كن أنت التغيير.. و الابتذال المعرفي

ADHD-brain-ideas

لو يوجد منك عشرة في العالم! فكِّر فيها، هل ستحب لو أنه يوجد منك عشرة في العالم؟ حسناً؛ لو يوجد عشرة منك في البيت؟ تصوَر؛ أنت و تسعة مثلك تماماً في مكان واحد طوال الوقت و لكل العمر! هل ستتحمل البقاء معهم.. مع نفسك؟ ثم تخيل الآن لو أن كل العالم هو أنت مكرر ملايين.. مليارات.. كلهم “أنت”؛ فهل هو نوع العالم الذي سيسعدك العيش فيه؟!

مهما كان جوابك و مهما كان رد فعلك الداخلي الذي استشعرت، ارجع و صغره على حجمك، و جرب من اليوم تتعامل مع ذاتك و كأنك العالم و كن على ما تتمنى لو يكون جميع الناس في “عالمك” عليه. أن تبدأ بنفسك من نفسك و لنفسك.. أو كما يُقال: كن أنت التغيير…انتهى.

 

إذا كان هناك من يخبرك كلما ذكرت موقفاً حصل معك أو حدثاً ظهر في حياتك أو شخصاً تواجه تعقيدات بالتعامل معه بأن ذلك ليس إلا “انعكاسك” ثم يحاول إقناعك بأن هذا الخارج هو الصورة المطابقة تماماً لما يجري بداخلك، فتعلَّم أنت معنى “الانعكاس” و طبقاته لأنه في الوقت الحالي ستجد الكثير من الذين عرفوا هذه المعلومة الواحدة بشكل ناقص و اعتقدوا بأنهم قد اكتشفوا كل أسرار الكون و سيكون ردهم على كل شيء تقوله بكلمة واحدة: “انعكاسك”! قد تتشكك كذلك بنفسك و أنت ترى أحدهم يشخص حالك بتلك الثقة و تظن حقاً بأنك لا تعرف نفسك جيداً و تصدق الصورة التي يتم تقديمها لك عن نفسك!

ليس كل ما سيجري معك هو انعكاس لك، و لكنه حتماً انعكاس، انعكاس قد يكون لأي مُكوِّن موجود في عالمك و ليس بالضرورة أنه “أنت”، هذا نوع واحد من الانعكاسات؛ أن تلاحظ في غيرك ما أنت عليه و تجذب إلى عالمك ما يشبهك، و لكنه ليس كل شيء. أحياناً ترى من الآخرين ما تظنه فيهم، يظهر لك ما قمت بالحكم عليهم به حتى لو لم يلمسه فيهم أحد سواك.

هناك أيضاً حين تشعر بالحرمان من أمر معين أو في حال احتياج لشيء يتعلق بأي جانب من جوانب حياتك، ربما جهة معينة افترضت أن تتلقى منها حباً لم تحصل عليه بما يوافق توقعاتك فتراه عند كل أحد إلا عندك. كذلك سيبقى ظل علاقات الوالدين و قناعاتهم يؤثر عليك إلى أن تتحرر من كل برمجياتك الموروثة منهم.

عندك نزعات تم تهذيبها بالتربية أو بالعرف و القانون، أفكار و مشاعر تمتنع عن الاسترسال بها بمجاهدة النفس، سلوكيات أقلعت عنها و تحس بالندم و العار حيالها، ربما لديك مخلفات في اللاشعور لا تنتبه لها أو لم تعد تتذكرها، هذا كله يُحتسب.

فكر كذلك في الصورة التي ترى نفسك عليها، شعورك بالنقص في جانب قد يجعلك تراقب كل من يمتلكه، خصلة معينة تنكرها على كل أحد و هي فيك و لكنك تخفيها أو تنفيها أو تظن انها ليست فيك، أو تبذل جهداً حتى لا تكون فيك…

النقطة هنا هي ألا تكون بحاجة لمن يخبرك عن نفسك و كأنه أدرى منك بها و تحديداً من ذلك الصنف الذي عرف معلومتين و من شدة زهوه بها يخرجها ليستخدمها في كل مناسبة حتى لو كانت في غير سياقها.

