لديك قصة

شريحة1 ‫‬

و لَأن تخبر قصتك بنفسك خير من أن تدعها ليستولي عليها صانعوا “الأخبار” الذين إما سيصنعون منك القصة (قصة كبيرة)، أو سيخلطونك مع الجميع في قصة تافهة واحدة حتى تختفي في رتابة “اليومي”. فأنت إما خبراً بارزاً، أو عادياً جداً؛ قد تكون الحَدَث أو قد تكون في الخلفية الباهتة التي يجري من أمامها و يطمسها ذلك الحدث.

لديك قصة؛ و لكل قصة هدف، و تلك القصة اختارتك لتروي جانباً من قصة أكبر. قد تظن بأنك تمتلك القصة، و لكنك حين تغيب تبقى القصة؛ فأنت للقصة و هي ليست لك، و مع هذا فخلودك مرهون بروايتك لها، بقدر ما ستعيش القصة من بعدك؛ أنت تعيش.

يُقال: “لا تروي قصة إذا لم تكن تعرف نهايتها”، و بما أن النهايات لا نهائية؛ إذن فليس هناك من “نهاية” لتعرفها قبل أن تشرع برواية قصتك! كل نهاية شيء هي بداية لشيء آخر، فقط اختر النقطة التي تود اعتبارها نهايتك (الفاصلة) الحالية ثم انتقل لبدايتك التالية.

يحدث الكثير بعد أن تروي قصتك؛ عندما تُخبر القصة فإنك تضع لها “نهاية”، و من بعد “النهاية” ستخلق “بداية” قصة جديدة. حين تقوم بصياغة القصة بكلماتك الخاصة فإنك تستعيد السلطة منها، أنت الراوي الآن، يمكنك التعديل عليها أو تغييرها بل و حتى التخلص منها و كأنها ما “كانت“.

لكل أحد في هذا العالم قصة، و من الأفضل لكل قصة أن تُروى من جانب صاحبها؛ لن يمكن لأحد أن يخبر قصتك عنك كما يمكنك أنت أن تفعل، إذ أن الذي رأى بنفسه غير الذي سمع. أنت مَن كان هناك في القصة؛ أنت و ذاكرتك و خيالك و أحلامك، لا يمكن لقصة أن تكون مكتملة إلا بأوهام و أكاذيب و هلوسات كاتبها.

لديك حياة واحدة، يمكنك أن تنفقها على أن تحياها من العمق إلى العمق، أو أن تبددها بالعيش كمجرد عابر على قصص الآخرين. عليك الاكتفاء بعيش حياتك كما يجب على أن توزع نفسك على أكثر من حياة هي ليست لك، ثم لا تعيش أي منها. جرب مرة ألا تحجب نفسك خلف تجاربهم و أن تتحدث بصوتك أنت.

لقد اخترت منذ بضعة سنوات ليس فقط أن أنسى، بل و ألا أعرف حتى ما يجري من حولي على هذه الأرض، و حين سأقرأ بعد عشرات السنين تأريخاً ملفقاً للحقبة التي عاصرتها دون أن أكترث لمعرفة كل ما يحصل بها، سأعتمد على قصص الصغار الذين كبروا ليخبروا عن كل الذي حصل و فاتني معرفته في وقته.

ليس الخبر البارز، بل قصة الإنسان “العادي جداً” هي التي توثق تاريخ هذا العالم. ابدأ من النهاية لكي تعرف من أين سوف تنطلق و إلى أين ستتجه؛ فكِّر في عمرٍ تغزله من بقايا حَيَوات ممزقة، أو عمر يكون هو جسرك نحو البصيرة و به ستعمل على ترك القيمة التي ستساهم بها في رفع رصيد هذا العالم من الحكمة؛ أيهما ستختار؟

ليس هناك عذاب أشد من أن تحمل حكاية غير مروية في داخلك. *مايا آنجلو

Back to Life

Back again

و سؤال العودة كان: هل ينبغي علَي حذف كل ما تم نشره “هنا” سابقاً على اعتبار أن النسخة الحالية مني مختلفة تماماً عن تلك التي كانت؟! اليوم لا شيء بي يشبه أي من أشيائي القديمة، و ليس في هذه اليد ما هو متبقٍ من اليد التي كتبت كل ذلك، و لا الأصابع هي الأصابع نفسها، هكذا ينطوي الزمان جارفاً حتى الأماكن معه.

