة للتغير، هكذا أمكنني التملص من تشعب تلك الحوارات. بينما الواقع أن تلك فترة تطلبت مني التركيز على التعافي الجسدي و التكيف النفسي مع نية تحويل المحنة إلى رحلة في سبيل الحكمة، فكان أن قررت توفير الوقت الذي تتطلبه العناية بالشعر لإنفاقه فيما كرست له تلك المرحلة، زائد تقليل العبء على جسمي في عملية تشافيه، إذ أن تلك الخصلات الميتة كانت مجرد زوائد تزاحمه بالاستهلاك من حصته من المواد التي يعجز عن استخلاصها من الأغذية المُتنَاولة بصورة طبيعية و التي تم استبدالها بمجموعة من العقاقير المركبة، أضافة إلى ترشيد القدر الضئيل المتبقي من الطاقة لدي و استثماره في تأدية نشاطات المعيشة اليومية الأكثر إلحاحاً بالاستمرار بالاعتماد على نفسي بدون تلقي أي مساعدة. فحين تكون أول الأشياء في قائمة أولوياتك هي أن تتمكن من التحرك و مواصلة التنفس و القدرة على ابتلاع الطعام و قضاء أهم المهم من احتياجاتك الإنسانية و كذلك إضافة الحد الأدنى من الرتوش التي تُبقيك بمظهر صحي يجعل الآخرين يصدقون أنك بخير، لا يبقى أي أهمية (بعد كل التفاصيل الأضخم التي اختفت من وجودك) لمسألة إن كان لديك شعر فوق رأسك أم لا.

ربما الآن تحول هذا لطقسي الذي يرافق مراحل التخلي الكبرى في حياتي، جربت تجاهل انزعاجي منه لفترة، و لكن بقاؤه بدا عاملاً مُشتِتاً لتركيزي خصوصاً بعد أن لاحظت عودتي لهوس التقطيع الذي كنت قد انقطعت عنه لبضعة سنوات حتى نسيت أنه رافقني قبلها لعددٍ (ضعفها) من السنوات. و في اليوم الماضي قبل أن أُباشِر المهمة، وقعت على مقالٍ عنوانه “Why Spiritual Seekers Shave Their Heads” و استوقفني زعمه بأن الشعر عند الرجل هو جزء من هويته (مَن يكون) بينما عند المرأة هو “fashion accessory” لا يعبر عن هويتها و لكنه انعكاس لحالتها العاطفية و لذا فإن حلاقته بلا معنى و مجرد مضيعة للوقت، و لكنه يقول بأنه في تلك الحالة (بالنسبة للجنسين) يعزز من هويتها “as a spiritual seeker” و هو يُعبِّر عنها كأمر سلبي و لكنني وجدته تفسيراً يتماشى معي و يعكس حالتي الداخلية حقاً.

stay

هكذاً أكون (إحساناً للظن بمدى جدية السؤال) قد أجبته بأخف صيغة ممكنة، و لن أرحب بأي نوعٍ من الأسئلة حول معلومات لا تعني فعلياً مرحلة الإنسان الذي يطرحها و لا ينوي أن يكون له شأن معها، فأنا أُقدَِر وقتي و وقت غيري و في مثل هذه الحالة يكون التبديد لوقت الطرفين، و معظم الأشياء بالنهاية لا تستلزم إلا تكريس ما يعادل حجم اهتمام المرء بها و حاجته لمعرفتها (من الوقت و الجهد) بالبحث فيها.

هذا الشيء !_!

طوال سنواتي المدرسية، كنت مرغمة على ارتداء الأحذية الضيقة على قدمي، إذ أن والدتي كانت و ما زالت متزمتة لمعلومة يعلم الله من أين حصلت عليها أو كيف استنتجتها ترتب جدولاً بقائمة الأعمار يقابلها المقاسات المناسبة لكل منها، لم يمكن أبداً إقناعها بإمكانية اختلاف مقاسات الأرجل لأشخاص بالسن نفسه! و هكذا كانت كل محاولات إخبارها بما يتسبب به لبسي لمقاس أصغر من آلام بلا نتيجة سوى توبيخي و إسكاتي بنظريتها القاطعة “أنتِ عمرك الآن كذا و مقاس هذا العمر هو كذا” ثم جعلي أقضي كل نهاراتي المدرسية و أصابع رجلي محشورة تتوجع، فحتى في المدرسة يمنع خلع الأحذية.

و الذي حصل بعد كل تلك السنوات، أن الإصبع الصغير في كل ساق انبعج بانحناءة تجعل من يراهما يظن بأنهما مكسوران، و السطح العلوي صار على الجانب الخارجي و السفلي ملتصق بالإصبع المجاور له، و انطمست الأظافر في كتلة صلبة غير متجانسة المعالم تشبه قطعة علك ممضوغة، و توقفت عن النمو. و الصراحة، حتى في مراحلي النهائية بعد أن صرت أذهب إلى السوق وحدي لشراء أحذيتي بقيت ملتزمة بأخذ المقاس الأصغر لأنني كنت ما زلت مصدقة بأنه لا يمكن أن يكون أكبر من ذلك وفقاً لمعادلة امي بحسب العمر (إلا إن كنت ولد). أما الآن فقد اكتشفت (بعد أن سمحت لنفسي بالتجربة) و عرفت ما هو مقاس قدمي، و مع هذا ما زلت أتساهل برقم واحد أحياناً حين تنفذ القطع المتوفرة بمقاسي من حذاء مناسبات خاصة يكون قد راق لي كثيراً، و أقول: إن كنت تحملت عمراً أفلا أتحمل بضعة ساعات إضافية حتى أنتهي من تلك الزيارة أو ذلك الاستقبال؟! 😬