 

Dear Mr. I Know Everything

شريحة1

هل تعرف أحداً منهم؟ ذلك الشخص الذي عرف عن شيء و ظن بأنه يعرف عن كل شيء؟ أو الذي عرف القليل من كل شيء و اعتقد بأنه يعرف الكثير عن جميع الأشياء؟ أو الذي عرف الكثير في شيء واحد و اعتبر كل شيء آخر جزء من معرفته بذلك الشيء الوحيد؟

حين تراه ستميزه بسهولة و لا تحتاج علامات إرشادية لتتعرف على الشخص من هذا النوع. و لو لديك طريقة للتعامل معه فلا تحتكرها لنفسك لأنني ما زلت لا أعرف كيفية التعامل مع هذه الفئة من الناس إلا بعدم التعامل على الإطلاق؛ ألا تقول و لا تفعل (و لا تكون) شيئاً طالما أنت معهم؛ لأنه سيبقى يلاحق كل ما تقول أو تفعل (أو حتى تكون) بقلم التصحيح الأحمر الذي يعطيه سلطة الأستاذ عليك. تحصن معه بالصمت و الكتمان على أن تكون منفتحاً بالتعبير عن نفسك و إلا سيبقى كل ما يمكن أن يعرفه عنك مشروعاً يعمل هو على التعديل عليه.

 

  • أنت تعبر عن “ذاتك” و هو يقيسك على مسطرة “ذاته”.
  • له “تجربة” في الحياة و هي المعيار لكل ما يمكن للآخرين معرفته.
  • تتكلم ليقاطعك بنبرة “العارف”، هو يعرف ما تتحدث عنه، ألا ترى انفعاله؟!
  • لا خطب به بالتأكيد، فهو لم يخطئ مرة ليتعلم، فقط كان لا يعرف ثم الآن عرف.
  • أنت لم تتخصص أو تقم بدارسة ما قام بتعلمه و ما يقوم الآن بتعليمه لك، و لا تريد.
  • على الأغلب لن تستعرض معارفك عليه؛ و لهذا سيبقى ليس ثمة ما يجعلك جديراً بالتقدير عنده.
  • سيقوم بتقليص حجم كل معلومة ترد من خارج إطار معرفته حتى يجعلها تتناسب مع مقاس ما يعلم.
  • ليس لديك ما يتعلمه لأن ما يعلمه أكثر بكثير مما عندك، حتى حين تقول ما يؤيد كلامه؛ سيعارضك فيه!
  • معتاد على ممارسة دور “الأستاذية” إلى درجة أنه لن يلاحظ تقدمك عليه ببعض المجالات، أو حتى بمجاله نفسه.
  • قل الشيء أو عكسه، في كل الأحوال سيعثر على ما يناقضه أو ينتقده أو يتبرع بتقديم نصيحة لم تطلبها منه حوله.
  • أنت تكتب و هو يعلق، أنت تتحدث و هو يتدخل، أنت تفعل و هو يحلل؛ و لكنه لا يكتب و لا يتحدث و لا يبادر بالفعل من تلقاء ذاته.
  • نظرة التركيز المرتسمة على وجهه بينما تكلمه لا تعني بأنه يصغي إليك؛ إنه يجهز الرد و ينتظر النقطة التي سيختطف بها الحديث منك.
  • لديك فرصاً تبدو واعدة للنمو، احذر إخباره عنها؛ ستكون فرصاً لن يمكنه التفريط بها لاستعراض معرفته الواسعة بكل ما يمكن أن يتعلق بها.
  • سيتسلل إلى الحديث الدائر بين اثنين ليرد على سؤال لم يُطرح عليه و ليس ثمة ضرورة حتى للإجابة عليه.
  • إنه فقط يعلمكم ما سبقكم إلى معرفته: لسنا “نحن” بل أنتم، لا يجب علينا بل يجب عليكم، أنا في موقع و أنتم بموقع بعيد عني و منه أخاطبكم، هل تسمعوني؟!
  • مهما وجهت له من أسئلة، لا تتوقع أن تسمع منه عبارة “لا أعرف”؛ سيرد دائماً حتى لو كان مجرد “رد”، غالباً سيطيل في الإسهاب هنا (بالرد الذي لا يجيب على سؤالك) و سيُغرِقك بكمية معلومات الهدف منها تشتيت تركيزك عن موضوع سؤالك الأول.