و لكنني اخترت أن أتركها على حالها، ربما لتبقى شاهدة على تحولاتي الأخيرة. و قد كنت توقفت عن النشر هنا لأسباب فيها من الحماقة أكثر مما فيها من الحكمة؛ غيظي من الناس الذين يتجسسون علي بتتبع مساحات تواجدي الإلكترونية، تكتمي حول كثير مما مررت به و حرصت على خوضه وحدي دون إثارة أي جلبة تستنفر المقربين مني للتدخل أو التطفل.. قليلٌ من الحب و مزيدٌ من الفضول؛ يضطر أحدنا للتنازل عن أحدهما من أجل التخلص من الآخر.

و في كل مرة رغبت بالعودة أحجمت بسبب الفجوة الآخذة في الإتساع ما بين “أنا” التي غادرتني (أو غادرتها) و بين ذاتي الحالية، و الآن قررت قفز هذا الحاجز قبل أن يصير على ارتفاع لن يمكنني اجتيازه، و الحاجز حين يتضخم يتحول إلى “عقبة” و العقبة تتطلب منك مجهودات مضاعفة للإلتفاف حولها، ثم تظهر “المُعيقات” فتنشغل بمعالجتها إلى أن تستنزفك فلا يتبقى لديك فائضٌ من الطاقة لمواصلة عبور الطريق. حتى حين كنت أهم بالكتابة عن (عدم) الكتابة أكبح نفسي بتذكيري بأن هذه واحدة من أكثر الحِيَل ابتذالاً؛ كل أحد يمكنه أن يكتب عن أحوال امتناعه عن “أن يكتب”، لم أُرِد الوقوع في هذا الفخ.

كما أخترت أن أترك القصاصات المنشورة هنا ضمن خطة كانت ارتجالية للتدرب على الإنضباط بكتابة مقطع لكل يوم من أيام السنة الماضية 2015 

اليوم هو أول أيام سنتي الجديدة (الثاني عشر من يناير هو يوم قدوم هذا الجسد الذي ما زال يُحسن ضيافتي إلى هذه الدنيا)، و لأجعل الأمر واضحاً لكل مَن يترصد مساحاتي و يحاول التسلل إلى فضائي و يرغب بسحبي بالقوة نحو مجاله:

إذا كنت تظن بأن الحب الذي تستقبله مني قطة الشارع المشردة التي تتمسح بقدمي تتوسلني احتضانها لحين أهجرها متملصة و أتجنب التصاق خطواتها الصغيرة بخطواتي طلباً لرعاية لا يمكنني تحمل عبئ الإلتزام بتوفيرها لها في الوقت الحالي يختلف عن ذلك الذي أحمل منه لك، و إن راق لك أن تتوهم بأن حبي لك قد يكون من نوع غير الذي أقدمه لنملة المطبخ التي استمالت تواطئي معها بصورة مماطلة في كنس أي فتات متخلف عن تحضير وجباتي لفترة كافية تتيح لها فرصة التسلل على عدة جولات لحمل حصتها منه، فلست الشخص الذي يمكنه التواجد في عالمي الحالي. ثمة حيز لك فقط إذا كنت قادماً لتحب معي ذلك القط و لتشارك تلك النملة محبتي.

كما دائماً، ما زلت أحب الجميع بهذا النوع من التجرد، بلا شعور بالإرتباط بأي أحد، بلا شيء. حين اعتقدت خلال مراحلي عمري الأولى بأنني عاجزة عن أن أحب (ذلك ما كان يخبرني به البعض لأنني لا أرتبط و لا أتعلق و لا أرغب و لا أتمسك و لا أشتاق و لا أفتقد) تركت العالم جانباً و انطلقت أنقب في أعماقي عن سبب ذلك، و لكني وجدت أني في الحقيقة “أحب” أكثر مما يمكن لأي إنسان أن يحب. كل الأمر كان أنني كنت أشعر بالغضب دون أن أكون غاضبة! اشتريت بضعة كتب تحمل في عناوينها عبارة anger management و لم أُتم مرة قراءة أي منها؛ رأيت فيها شيئاً خاطئاً؛ أنا لا أريد “السيطرة” على غضبي، بل ألا أغضب. هل ذلك ممكن؟! نعم ممكن، و قد حصل.. كيف؟ سيأتي ذلك في سياقه و لكن الأهم هو أني عرفت أن الغضب هو حب غير مُعبر عنه، و الحُب الغير مُعبر عنه هو حب مُساء فهمه، و الحب المُساء فهمه مُشَوش عليه بسبب شيوع أنواع من الأفكار/ المشاعر/ الأفعال/ التجارب/ العلاقات/ القيود/ التجاوزات/ التعاسات… المتسمية باسم الحب زيفاً و هي ليست منه في شيء.
 