المهم، تلك القطع من هذا الشئ الذي يؤكل تشبه أصابعي الصغيرة، و قد وضعت الكيس المطبوع بهذه الصورة تحديداً، لأنني كنت أخاف منها حد الرعب في صغري، ذلك الكائن بحركته هذه يبدو و كأنه يتجه نحوي، و مع هذا لم يسمح لي أشقائي بالحصول إلا عليه رغم توفر طبعات بصور أخرى، و زيادة على رعبي، انتقلت معي إشاعة كان يتم تداولها في الحضانة تحذرنا من شق الكيس بالمقلوب و إلا فالعقوبة بانتظارنا (في يوم القيامة!) و سيلاحقنا عندها للإنتقام منا (يا ساتر)! و ربما لم تتسنى الفرصة لأي من الكبار لتهدئة مخاوفنا، أو تعزيزها من يدري، لأن تلك المعلومة كانت تدور بمستوى الهمس المترافق مع النظرة الإرهابية “إذا فتحتيه مقلوب… الخ”

ماهذا يا قوم؟!! 😒

 

photo

ملحوظة: هذا تسخين سريع أختبر به رغبتي بالعودة للنشر هنا طالما اشتراكي مسدد و لا أنوي الانقطاع عن تسديده، و كل القضية أن طفيلياً غير مرغوب بتلصصه رخيص النوايا تسبب بصد إقبالي (بالعامية سد نفسي) عن قول ما أود قوله بحرية في مكاني الخاص الذي لا أرحب بتتبع كل كلمة أضعها فيه للتسرب نحو زوايا تخترق كل مفاهيم الحدود الشخصية و تتجاوز أقصى درجات الوقاحة الموثقة في التاريخ الإنساني الحديث (أي الثمانينات و ما تلاها) منذ آخر مشاهدة لتلك الحلقة من السلسلة الكرتونية القديمة “مغامرات سندباد” التي لا أدري كيف وجد نفسه فيها على جزيرة ما ثم صادف كائناً يتخذ هيئة رجل عجوز يعاني من علةٍ ما في رُكبتيه و يطلب منه حمله لمكان ما، فيسمح له “سندباد” بامتطاء كتفيه، و بتطورٍ لا أعلمه (لأنني لم أنل ثقافة جيدة بمتابعة المواد الكرتونية في طفولتي فقط كنت أَلمح أحياناً لقطاتٍ منها أثناء مشاهدة إخواني لها و تَعلق بذاكرتي) يرفض الرجل النزول، و يزيد من تشبثه برقبة “سندباد” حتى يكاد يخنقه، و بعد ذلك يبدأ بالتحول رجوعاً إلى صورته الحقيقية و على ما أذكر كان شيئاً يشبه شكل الشيطان مثلما يتم تقديمه بأغلب الحضارات، و بالطبع، لا فكرة لدي عما انتهت إليه تلك المُعضِلة، و لكن أمكنني مشاطرة “سندباد” شعوره خلال مكابدته ذلك النوع من الإلتصاق الكاتم للأنفاس، الإنعكاس لحقارة نفس من يبديه في سلوكياته، حين لا يردعه لا حسٌ بالكرامة و لا أثر لتربية جيدة و لا وازعٌ أخلاقي يكفي ليلجلم نزعة فضول تتجاوز حافة احترام الذات و الآخرين على حد سواء.

10305057_776346472376015_5836056652847190148_n
hqdefault

نفس عميق.. شهيق، زفير. و الآن بعد أن وصلت الرسالة بالتصريح بعد أن استنفذ التلميح كل وجوهه الممكنة، ربما أجرب التنحي لأدع مجالاً للكارما الكونية، العدالة الإلهية، أو عواقب الأعمال، أو مهما يكن المصطلح الذي يمكن للعالق بمساحة الوعي المتدني تلك فهمه، لتأخذ مجراها، و تدفع عني أي نوع من الأفعال التي تدخل (بالنوايا التي تنطوي عليها) تحت بند التعدي على مساحات وجودي كيفما و أينما كانت. نفس عميق.. شهيق، زفير…

و في الخلف كتب المُنَجِّم-2:

“مسيرة صعبة، يجب أن تتسلحي بكل الفضائل لتجتازيها حتى النهاية..”

Follow your heart

لقد كنت أحدثك عني، عن سري. و لكن لرواية قصة يجب العودة إلى بدايتها، و البداية في شبابي، في العزلة غير الطبيعية التي نشأت فيها و عشتها بعد ذلك بقية حياتي. في زمني، كان ذكاء المرأة يعتبر صفة سلبية في الزواج، فبالنسبة إلى تقاليد ذلك العصر لم يكن على الزوجة سوى أن تكون أداة إنجاب ساكنة و مولعة. و كانت المرأة التي تسأل كثيراً تُعد زوجة فضولية، قلقة، و هي آخر شئ يتمناه الرجل. و لهذا كان الشعور بالوحدة في شبابي عظيماً حقاً.

و الحق يُقال، ففي الفترة بين الثامنة عشرة و العشرين من عمري، نظراً إلى أنني كنت جميلة، و ميسورة الحال أيضاً، كانت حولي زمرة من العشاق. و لكن بمجرد أن كنت أُظهر أنني أُحسن الحديث، و بمجرد أن كنت أفتح لهم قلبي و أحدثهم عن الأفكار التي تدور في ذهني، كان الجميع يبتعدون من حولي.

و بالطبع كان بإمكاني أن ألزم الصمت، و أن أُظهر ما ليس فيّ، و لكن للأسف، أو لحسن الحظ، على الرغم من تربيتي كان هناك جزء بداخلي ما زال حياً، و كان ذلك الجزء يرفض أن يتظاهر بالزيف.

و بعد انتهائي من المرحلة الثانوية… لم أستكمل دراستي لأن أبي اعترض على ذلك. و كان الأمر يتعلق بتنازل صعب جداً بالنسبة إلي. و لهذا السبب كنت دائماً شغوفة للمعرفة. فبمجرد أن يُعلن أحد الشباب أنه يدرس الطب كنت أطارده بالأسئلة، كنت أريد أن أعرف كل شئ. و هذا ما كنت أفعله أيضاً مع مهندسي و مع محاميّ المستقبل.

كان تصرفي هذا يغير كثيراً من مجرى الأمور، و كان يبدو منه أنني أهتم بالعمل أكثر من الشخص نفسه، و ربما كانت هذه هي الحقيقة.