 

عزيزي السيد الذي يعرف كل شيء..

“النصائح وسيلة عدمية تدميرية” *الدكتور نايف الجهني

أدري بأن لديك رأي في كل شيء، و بأنك تفترض بأنه يجب أن يكون لدي رأي كذلك، و لا يمكن ألا يكون لدي رأي لأنك ترى بأنه من المستحيل أن تكون إنساناً و لا تمتلك رأياً في كل شيء إلا أنك ترفض الإفصاح عن رأيك ربما. هذا ما تراه أنت! و أدري بأنك تريد أن يرى الجميع رأيك، و تريد كل الآراء أن تكون على مقاس رأيك، لا يمكن أن يكون أحدنا قد بلغ مرحلة لم تبلغها بعد، كما يجب أن تتقلص كل الأشياء لكي يمكن قياسها في حدود ما تعرف، لأنك أنت الذي تعرف. و لكن الذي لا تعرفه، بأنك لست أنا، و تجربتك ليست تجربتي، و حياتك بالكاد تعيشها لتحاول إقحام نفسك في كل ما لا يعنيك في حياة كل شخص يتورط بمعرفتك أو بإنشاء علاقة معك.

 

أن تعرف؛ يعني أن تعرف بشكل كلي.

أن لا تعرف بشكل كلي؛ يعني أنك لا تعرف.

لكي تعرف بشكل كلي؛ من الضروري أن تعرف القليل جداً،

و لكن لتعرف ذلك القليل جداً؛ عليك أن تعرف الكثير جداً.

Gurdjieff*

هذا الشيء !_!

طوال سنواتي المدرسية، كنت مرغمة على ارتداء الأحذية الضيقة على قدمي، إذ أن والدتي كانت و ما زالت متزمتة لمعلومة يعلم الله من أين حصلت عليها أو كيف استنتجتها ترتب جدولاً بقائمة الأعمار يقابلها المقاسات المناسبة لكل منها، لم يمكن أبداً إقناعها بإمكانية اختلاف مقاسات الأرجل لأشخاص بالسن نفسه! و هكذا كانت كل محاولات إخبارها بما يتسبب به لبسي لمقاس أصغر من آلام بلا نتيجة سوى توبيخي و إسكاتي بنظريتها القاطعة “أنتِ عمرك الآن كذا و مقاس هذا العمر هو كذا” ثم جعلي أقضي كل نهاراتي المدرسية و أصابع رجلي محشورة تتوجع، فحتى في المدرسة يمنع خلع الأحذية.

و الذي حصل بعد كل تلك السنوات، أن الإصبع الصغير في كل ساق انبعج بانحناءة تجعل من يراهما يظن بأنهما مكسوران، و السطح العلوي صار على الجانب الخارجي و السفلي ملتصق بالإصبع المجاور له، و انطمست الأظافر في كتلة صلبة غير متجانسة المعالم تشبه قطعة علك ممضوغة، و توقفت عن النمو. و الصراحة، حتى في مراحلي النهائية بعد أن صرت أذهب إلى السوق وحدي لشراء أحذيتي بقيت ملتزمة بأخذ المقاس الأصغر لأنني كنت ما زلت مصدقة بأنه لا يمكن أن يكون أكبر من ذلك وفقاً لمعادلة امي بحسب العمر (إلا إن كنت ولد). أما الآن فقد اكتشفت (بعد أن سمحت لنفسي بالتجربة) و عرفت ما هو مقاس قدمي، و مع هذا ما زلت أتساهل برقم واحد أحياناً حين تنفذ القطع المتوفرة بمقاسي من حذاء مناسبات خاصة يكون قد راق لي كثيراً، و أقول: إن كنت تحملت عمراً أفلا أتحمل بضعة ساعات إضافية حتى أنتهي من تلك الزيارة أو ذلك الاستقبال؟! 😬