أن أكتب، كانت هذه هي طريقتي المُثلى بالتعبير عن الغضب، و من أجل الفهم توجب علي أن أُخرج كل ما بداخلي حتى أراه بعين المراقب فيّ، لم أكتب ليقرأني أحد بل لكي أقرأ نفسي، و رغم هذا لم أجعل منها عملية سرية، انكشافك دون انغلاق على التعبير عن نفسك هو جزء مهم من استعدادك لإحداث فارق؛ ألّا تخجل و لا تخاف و لا تُكابر، تخلع عنك قشورك علناً بلا خزي و لا قهر و لا أسى بينما تشاهدك عيون كأنك لا تراها. “بالكلمة تداوي و تُحفز، تُعلِّم و تجلب متعة، تستحث الصبر و تُظهر أجمل ما في الناس، و هي الكلمة تُرجمان الروح حين تٌحوِّل الاستياء إلى رضى و الإنزعاج إلى ارتياح و تُنير البصيرة على الزوايا التي يُعمي الغضب عن رؤيتها”. لو عرفت كم يمكنك بالكلمة و حسب أن تُمِدَّ أرواحاً بالشجاعة كي تستلهم من تجربتك في أن “تُنجز” شيئاً و “تُحقِق” و جودها و “تكون” لا أكثر؛ فقط  بتعبيرك الصادق عن ذاتك! و لكنك قبل أن تُؤَثِر تريد أن تتحرر، أليس كذلك؟ تحرر من أناك قبل كل شيء؛ جرب أن تنظر إلى نفسك و “كأنك” لست “أنت” ثم كن أنت و أعد النظر فيك.
 
في الصفحة رقم 73 من كتاب “العوالم المتوازية للذات” ضمن تمارين الإنتقال إلى “الواقع الموازي”، في تجربة “تبَنِي المنظور” الغرض من التماهي مع الأشياء هو رفع مستوى الإدراك، مستوى الطاقة و الذكاء مثلما يقول “داودسن”.  أن لا تنظر إلى الغرض، تنظر إليه كما هو أولاً، ثم “تتماهى” معه، أي “تكونه و تشعر بشعور جسدي حقيقي لكونك أياه و ترى المحيط من منظوره.” ثم التدرج بتماهيك مع الأشياء، بأن تكون أنت الغرض و هو ينظر إلى غرض ثاني ثم يتماهى معه مثلما فعلت أنت معه (و هو الآن أنت)، و يقول استمر هكذا بالتنقل ما بين الأشياء إلى أن تشعر بتغير في طاقتك و مشاعرك و وعيك. تدربك على “النظر كأنك” بدلاً من مجرد “النظر إلى” سيجعل من السهل عليك تبني أي هوية، و هذا سيساعدك على تجسيد أي واقع موازي لواقعك الحالي و تود الإنتقال إليه. بالنسبة لأحد “جامعي القصص” (هذه هي ترجمتي الخاصة لمصطلح storyteller)، فهو صاحب خيال يجعله ذو مهارة تلقائية بالتماهي مع أي شئ، حتى أن في الأدب تقنيات مثل (Personalization) و (Customization) يتم توظيف نزعة التماهي من خلالهما.

احتفل بالحياة طالما أنك تمشي على قدمين

قلتها منذ عام و ما زلت أكررها، لأنه لا يبدو أن ثمة من يود قبول فعلٍ بسيط كالمشي كَمُسَوِغٍ للإحتفاء بالحياة!