عندما كنت أتحدث مع صديقاتي و زميلاتي في الفصل، كان لدي الانطباع بأنني أنتمي إلى عوالم بعيدة بُعد السنوات الضوئية. و كانت المسافة التي تفصل بيني و بينهم هي الخبث النسائي… حيث أنني كنت محرومة منه تماماً، بينما قُمنَ هُنّ بتطويره إلى أقصى الدرجات. فخلف الكبرياء الظاهر، و خلف الثقة الواضحة، فإن الرجال شخصيات هشة إلى أقصى درجة، سُذج، بداخلهم دوافع بدائية جداً… لقد أدركت ذلك متأخراً جداً، بينما كانت صديقاتي يعرفنه في ذلك الوقت في عمر الخامسة عشرة و السادسة عشرة…

هذا هو الخبث النسائي، تلك هي الحيل التي كانت تتسبب في نجاحهن مع الرجال. و لكن أنا… كنت كثمرة البطاطس، لم أكن أفهم أي شئ مما يحدث حولي… كان هناك شعور بالإخلاص بداخلي، و هذا الإخلاص كان يُسِر إلى أنني لن أنجح مطلقاً في خداع أي رجل.

كنت أعتقد أنه يوماً سأجد شاباً أستطيع أن أتحدث معه حتى الليل من دون أن أشعر بالتعب، و بالحديث المستمر سندرك أننا نرى الأشياء بالطريقة نفسها، و أننا نشعر بالمشاعر نفسها، عندئذٍ كان سيولد الحب، كان سيولد حبٌ أساسه الصداقة و التقدير، و ليس أساسه سهولة الخداع.

كنت أتمنى صداقة حب و في هذا أفكر بطريقة الرجال، برجولة الأزمان الغابرة… و هكذا ببطء انتهى بي المطاف إلى أن أنتظر في الدور الذي عادة ما تنتظر فيه القبيحات. كان حولي الكثير من الأصدقاء و لكنها كانت صداقات من طرف واحد. كانوا يلجأون إلي فقط ليُفصحوا عن آلامهم في الحب.

و تزوجت صديقاتي الواحدة تلو الأخرى، و في لحظة ما من حياتي خُيل إلي أنني لم أكن أفعل شيئاً سوى الذهاب إلى حفلات الزواج. و أنجبت من كُنّ في سني الأطفال، و كنت أنا دائماً الخالة العانس، كنت أعيش في منزلي مع والديّ و أنا مستسلمة تماماً لفكرة أنني سأعيش آنسة إلى الأبد.

كانت أمي تقول لي “و لكن ماذا يدور في رأسك، أمعقول ألا يعجبك لا هذا و لا ذاك؟!” بالنسبة إليهم كانت الصعوبات التي أواجهها نتيجة غرابة طبعي. هل كان ذلك يضايقني؟ّ لا أعلم. في الحقيقة لم أكن أشعر بداخلي برغبة جارفة في أن تكون لدي عائلة، بل إن فكرة إنجاب طفل للعالم كانت تثير لدي بعض الشك. لقد عانيت كثيراً في أثناء طفولتي، و كنت أخشى أن أتسبب في آلام مخلوق برئ. بل على الرغم من أنني كنت لا أزال أعيش في منزلي، كنت أشعر بالاستقلال التام، كنت أمتلك كل ساعة من يومي.

و لكي أربح بعض النقود كنت أعطي دروساً في اللغتين اللاتينية و اليونانية… بجانب ذلك لم يكن لدي التزامات أخرى، كان يمكنني أن أقضي فترات الظهيرة بأكملها في مكتبة الحي من دون أن أفكر في أحد، و كان يمكنني أن اذهب إلى الجبل كلما أردت ذلك. فقد كانت حياتي مقارنة بالأخريات، حرة، و كنت أخشى كثيراً فقدان تلك الحرية. و لكن مع مرور الوقت كنت أشعر بأن كل هذه الحرية و هذه السعادة الظاهرة مزيفة، و ربما أيضاً مُفتعلة. فقد أخذت الوحدة التي بدت في البداية كميزة، تصبح عبئاً عَلَي… فمنذ ولادتي لم يكن لدي قط من يمكنني التحدث معه. أقصد شخصاً يمكنني التحدث معه فعلاً. من المؤكد أنني كنت أتمتع بذكاء شديد و كنت أقرأ كثيراً، كما كان يقول والدي في النهاية بنوعٍ من الفخر: “إن أولجا لن تتزوج أبداً لأن عقلها كبير أكثر من اللازم”.

و لكن كل هذا الذكاء المُفترض لم يكن يقودني إلى أي مكان، لم أكن مثلاً جديرة بأن أرحل في رحلة طويلة أو أن أدرس شيئاً بعمق. فبسبب أنني لم ألتحق بالجامعة كنت أشعر بأنني مُهيضة الجناح… و كنت أنتظر. و لكن ماذا أنتظر؟ لم تكن لدي أدنى فكرة.

ففي اليوم الذي أتى فيه “أوجوستو” أول مرة إلى منزلنا كان الثلج يتساقط. أتذكر هذا اليوم لأنه نادراً ما يسقط الثلج في منطقتنا، و لأنه بسبب الثلج نفسه في ذلك اليوم حضر ضيفنا متأخراً عن ميعاد الغداء. كان مثل والدي يعمل في استيراد البُن. و كان قد حضر ليتناقش حول بيع شركتنا، فبعد الأزمة القلبية التي أصابت والدي الذي ليس له وَرَثَة ذكور، قرر أن يتخلص من الشركة ليقضي الأعوام المتبقية له في سلام. لأول وهلة بدا لي “أوجوستو” سخيفاً جداً. فهو بالنسبة إلينا “إيطالي” و مثل كل الإيطاليين كان يتمتع بنوع من التكلف الذي يثير غضبي.

شئ غريب، و لكن كثيراً ما يحدث أن تسبب لنا الشخصيات المهمة في حياتنا ضيقاً في بداية التعارف… بعد الغداء ذهب والدي ليستريح و بقيت أنا وحدي في الصالون في صحبة الضيف بانتظار اللحظة التي سيستقل فيها القطار. كنت غاية في البرود. و طوال الساعة التي مكثناها معاً عاملته بمنتهى الجفاء. و كنت أجيبه عن كل سؤال بنصف إجابة، و إذا لزم هو الصمت، كنت أصمت أنا أيضاً…

و في هذا المساء قالت والدتي: “على الرغم من كون السيد إيطالياً فإنه شخصية مهذبة”. فأجابها والدي: “و هو أيضاً ماهر في عمله”. عند هذه اللحظة… لقد نطق لساني وحده و قال: “و لا يرتدي دبلة في إصبعه”. و عندما أجابني والدي: “في الواقع، المسكين أرمل”. تحول لوني إلى الأحمر بلون الفلفل و شعرت بالخجل يعتريني. و بعد يومين، و عند عودتي من أحد الدروس وجدت في مدخل المنزل طرداً و كان لون ورقة الهدية فضياً.