لا يشعر الإنسان بالقيمة الحقيقية لحياته، و لا يعي واقع أنه يرفل في دنيا من الخيرات، إلا (على الأغلب) في حالتين: أن يكون قد لامس الموت في وقت ما من حياته، و كانت مغادرته وشيكة، إلا أنه عاد قبل ذهابه بمعجزة. أو أن يكون قد قُدِرَ له أن يعيش ناقصاً، إن اعتراه عجزٌ من أي نوع، و لو بسيط، فيستبدل النقص فيه بأن يعيش بكثافة بما هو متاح لديه، مثل الذي يغرق فينازع الهواء بشهقاته ليلتقط أكبر قدر منه.

______________________________________________

“لماذا يخلق الإنسان لنفسه حاجات لا يمكنه تلبيتها؟ أو أنه ليلبيها يقايض مقابلها من عمره؟ و هي غير ضرورية و ليست جزءاً من جوهر الحياة، و لكنه فقط يريدها! و على الرغم من أن الناس يحبون الوفرة من حولهم في كل شئ، إلا أن تلك الوفرة قد تقود إلى حالة من الارتباك بدلاً من الشعور بالرضا.”

و إذا كانت بعض الظروف تجعل المرء ينجح بتغيير أولوياته، فإن ذلك يعني أن القدرة موجودة لديه من الأساس.

______________________________________________

في وسط كل تلك المتغيرات التي يمر بها العالم، أراقب كيف ضاقت نفوس الناس من حولي عن الحياة، ما عاد أحد يشعر بالرضا، و أراهم يتدافعون في نوبة استهلاكية يبدو الجميع فيها مخدراً و يطلب المزيد، و كلما جاء المزيد تضاعف معه القلق من فقدانه.

و أنا ما زلت أعيش على أطراف أصابعي، أفترش الزوايا المظلمة، أحبس أنفاسي و أمنع شهقات الدهشة من أن تنفلت مني فتلفت انتباه البشر لوجودي على هامشهم. فقط أفكر و أحادث نفسي و لا أكلمهم، لأنهم لا يصدقونني عندما أخبرهم بأنهم يبحثون في الاتجاه الخاطئ عن سعادتهم، و لا يقتنعون أني أعرف شيئاً لا يعرفونه، و يستهجنون سعادتي مثل مرض ينبغي لي طلب العلاج منه.

______________________________________________

أنا سعيدة، ليس لأني خالية من الأحزان، بل لأني أتجاهل وجودها. عمري طوى صفحة العشرين و قد رأيت و سمعت و عرفت ما جعل وجداني يعيش الستين، بينما روحي انتكست لتعلق عند فرح العاشرة، أما جسدي فمعطوب قفزاً للتسعين، و عقلي أظنه الناجي الوحيد، لا بأس به! أنا أعشق الحياة، أستطعم تفاصيل الدنيا و تبهجني أمورها البسيطة، أيامي تأملٌ لم يفقد دهشة الطفل بعد و لا شغفه باللعب، و تفلسف يشبه حكمة العجائز و كثافة تجاربهم. قفزت مراحلي الأولى ثم حين صرت امرأة أخذت في الارتداد نحو مراحل الطفولة و الصبيانية التي فأتتني، أو حُرمت بالأحرى منها، إلا أن ما تبقى من حيوية جسمي قَيَّدَ انطلاقتي، و خيراً فعل، و إلا ما كان هناك ما يوقفني عندما أستلم الأرجوحة لو لم تفعل أوجاع حوضي، و لا ما يمنعني من ركل الكرة و الجري وراءها لولا جهل أطرافي بالركض و القفز، و لا ما يردني عن التنافس مع الصغار في لعبة الهرب و الاصطياد لولا أقدامي التي ترفض التعجل بالإرتفاع إلا لتوقع هيكلي بأكمله ليرتطم بقسوة الأرض، و قسوة إشفاق الناس.

أنا سعيدة، لأني اختلست من حيوات الناس الذين قابلتهم في الكتب و كونت لنفسي حياة، و أنقذتني أحلامي عندما صودر مني عمري و كمنت في قبري أنتظر البعث، ثم انتفضت فجأة على الموت و خرجت من مقبرتي القديمة و ما عدت أنظر للخلف. عندما اكتشفت بأني المجدف الوحيد في مركب ممتلئ عن آخره بالخاملين المتقاعسين الكسالى، قفزت إلى الماء و اخترت أن أواصل دربي سباحة، لوحدي. و تركت المركب بمن فيه لضياعه أو غرقه.

أنا سعيدة، ملأت كل مكان فرغ من إنسانه عندي بعمل نبيل أقدمه لغريب بينما القريب لا يدريه.
بأقصى جهدي إلا قليلاً، أعمل و أتعلم، أقرأ و أكتب، لأني بلا أحد، و ليس لأحد منا سوى نفسه، و لولا ملأت ذاتي و أوقاتي بكل ما فيها، لقتلتني الغربة و لتحولت إلى واحد من القطيع، لكني اخترت أن أعيش بعمق.

______________________________________________

الحياة لم تكن تمازحني عندما غمرتني بالوفرة من كل شئ، و أنا بقيت أتجاهلها و أكمن في زاوية مظلمة أفتش عن المخرج من هذه الدنيا، ثم عندما قررت النهوض لاستئناف حياتي المؤجلة سلبتني كل شئ و كأنها تقول لي “هذه بتلك”.

الآن لا يمكنني الركض و لا التسلق، و لا الركض و لا الرقص، كل ما بقي لدي قدرة على المشي بسرعة الزحف، مع حذر من السقوط دون مقدمات، أو الانزلاق هكذا دون أسباب، رعب من الارتطام يحطم هيكلي المعطوب و خوف حتى من الهواء يفقدني التوازن، و عادت الوفرة من حولي في كل شئ، إلا في نفسي، و كأن الحياة تعيد قولها لي “هذه بتلك”!

______________________________________________

تعلمت ألا أجعل نفسي أعاني بالمجان، أستخرج أي نتيجة إيجابية من أي مأساة أتعرض لها، و لا أتركها تنتهي و حسب مثل أية مسرحية تُختتم بإسدال الستار. أعرف جيداً كيف أرى الجمال بين أكوام من البشاعة.
غير الدروس التي نتعلمها من أخطائنا، نكتشف كيف أننا فيما مضى بالغنا بتقدير أشياء زائفة على حساب الأشياء الحقيقية، و نحن من شوهنا بساطة الأشياء ثم قلنا لا نفهمها!

و أنا سألت الله دوماً أن يجعل حياتي تسير بما يتجاوز التوقعات، ليس مهماً أن تكون أسهل، بل تمنيتها تكون أصعب، لكي تقدم لي الأسباب لمواصلة النضال حتى لا تموت روحي و لو ضمرت كل خلايا جسدي.

السلحفاة سَبَقَتْ الأرنب، و ما زال الأرنب مغروراً!

ليس هذا فقط، في المرة التالية التي عاد فيها للتباهي بسرعته، كان الأرنب متعلقاً على ظهر السلحفاة، لم يكلف نفسه حتى عناء المناوبة بين الجري و الاستلقاء، بل اختار ببساطة أن يصبح “متسلقاً” يصل معها حين تصل بعد عناءٍ تَضَاعَفَ بثقله!

هذه قصة “الأرنب و السلحفاة” الجزء الثاني، التتمة التي تخيلتها في رأسي. فالأرانب فصيلة وقحة بين الكائنات، ما زالت تحب التفاخر بسرعتها التي لا تعرف لضآلة حجمها و محدودية تنقلها، أن هناك من يفوقها بها بفارقٍ هي أعجز من أن تؤمن حتى بوجوده. فالأرانب ليست ذكية كذلك، و إن كانت على قناعةٍ أشبه باليقين من أنه في الفهم أيضاً لا يسبقها أحد.

يُثبت ذلك قصة حصلت مؤخراً، ليس مع السلحفاة، بل مع ابن عمها، الضفدع 🙂 حيث أن الأرنب لا يَنِي يتحدى العالم بسرعته، إذ في إفلاسه من كل شئ، يحسب أن لِميزته هذه قيمة لا تضاهيها قيمة أي ميزة عند أي كائن آخر، و بطبيعته، و مثل كل مرة، أخذ بالتبجح بسرعته و سرعته و سرعته… حتى شعر الضفدع بالقرف (هذا و هو النَقَّاق الذي يكاد يقود كل الأشياء إلى الجنون بنقيقه المتواصل “من صباح الله خير” دون توقف حتى لابتلاع ريقه، و هذا ما جعل الجميع يتأهبون لاستقبال شئ من رذاذه في وجوههم كلما أتى دور أحدهم بمواجهة نقة من نقاته التي لا تنتهي). قال: “أتحداك في سباق أخير”! وافق الأرنب و قال: “هيا بنا الآن”، و لكن الضفدع طلب تأجيل الأمر للغد.