كان أول طرد تلقيته في حياتي. و لم أنجح في تخيل من يمكنه إهدائي شيئاً مثل هذا. و أسفل ورقة الهدية كانت توجد بطاقة كُتب عليها: “هل تعرفين هذه الحلوى؟” و أسفل تلك العبارة إمضاء “أوجوستو”. و في المساء لم استطع النوم بوجود تلك الحلوى… كنت أقول في نفسي: من المؤكد أنه أرسلها مجاملة لوالدي. و في هذا الوقت كنت ألتهم “المرزبانية” واحدة تلو الأخرى.

و بعد ثلاثة أسابيع عاد “أوجوستو” للعمل. قال هذا في أثناء الغداء، و لكن بدلاً من أن يرحل على الفور مثلما فعل المرة السابقة، توقف قليلاً في المدينة، و قبل أن ينصرف طلب من والدي الإذن في أن يأخذني في نزهة بالسيارة و سمح له أبي بذلك من دون حتى أن يسألني رأيي. و أخذنا ندور طوال فترة ما بعد الظهيرة عبر طرقات المدينة، كان هو قليل الكلام، و كان يسألني عن الآثار ثم يلتزم الصمت ليستمع إلي.

كان يصغي إلي! هذا الشئ بالنسبة إلي كان معجزة حقيقة. و في صباح اليوم الذي رحل فيه أرسل إلي باقة من الأزهار الحمراء. كانت أمي منفعلة جداً لذلك، و حاولت أنا التظاهر بغير ذلك، و انتظرت عدة ساعات لأفتح البطاقة و أقرأها. و في فترة وجيزة أصبحت زياراته أسبوعية، فقد كان يأتي إلى “تريستي” كل يوم سبت و يعود إلى مدينته ليعاود الرحيل كل أحد…

و أخيراً كنت أستطيع التحدث معه، كان يقدر ذكائي و رغبتي في المعرفة، وكنت أنا أُعجب برصانته و استعداده للإصغاء. ذلك الشعور بالأمان الذي يمكن أن يعطيه رجل متقدم في السن لأي امرأة شابة.

و تزوجنا في احتفال بسيط في الأول من يونيو 1940 و بعد ذلك بعشرة أيام بدأت الحرب في إيطاليا… لقد كانت هناك الفاشية و القوانين العنصرية و كانت الحرب متفجرة بينما استمررت أنا في الاهتمام بتعاستي الصغيرة الشخصية فقط… فيما عدا أقلية صغيرة من المهتمين بالسياسة كان الجميع في بلدتي يتصرفون بالطريقة نفسها. فعلى سبيل المثال كان أبي يعتبر الحركة الفاشية مجرد تهريج و عندما كان يوجد في المنزل كان يصف الزعيم “بائع البطيخ” و لكن بعد ذلك كان يذهب للعشاء مع زعماء الفاشية و يمكث ليتحدث معهم حتى ساعات متأخرة من الليل.

و بهذه الطريقة نفسها كنت أجد أن فكرة الذهاب إلى السبت الإيطالي و المشي و الغناء و أنا أرتدي ملابس الأرامل فكرة سخيفة و مثيرة للضيق، و لكن على كل حال كنت أذهب، لأنني أعتقد أنه مجرد إزعاج يجب على المرء أن يخضع له ليعيش في هدوء.

من المؤكد أن تصرفاً كهذا لا يُعد تصرفاً رائعاً لكنه كان تصرفاً شائعاً حيث كانت الحياة في هدوء في ذلك الوقت، و ربما الآن أيضاً، هي أحد أهم الأشياء التي يتطلع إليها الإنسان.

ذهبنا لنعيش في منزل عائلة “أوجوستو” و هو منزل كبير في الطابق الأول من قصر فاخر في وسط المدينة. كان مجهزاً بأثاث كئيب و ثقيل، و كانت إضاءته ضعيفة و مظهره يبعث على التشاؤم، و بمجرد أن دخلته شعرت بشئ ما يعتصر قلبي، و سألت نفسي هل يجب أن أعيش هنا مع رجل لم أعرفه سوى ستة أشهر في مدينة ليس لي فيها صديق واحد؟

أدرك زوجي على الفور حالة الاختناق التي حدثت لي، و في أول أسبوعين حاول المستحيل ليخرجني منها. فكنا نأخذ السيارة و نذهب لنتجول بها فوق الجبال و في الجوار يوماً بعد يوم تقريباً. و كلانا كان يتمتع بحب كبير للنزهة… و كنا نستمر في الحديث كثيراً، و كان “أوجوستو” يحب الطبيعة و خاصة الحشرات، و أثناء سيرنا كان يشرح لي أشياء عديدة، فأنا أُدين له بجزء كبير من معرفتي بالعلوم الطبيعية. و في نهاية الأسبوعين اللذين تم اعتبارهما رحلة شهر العسل، عاد هو إلى عمله، و بدأت أنا حياتي وحيدة في المنزل الكبير، و كانت معي خادمة عجوز هي التي كانت تهتم بالأعمال الرئيسية.