مع جهورية نقيقه تلك، تمكن من استدعاء كل جماعته للالتقاء معاً بعد الغروب. قبل الغروب بساعة تنطط الأرنب لجحره متمهلاً فيما بين قفزة و أخرى للتبجح بثقته بالفوز في منافسة الغد. كم هو عاشقٌ ذلك الأرنب لأي استعراض ينطوي على المنافسة! بل إنه بارعٌ بتحويل أبسط الأفعال لقضية تنافسية مع هوسه بمراقبة كل ما قد ينجزه سواه ليظهر بالأخير و يستحوذ على شئ من المجد أو ينسب تفصيل ما من هنا أو هناك لنفسه، و هوايته بالتلصص على الأبواب المواربة لسماع ما يقوله الآخرون ثم يجتهد بتحضير رواياته الملفقة التي ينبغي أن تكون حتماً مثل التي تناهت لسمعه في جولته (التجسسية) “و لكن” أعجب أو أفضل أو أقوى منها بزيادة “نهاية” درامية تجعلها “لا” تشبهها!

خطة الضفدع كانت ذكية بتوظيفها لغباء الأرنب، الذي حين يكون منغمساً بفعل ٍ استعراضي، لا يعود ينتبه إلا لنفسه و ينصرف كل تركيزه على كل ما قد يغذي نزعته إلى الظهور حتى لو تطلب الأمر دفع هذا و مزاحمة أولئك و تسلق تلك. و لأن الضفدع علم جيداً أن أرنبنا المزعوم سيكون مَعْمِي البصيرة على عادته، توصل للفوز بالطريقة التي لن يتمكن ذلك الأرنب المغفل أبداً من إدراكها. كل ما سيتذكره أنه كان كلما تقدم ظناً منه أنه قد ترك الضفدع خلفه، و بعد كل التفاتة يحاول فيها رؤيته ليتلذذ بلحظة التشفي، يُبهت برؤيته أمامه! كيف؟ لن يعرف أبداً، لأنه لن يصدق أن ثمة من يمكنهم العمل جماعة ًمن أجل واحد، لن يفهم كيف يقبل البعض تأدية واجباتهم بلا تفاخر. كلا، لن يستوعب كيف يتعاون الناس دون إشهار الفضل فيما قدموه من جميل القول أو الفعل!

في الواقع، ما زال الأرنب حتى اليوم يثرثر حول قدرته العظيمة على الجري، لا يتعب، و لكن توقف الجميع عن الاستماع إليه منذ زمن، و أُغلقت الأبواب جيداً بوجهه. و لكن، كم سيصمد في منطقة التجاهل؟ و كيف يتحمل قضاء أيامه دون تنافس في أي شئ؟ هل يغادر قريباً ليعيد أداء الدور الذي لا يتقن سواه في مكان آخر لا يعرفه فيه أحد؟ هل يبقى و يقرر التغير ليغدو كائناً أفضل؟ كل شئ ممكن، إلا أنه لم يُثْبِت حتى الآن غير أنه رقعةً دبقة تلتصق برداء ناصع فتفسد صفائه، ربما لا تزول بمجرد إعطائها الوقت، ربما ينبغي إزالتها بالقوة، ذلك قد يفسد الرداء، و مع هذا سيكون ترميمه ممكناً. لا شئ مستحيل 🙂