و كسائر زوجات الطبقة البرجوازية كان عليّ فقط أن أعد الغداء و العشاء، غير ذلك م يكن لدي أي شئ لأفعله. و كنت قد اعتدت أن أخرج كل يوم وحدي لأقوم بنزهة طويلة كنت أجوب كل الطرقات ذهاباً و إياباً بخطوة غاضبة. فقد كانت تدور في راسي الكثير من الأفكار و بين كل هذه الأفكار لم أنجح في أن أصل لأي شئ. هل أحبه؟ كنت أتساءل و أنا أتوقف فجأة، أم كان الأمر مجرد غلطة كبيرة؟

عندما كنا نجلس على مائدة الطعام أو في المساء في الصالون كنت أنظر إليه و أسأل نفسي و أنا أتطلع إليه عن شعوري، كنت أشعر بالحنين، و من المؤكد أنه هو أيضاً كان يشعر بهذا تجاهي. و لكن هل هذا هو الحب؟ هل كل شئ يكمن في هذا؟ و بما أنني لم أجرب أي شئ آخر لم أنجح في أن أجد لنفسي إجابة. و بعد شهر وصلت الثرثرة الأولى إلى أذن زوجي، وصلت له شائعات غير معروفة: أن الألمانية تذهب لتتجول وحدها في الطرقات في أي وقت. كنت مندهشة لذلك، لقد كبرت على تقاليد مختلفة، و لم أكن قط لأتخيل أن نزهتي البريئة يمكن أن تتسبب في فضيحة. و لقد استاء “أوجوستو” لهذا، و كان قد أدرك أن هذا الشئ غير مفهوم بالنسبة إلي، و لكن على كل حال فلتهدئة الموقف في الجوار و للحفاظ على اسمه سألني أن أتوقف عن التنزه بمفردي.

و بعد مرور ستة اشهر من هذه الحياة شعرت بأنني انطفأت تماماً و أصبح الميت الصغير بداخلي ميتاً ضخماً، و كنت أتصرف كأنني إنسان آلي و فقدت عيناي بريقهما. و عندما كنت أتحدث كنت أشعر كأن كلماتي بعيدة عني، كأنها تخرج من فم إنسان آخر. و في هذا الوقت كنت قد تعرفت على زوجات بعض زملاء “أوجوستو” و كنت ألتقي بِهن يوم الخميس في أحد مقاهي وسط المدينة. و على الرغم من أننا كنا تقريباً متقاربين في السن، فإن الأشياء المشتركة بيننا كانت قليلة جداً. كنا نتحدث اللغة نفسها و لكن ربما كانت هذه هي النقطة الوحيدة المشتركة بيننا.

و بعد فترة قصير من عودته إلى مسقط رأسه بدأ “أوجوستو” يتصرف مثل أي رجل من منطقته. فأثناء تناول الطعام كنا نجلس في سكون، و عندما أجتهد لأقص عليه شيئاً كان يجيبني بنعم أو لا أو بمجرد إيماءات بسيطة، ثم كثيراً ما كان يذهب في المساء إلى النادي، و عندما يجلس في المنزل كان ينفرد في مكتبه و ذلك ليعيد ترتيب مجموعة من الحشرات. و كان حلمه الكبير هو اكتشاف حشرة غير معروفة لأحد و هكذا يصبح اسمه مُخلداً إلى الأبد في الكتب العلمية. أما أنا فكنت أريد أن أُخلد اسمه بطريقة أخرى… فقد كنت أبلغ من العمر ثلاثين عاماً و كنت أشعر بأن الزمن ينزلق من فوق كتفي بسرعة…

و كنت أشعر بأن “أوجوستو” لم يكن يريد سوى شخص يوجد معه في المنزل في أوقات الوجبات، أو أن يعرضه بفخر يوم الأحد في الكنيسة، أما عن الشخص نفسه فبخلاف تلك الصورة المطمئنة لم يكن يهمه شئ. و لكن أين اختفى الشخص الممتع و المستعد دائماً لملاطفتي؟ هل من الممكن أن ينتهي الحب بهذه الطريقة؟

هل كنت أكرهه؟ لا، فلتكرهي أحداً لا بد أن يكون قد جرحك أو سبب لك ألماً. و لكن “أوجوستو” لم يفعل لي أي شئ و تلك كانت الكارثة. فمن الأسهل أن يموت الإنسان من اللاشئ أكثر من الألم، فالإنسان يمكنه أن يتمرد على الألم و لكنه لا يستطيع فعل هذا أمام اللاشئ.

و عادة عندما كنت أتحدث مع والديّ كنت أقول لهما إن كل شئ على ما يرام، كنت أجتهد لأتظاهر بصوت العروس الشابة السعيدة. كانا واثقَين بأنهما تركاني في أيد أمينة و لم أكن أريد أن أهز ثقتهم هذه. كانت أمي دائماً مختبئة في الجبل أما أبي فقد مكث وحده في منزل العائلة مع قريبة له ترعاه. و كان يسألني مرة في الشهر: “أخبار جديدة؟” و كنت أجيبه عادة ب”لا”، ليس بعد. و كان متمسكاً بشدة بأن يكون له حفيد، و مع تقدمه في السن أصبح يتمتع بنوعٍ من الرقة التي لم يكن يمتلكها من قبل، و كنت أشعر به قريباً مني بهذا التغيير و كان يؤسفني أن أُخيب رجاءه. و لكن في الوقت نفسه لم تكن لدي الثقة الكافية التي تسمح لي بأن أقص عليه أسباب هذا العقم المستمر.

و كانت أمي ترسل إلي بخطابات مليئة بالرموز. كانت تكتب لي في مقدمة الورقة: ابنتي الغالية.. ثم تسرد لي بالتفاصيل كل الأشياء الصغيرة التي تحدث لها في أثناء اليوم، و في النهاية كانت تخبرني دائماً بأنها انتهت من العمل في طقم التريكو الذي تصنعه للحفيد المنتظر. و في هذا الوقت كنت أنغلق على ذاتي، و كنت كل صباح أنظر إلى نفسي في المرآة و أجد أنني أصبحت أكثر قبحا…

بما رويته عن زواجي سيبدو شيئاً رهيباً إلى حد كبير و لكن لم يكن هناك ما يدعو إلى الدهشة. ففي ذلك الوقت كانت الزيجات كلها هكذا، جحيم منزلي صغير، فيه، إن آجلاً أو عاجلاً ينهزم أحد الزوجين. و لكن لماذا لا أتمرد؟ لماذا لا آخذ حقيبتي و أعود إلى “تريستي”؟ لأنه في تلك الأيام لم يكن هناك طلاق و لا انفصال. و لإنهاء زواج يجب أن يكون هناك سوء معاملة واضح… و “أوجوستو” لم يرفع مطلقاً معي، لن أقول إصبعه، بل حتى صوته، و لم يجعلني أحتاج إلى شئ على الإطلاق…

كنت أستيقظ كل صباح، و بعد ثلاثة أعوام من الزواج لم تكن لدي سوى فكرة واحدة في رأسي هي الموت.