قوة التخلي عن الأشياء،

الناس، و الأماكن…

يعرف الذين يعرفونني كيف أبرع بالتخلي عن أي شئ، لا أتشبث بالناس و لا بالأماكن، ليس فقط بأن أدع الأمر من يدي بسهولة، و لكنني أيضاً لا أشعر بالحاجة و لا أرغب و لا أطلب، ليس أنني أحيا حالة زهد متواصلة و لكنني انتقائية فيما يتعلق بتفاصيل أيامي، ثمة ما هو “ضروري” و كذلك ما هو “ممتع” و الشرط أن يكون كلاهما بالمتناول. و ربما هذا هو السبب في حصولي على الكثير من (جوهر) الحياة لا من سقط متاعها. ربما اكتسبته كسلوك حين انتبهت منذ طفولتي المبكرة لألم الفقد، حين تكونين الصغرى بين عدة كبار تعتادين أن يتم اغتصاب ألعابك منك بالقوة ليس بشكل مؤقت بل من نوع التملك بوضع اليد، و حين يمتنع من كان لك عليهم حق الاحتواء عن حمايتك و فوقها يتحولون لمصدر التهديد الأساسي بحياتك، و حين دون اكتراث تتعرضين للتمييز دون سبب يتمكن عقلك الصغير من استيعابه مبرراً لجعلك الأدنى في كل شئ، و لإبعادك عن المركز و تدريبك على البقاء في الزوايا المظلمة، و يغدو كونك غير مرئية هو الطريقة الوحيدة للأمن من العقوبات المتتالية دون ذنب منك شخصياً و لكن لأنك لا تعرفين بعد كيف تدافعين عن نفسك و هذا ما يجعلك مثالية جداً كموضوع تنفيس عن غضبات متراكمة من أمور لا صلة لك بها! كل ذلك يدفعك لتطوير الأساليب التي تساعدك على التخلص مما يتخلف عن الفقدان من آلام، و هكذا تكبر فيك نزعة “Just Let it Go” كحيلة للبقاء و تجنب أن تصرعك أوجاع لم يعلمك أحد كيف ينبغي معالجتها.

هذا هو الشئ الذي ربما يعتبره أغلب الناس اختلالاً في الطبيعة البشرية، و لكنني لا أهتم أبداً لطلب الأشياء و لا الحصول عليها و لا حتى التمسك بها، ليس فقط الأشياء مادية كانت أم معنوية، بل الأشخاص كذلك. بشئ من التعمق، حتى أنا أجده نوعاً من الاختلال لأنه كثيراً ما يعاكس ما أشعر به، فلا تأتي تصرفاتي ملبية لِوَحِي عواطفي، و غالباً ما يبدو و كأن روحي لا تكترث لعذاب مشاعري و لا لفورة أهوائي و تواصل دورانها في أفلاك أبعد. هكذا جاء اعتيادي، الخوف و الفرح و الحزن و الحب، كلها أحاسيس أوقفها كلما اقبلت علي لأتأملها، تتحول المشاعر لدي إلى أفكار، و الأفكار لها نفع أكبر من المشاعر، و أفكاري لا أحتكرها لنفسي، أفكاري أوزع منها على الجميع و لا تنتهي و لا ينقص منها شي، بل تبدو و كأنها تزيد كلما قدمت منها للغير. كل إحساس يوشك أن يعتريني أتملص منه فلا أسمح له بأن يغمر روحي، ثم لا أشعر به كما ينبغي، إلا الغضب، ربما، هو الغضب فقط من يغلبني، يسلبني كل قدرة على المقاومة، باندفاعه يكتسحني، يشل وعيي دون مقدمات أدركها لأتحرز من هجومه. هو الغضب إذن المدخل لقلبي، و لتجعلني أراك، عليك أن تنجح بإغضابي، ثم أغضبني مرة لأسمعك، و توقف بعدها عن إثارة غضبي لأن الثالثة تعيد إخراجك من عالمي! و هذا موضوع آخر، و لكنني أفكر كيف تحترق الصديقات معي منذ الإساءة الأولى؟ حتى أنا لا أفهم لماذا لا أقدم فرصة ثانية! يُتعبني ذلك. الناس الذين لا أحبهم من أعماقي يعمرون بقلبي أطول من الذين أعطيهم من روحي. كلما جعلتهم أقرب، تخلصت منهم بشكل أسرع! أبقى أحبهم و لكنهم يغدون بحكم الأموات بالنسبة لي، أعجز حتى عن نطق أسماءهم، يصبح مجرد تذكرهم جارحاً أكثر من جرح إيذائهم لي نفسه. لا أعرف شيئاً عن “الفرصة الثانية”، معنى “الفرصة” في قاموسي هو ما يتوفر لمرة واحدة إما نتمكن من اقتناصه فور مروره بنا في ذلك الزمان و المكان و إلا… انتهى!