و لم يكن “أوجوستو” قد تحدث معي مطلقا عن زوجته السابقة، و المرات النادرة التي سألته فيها بحرص، كان يغير الموضوع. و مع مرور الوقت و أنا أسير بين تلك الحجرات الخاوية اقتنعت أن “آدا”، و هو اسم الزوجة الأولى، لم تكن قد ماتت بسبب مرض أو مأساة و لكنها انتحرت. و عندما كانت الخادمة تخرج كنت أقضي وقتي في محاولة خلع الموائد الخشبية و إعادة ترتيب الأدراج، كنت أبحث بعصبية عن دليل، عن أي علامة تؤكد شكي هذا.

و في يوم ممطر، و في قاع أحد الدواليب وجدت ملابس امرأة، إنها ملابسها. أخرجت أحد أثوابها الداكنة و ارتديته، كنا تقريباً نرتدي المقاس نفسه. و عندما نظرت إلى نفسي في المرآة بدأت أبكي. كنت أبكي بطريقة مُهينة من دون أي نحيب كمن أدرك أن قدره تحدَّد بالفعل.

و في إحدى زوايا المنزل كان يوجد مصلى من الخشب الثقيل و الذي كان ملكاً لوالدة “أوجوستو” و قد كانت امرأة متدينة جداً. و عندما لم أكن أجد ما أفعله كنت أغلق على نفسي في هذه الحجرة و أجلس هناك بالساعات و يداي معقودتان. هل كنت أصلي؟ لا أعرف… كنت أقول: يا إلهي، اجعلني أعثر على طريقي، و إذا كان هذا هو طريقي ساعدني على احتماله…

و لم يكن أي شئ ينجح في أن يخرجني من البلادة، فقد كنت أرى في تسلسل واحد رتيب و أُحادي اللون سنواتي و هي تمر الواحدة تلو الأخرى حتى الموت.

أتعلمين ما الخطأ الذي نقع فيه دائماً؟ هو أن نعتقد أن الحياة ثابتة، و أنه إذا اتخذنا في طريقنا رصيفاً معيناً يجب أن نعبره حتى النهاية… ففي اللحظة التي تعتقدين فيها أنكِ في وضع لا مخرج منه، و عندما تصلين إلى القمة النهائية لليأس، يتغير كل شئ في قبض الريح و ينقلب كل شئ، و بين اللحظة و الأخرى تجدين نفسك تعيشين حياة جديدة…

اذهب حيث يقودك قلبك

من الصفحة 116 إلى 136
اذهب حيث يقودك قلبك
سوزانا تامارو
ترجمة د أماني فوزي حبشي
مراجعة د أيمن عبد الحميد الشيوي
سلسلة إبداعات عالمية
العدد 399 فبراير 2014

va-dove-ti-porta-il-cuore

“هناك حقائق تحمل في طياتها معنى الحرية، و حقائق أخرى تحتوي معاني مرعبة.”

و في الخلف كتب المُنَجِّم:

“مسيرة صعبة، يجب أن تتسلحي بكل الفضائل لتجتازيها حتى النهاية..”

Follow your heart

لقد تزوجت أمي في عمر السادسة عشرة، و أنجبتني و هي تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً. في مرحلة طفولتي كلها، بل طيلة حياتي، لم أرها مطلقاً تعاملني بحنان. لم تتزوج عن حب، لم يجبرها أحد على ذلك، لقد أجبرت هي نفسها… كانت تطمع في امتلاك لقب من ألقاب النبلاء.

أما أبي، و الذي كان يكبرها في السن، بارون و يهوى الموسيقى، قد سحرته موهبتها في الغناء.

و بعد أن أنجبا الوريث الذي كان مهماً للحفاظ على اسم العائلة، عاشا غريقين في النكد و المشاحنات حتى نهاية أيامهما.

ماتت أمي غير راضية و نادمة، من دون أن ينتابها أدنى شك في أنها على الأقل اشتركت بطريقة أو بأخرى في هذا الخطأ. بل كانت مقتنعة بأن العالم هو القاسي جداً، لأنه لم يسمح لها باختيارات أفضل. و كنت أنا مختلفة كثيراً عنها. و بالفعل في سن السابعة، بعد أن عبرت مرحلة الاعتماد الطفولي عليها، بدأت لا أحتملها.

لقد عانيت كثيراً بسببها، كانت تثور باستمرار، و كانت ثورتها دائماً بسبب أشياء خارجية فقط. فقد كان كمالها المزعوم يُشعرني بأنني شريرة، و كانت الوحدة هي ثمن شري. في البداية بذلت بعض المحاولات لأكون مثلها، لكنها كانت محاولات فاشلة، و كانت تنتهي غالباً باليأس. و كلما كنت أحاول ذلك كنت أشعر بالضيق. فالتخلي عن الذات يؤدي إلى اليأس، و بين اليأس و الغضب خيط رفيع.

عندما أدركت بأن حب أمي هو شئ متعلق بالمظاهر فقط، يتعلق بما يجب أن أكون عليه، و ليس بما كنت عليه، بدأت أشعر في السر و في خفايا قلبي بأنني أكرهها فعلاً.

و لأهرب من هذا الشعور كنت ألجأ لعالمي الخاص. في المساء، في فراشي و أنا أخفي الضوء بقطعة قماش كنت أقرأ كتب المغامرات حتى ساعات متأخرة من الليل. و كنت أحب التخيل جداً، لفترة من الزمن كنت أحلم بأنني قرصانة أعيش في بحر الصين، و كنت قرصانة مختلفة تماماً لأنني كنت أسرق ليس لنفسي، بل لأعطي كل شئ للفقراء.

و من خيالات العصابات وصلت إلى تلك الخيالات الخاصة بالنزعة الخيرية، كنت أفكر أنه بعد تخرجي في كلية الطب يمكنني الذهاب إلى أفريقيا للعناية بالأفارقة الفقراء.

و في سن الرابعة عشرة… أدركت أنني لن أستطيع مطلقاً أن أعالج أي إنسان لأن هوايتي الوحيدة الحقيقية هي علم الآثار. و من بين كل الأعمال الأخرى التي تخيلت أنني سأقوم بها، أعتقد أن تلك كانت هي الهواية الوحيدة التي تناسبني.

و بالفعل لأحقق هذا الحلم، قمت بالمعركة الأولى و الوحيدة مع أبي، تلك الخاصة بالتحاقي بالقسم الأدبي في دراستي الثانوية. لم يكن يريد أن يسمعني أتحدث عن هذا الموضوع، كان يقول إن هذا لن يفيد في شئ، و إنه إذا كنت أريد بالفعل أن أدرس، كان من الأفضل أن أتعلم اللغات. و لكنني في النهاية نجحت.

و في اللحظة التي كنت أعبر فيها بوابة المدرسة الثانوية، كنت واثقة تماماً بأنني فزت. و لكنني كنت واهمة. و عندما أعلنت له في نهاية دراساتي العليا عن رغبتي في استكمال دراستي الجامعية في روما، كانت إجابته نهائية: “لن نتحدث حتى عن هذا.”

و أنا، كما كان يحدث في ذلك الوقت، أطعت من دون حتى أن أتنفس. لا يجب أن يعتقد المرء أن الفوز في أحد المعارك يعني الفوز في الحرب. إنه خطأ الشباب. عندما أفكر في هذا الأمر الآن، أعتقد أنني لو أصررت على رأيي، كان والدي سيوافق في النهاية.

كان رفضه الحاسم هذا يُعد جزءاً من النظام التربوي في ذلك الوقت. في الواقع لم يكن الآباء يؤمنون بقدرة الشباب على اتخاذ قراراتهم الخاصة، و بالتالي، عندما كانوا يُظهرون رغبة مختلفة، كانوا يحاولون أن يضعونهم تحت الاختبار. و نظراً إلى أنني قد تراجعت أمام أول عائق، كان الأمر جلياً جداً بالنسبة إليهم أنها ليست رغبة حقيقة و لكن مجرد أمنية عابرة.

كان الأبناء، بالنسبة إلى أبي و أمي، قبل كل شئ واجباً ظاهرياً. و بالتالي كانوا يُهملون تطورنا الداخلي، بل كانوا يتعاملون بقسوة متناهية مع الجوانب الأكثر تفاهة في التربية. كان يجب علي أن أجلس معتدلة على مائدة الطعام و ركبتاي قريبتان من جسدي. و لم يكن مهماً بالنسبة إليهما إذا ما كان ذلك يصيبني بالرغبة في الانتحار.

إن المظهر هو كل شئ، أي شئ بعيد عن ذلك كان لا يليق. هكذا كبرت و بداخلي الشعور بأنني شئ شبيه بالقرد الذي يجب تدريبه جيداً و ليس الإنسان، شخص له أفراحه و أتراحه، شخص يحتاج لأن يكون محبوباً.

و من هنا وُلد الضيق بداخلي مبكراً جداً، إحساس كبير بالوحدة، وحدة أصبحت هائلة بمرور الوقت، نوع من الفراغ الذي يحدث لعجلات السيارات، و الذي فيه كنت أتحرك في حركات بطيئة و سخيفة مثل حركات الغواص. و كانت الوحدة تُولد أيضاً من التساؤلات، تساؤلات كنت أطرحها على نفسي و لم أكن أعرف كيف أُجيب عنها. فبدءاً من الرابعة أو الخامسة من عمري كنت أنظر حولي و أتساءل: “لماذا أنا هنا؟ من أين أتيت؟ و من أين أتت كل الأشياء التي آراها حولي، ماذا وراء كل هذا، هل كانت كلها هنا أيضاً و أنا غير موجودة، هل ستبقى إلى الأبد؟” كنت أسأل نفسي كل الأسئلة التي يتساءلها الأطفال الحساسون عندما يواجهون العالم المعقد. و كنت مقتنعة بأنه حتى إذا كان الكبار يطرحون تلك الأسئلة، فهم قادرون على الإجابة عنها. و لكن بعد محاولتين أو ثلاث مع أمي و المربية استنتجت أنهم لم يتوصلوا إلى إجابات، بل لم يطرحوا تلك الأسئلة على أنفسهم أصلاً.

و هكذا تزايد لدي الشعور بالوحدة… كنت مجبرة أن أحل وحدي كل لغز بقوتي أنا فقط، و كلما كان الوقت يمر، كنت أسأل نفسي عن كل شئ، و كانت الأسئلة تزداد حجماً و فظاظة في كل مرة…

و في السادسة كان لقائي الأول مع الموت. كان أبي يمتلك كلب صيد. كان وديعاً و حنوناً، كنا رفيقي المفضل في اللعب…

و في صباح أحد الأيام، و عند عودتي من المدرسة، لم أجده ينتظرني بجوار مدخل المنزل. في البداية اعتقدت أنه ذهب إلى مكان ما مع والدي، و لكن عندما رأيت والدي جالساً بهدوء في مكتبه و “أرجو” لا يجلس عند قدميه، انتابني قلق شديد، خرجت و أخذت أصيح بأعلى صوتي أناديه في كل أرجاء الحديقة، و عدت إلى الداخل و أخذت أبحث عنه في المنزل كله…

و في المساء، في اللحظة التي كنت أعطي فيها والديَّ قبلة المساء الإجبارية، استجمعت شجاعتي كلها و سألت أبي: “أين أرجو؟” أجابني دون أن يرفع نظره عن الجريدة: “أرجو، رحل بعيداً.” فسألته: “و لماذا؟ -“لأنه تعب جداً من مضايقاتك”.

و لكن ماذا كان في هذه الإجابة؟ عدم لياقة؟ تعالٍ؟ سادية؟ في اللحظة التي سمعت فيها تلك الكلمات كُسِرَ شئ ما بداخلي. بدأت لا أنام في الليل، و كان يكفي أن يحدث شئ بسيط جداً حتى أنفجر في النحيب. و بعد شهر أو شهرين تم استدعاء طبيب الأطفال.