و الحقيقة أن علي أن ابالغ أحياناً و أُزَيِف كثيراً و أقول أشياء لا أعنيها، عوضاً عن إعلان الحقيقة التي تحزنهم و لا أفهم لماذا! كلهم يعتبرون عجزي عن التعلق بالأماكن و الأشياء و الناس، و عدم قدرتي على طلب امور أسعى للحصول عليها ثم أكافح للتمسك بها، أمر غير “طبيعي” و مثير للريبة و يجعلني عصية على الإلتزام، و لكنني لا ارى ذلك صحيحاً، و لا أرى ما أنا عليه إلا “نعمة” و هبة و رحمة لمن يُحسن تقديرها. بإمكاني أن أستيقظ كل يوم في مكان مختلف، و لا أشعر بالغرابة و لابجدة الأماكن. كل شئ في أي وقت يبدو مألوفاً لدي و لا أتذكر ما قبله إلا بشكلٍ منفصل، و كأنني أستعيد ذكريات أحد غيري. و لا أعرف الشوق و لا أظنني اشعر بالحنين لأي شئ مضى و انتهى، لا أعرف حتى كيف يكون التحسر على الماضي، ربما لا أنسى بمعنى الكلمة، و لكن كل شئ يصبح بعيداً عني و كأنه لم يحصل لي، كأنني كنت أراقب فقط! و هذا لا يعجب أحد بي، عندما لا أفكر بالغائبين و لا أعبر عن اشتياقي للعائدين، و عندما يخبروني بأنهم يفتقدوني، و عندما يسألوني ما إذا كنت أفكر بهم (و كيف)… علي أن أجيد التمثيل و أدعي الإحساس بأي شئ يجعلهم يبتهجون! و هذا غريب، لأن عدم معاناتي لا تسعدهم، و لكنهم يفرحون لو قلت بأنني عانيت مشاعراً سيئة بسبب حدث ما!

قبل ثمان ساعات من الآن، فعلتها لأُثبت وجهة نظري أمام نفسي، أن أختبرني قبل أن آتي و أُخرِف عليكم بكل ذلك الكلام عن قدرتي على ترك الأشياء تذهب بسهولة أو بصعوبة، لا فرق، فأنا لا أسمح لصعوبة الأشياء أن توقفني عن الإقدام على فعلها، و الآن أنا أشعر بأنني أقوى و بلغت المستوى الذي لم أتصور وجوده من الخفة، و اكتشفت بأن فروة الرأس ناعمة جداً مثل بشرة الأطفال، و مع الشعور بالماء الدافئ و هو ينسكب فوق رأسي مباشرة، أحسست بأنني أريد أن أطير، و تمرير اليد بالإتجاه المُعاكس مثل تمريرها فوق قطعة مخمل، الصورة من الخلف تظهره بشعاً جداً و لكن المهم هو ما يفعله بالوجه، و أرى أخيراً بأنني صرت أشبهني. و أدري بأني سأسمع عند ظهوري الأول أمام الجميع عدة صرخات تقول لي أو تسألني باستنكار: “مجنونة؟!” و سيتبرعون كلهم بمحاولة إقناعي بأن أندم و بأني تجرأت على اقتراف تشويه فظيع لشكلي، و هذا ما يحدث دائماً، تتخلين عن الشئ فيحشد الجميع قواهم لجعلك تصدقين بأنك تخسرين باختيارك و عليك ألا تفرطي بسهولة بهذا الشئ أو ذاك، و تتأملين وجوههم قليلاً فتتذكرين بأن الكلام موجه لك من أشخاص لم يعرفوا أنفسهم يوماً ماذا يريدون تحديداً، و لو عرفوا و مهما أظهروا تمسكاً فإنه لا يتعدى مرحلة التحسر على ما ليس لديهم دون حتى الإنتقال لمرحلة العمل بجهد في سبيل الحصول عليه! حسنا أنا مجتهدة جداً و لذة الأمر أنني أتخلى مهما كان في الأمر صعوبة و أنتم في طلبكم لا تتحركون حتى لالتقاط ما في المتناول.