قال: “إن الطفلة ضعيفة جداً”، و أعطاني زيت كبد السمك. و لم يسألني أحد مطلقاً عن سبب عدم نومي، أو عن سبب إمساكي دائماً، و في كل مكان، كرة “أرجو” المتآكلة.

و لهذا الحدث أعهد ببدايتي سن البلوغ. في السادسة من عمري، أجل تماماً في سن السادسة. فقد رحل “أرجو” لأنني كنت شريرة، إذن فإن تصرفاتي كانت تؤثر فيمن حولي، كانت تؤثر و تتسبب في الاختفاء، في الدمار. و منذ تلك اللحظة و فيما بعد ذلك لم تعد تصرفاتي بسيطة و تلقائية.

فبسبب رعبي أن أقترف خطأ آخر، قمت بتقليل تصرفاتي إلى أقصى درجة، و بالتالي أصبحت بليدة و مترددة. و في الليل كنت أمسك بالكرة الصغيرة بين يدي و كنت أقول و أنا أبكي: “أرجو، أرجو، عد حتى إن كنت قد أخطأت، فأنا أحبك أكثر من الجميع”…

في تربية الأطفال عادة ما يكون للنفاق سلطته.

أتذكر جيداً في إحدى المرات و أنا أتنزه مع والدي بالقرب من حظيرة، عثرت على طير ميت، و من دون أي شعور بالخوف أمسكته بيدي و أريته إياه. فصاح على الفور: “ضعيه أرضاً، ألا ترين أنه نائم؟”

كان الموت مثل الحب، موضوع لا يجب الخوض فيه.

ألم يكن من الأفضل ألف مرة إذا كانوا قد قالوا لي إن “أرجو” مات؟ كان من الممكن أن يأخذني أبي بين ذراعيه و يقول لي: “لقد قتلته لأنه كان مريضاً و يعاني كثيراً، و هو مسرور جداً حيث هو الآن.” كان من الممكن أن أبكي أكثر، و ربما كنت قد شعرت بالإحباط، و لمدة شهور و شهور كنت سأذهب للمكان الذي دُفن فيه، و كنت سأتحدث معه طويلاً. ثم، رويداً رويدا كنت سأبدأ في نسيانه، كانت ستهمني أشياء أخرى و كانت ستصبح لي هوايات جديدة، و كان “أرجو” سينزلق في عمق أفكاري كالذكرى، ذكرى جميلة لطفولتي. و لكن بهذه الطريقة أصبح “أرجو” هو الموت الصغير الذي أحمله بداخلي.

و من ثم أقول إنه في سن السادسة كنت قد نضجت بالفعل، لأنه بدلاً من الفرح أصبحت أشعر بالقلق، و بدلاً من الفضول أصبحت أشعر باللامبالاة. هل كان أبواي وحشين؟!

أبدأً، مطلقاً، ففي هذا الزمن كانا طبيعيَن جداً.

فقط عندما أصبحت أمي مُسنة بدأت تقص علي أشياء عن طفولتها. كانت أمها قد توفيت و هي لا تزال طفلة، و قبل أن تلدها كانت رُزقت بولد، أصيب في سن الثالثة بالتهاب رئوي. و كانت قد حملت بها بعد ذلك على الفور، و لكن حظها كان سيئاً إذ لم تكن أنثى فقط، بل وُلدت في اليوم نفسه الذي فيه توفي أخوها. و حتى تتذكر ذلك الحدث الحزين، ألبسوها ملابس الحِداد و هي في سن الرضاعة، و علقوا فوق فراشها الصغير لوحة زيتية كبيرة لأخيها. و كان الغرض من هذا أن تتذكر، بمجرد أن تفتح عينيها، أنها ليست سوى بديل، مجرد نسخة بلا لون لشخص أفضل…

كيف يمكنني إذن أن ألومها؟ كيف يمكن أن يلومها أحد على مشاعرها الباردة، على اختياراتها الخاطئة، و عن كونها بعيدة عن الجميع؟

حتى القرود إذا تربت في معمل معقم بدلاً من الأم الحقيقية، يصيبهم الحزن بعد فترة و يتركون أنفسهم فريسة للموت. و إذا عدنا أكثر إلى الوراء، لنرى والدتها، أو والدة والدتها، من يدري ماذا يمكننا أن نجد أيضاً؟

إن اعتياد التعاسة عادة ما يتبع التسلسل النسائي. مثل بعض الصفات الوراثية، فهو يعبر من الأم إلى الابنة. و أثناء عبوره، و بدلاً من أن يصبح أهون، يصبح أكثر كثافة بالتدريج، يصبح أكثر ثباتاً و عمقاً. بالنسبة إلى الرجال فالأمر مختلف جداً، كانت لديهم المهنة و السياسة و الحرب، فكان يمكن بذلك لطاقاتهم أن تخرج و أن تنتشر.

أما نحن فالأمر ليس كذلك. فنحن و لمدة أجيال و أجيال، لم نتردد سوى على غرفة النوم و المطبخ و الحمام، قمنا بعمل الآلاف و الآلاف من الخطوات و التصرفات و نحن نحمل بداخلنا الشعور نفسه بالحقد، الشعور نفسه بعدم الرضا…

…عندما كنا نذهب في ليلة عيد العذراء فوق النتوء الجبلي لنشاهد الصواريخ الصناعية التي كانت تُطلق من المياه، في كل فترة كان يوجد صاروخ من تلك الصواريخ، لا ينجح في الوصول إلى السماء على الرغم من انفجاره. عندما أفكر في حياة أمي، و حياة جدتي، عندما أفكر في العديد من الأشخاص الذين عرفتهم، تعود إلى ذاكرتي فوراً تلك الصورة: نيران تنفجر و لا تنجح في الصعود إلى أعلى.

اذهب حيث يقودك قلبك

من الصفحة 43 إلى 51
اذهب حيث يقودك قلبك
سوزانا تامارو
ترجمة د أماني فوزي حبشي
مراجعة د أيمن عبد الحميد الشيوي
سلسلة إبداعات عالمية
العدد 399 فبراير 2014

va-dove-ti-porta-il-cuore

“هناك حقائق تحمل في طياتها معنى الحرية، و حقائق أخرى تحتوي معاني مرعبة.”