المهم، تلك القطع من هذا الشئ الذي يؤكل تشبه أصابعي الصغيرة، و قد وضعت الكيس المطبوع بهذه الصورة تحديداً، لأنني كنت أخاف منها حد الرعب في صغري، ذلك الكائن بحركته هذه يبدو و كأنه يتجه نحوي، و مع هذا لم يسمح لي أشقائي بالحصول إلا عليه رغم توفر طبعات بصور أخرى، و زيادة على رعبي، انتقلت معي إشاعة كان يتم تداولها في الحضانة تحذرنا من شق الكيس بالمقلوب و إلا فالعقوبة بانتظارنا (في يوم القيامة!) و سيلاحقنا عندها للإنتقام منا (يا ساتر)! و ربما لم تتسنى الفرصة لأي من الكبار لتهدئة مخاوفنا، أو تعزيزها من يدري، لأن تلك المعلومة كانت تدور بمستوى الهمس المترافق مع النظرة الإرهابية “إذا فتحتيه مقلوب… الخ”

ماهذا يا قوم؟!! 😒

 

photo

ملحوظة: هذا تسخين سريع أختبر به رغبتي بالعودة للنشر هنا طالما اشتراكي مسدد و لا أنوي الانقطاع عن تسديده، و كل القضية أن طفيلياً غير مرغوب بتلصصه رخيص النوايا تسبب بصد إقبالي (بالعامية سد نفسي) عن قول ما أود قوله بحرية في مكاني الخاص الذي لا أرحب بتتبع كل كلمة أضعها فيه للتسرب نحو زوايا تخترق كل مفاهيم الحدود الشخصية و تتجاوز أقصى درجات الوقاحة الموثقة في التاريخ الإنساني الحديث (أي الثمانينات و ما تلاها) منذ آخر مشاهدة لتلك الحلقة من السلسلة الكرتونية القديمة “مغامرات سندباد” التي لا أدري كيف وجد نفسه فيها على جزيرة ما ثم صادف كائناً يتخذ هيئة رجل عجوز يعاني من علةٍ ما في رُكبتيه و يطلب منه حمله لمكان ما، فيسمح له “سندباد” بامتطاء كتفيه، و بتطورٍ لا أعلمه (لأنني لم أنل ثقافة جيدة بمتابعة المواد الكرتونية في طفولتي فقط كنت أَلمح أحياناً لقطاتٍ منها أثناء مشاهدة إخواني لها و تَعلق بذاكرتي) يرفض الرجل النزول، و يزيد من تشبثه برقبة “سندباد” حتى يكاد يخنقه، و بعد ذلك يبدأ بالتحول رجوعاً إلى صورته الحقيقية و على ما أذكر كان شيئاً يشبه شكل الشيطان مثلما يتم تقديمه بأغلب الحضارات، و بالطبع، لا فكرة لدي عما انتهت إليه تلك المُعضِلة، و لكن أمكنني مشاطرة “سندباد” شعوره خلال مكابدته ذلك النوع من الإلتصاق الكاتم للأنفاس، الإنعكاس لحقارة نفس من يبديه في سلوكياته، حين لا يردعه لا حسٌ بالكرامة و لا أثر لتربية جيدة و لا وازعٌ أخلاقي يكفي ليلجلم نزعة فضول تتجاوز حافة احترام الذات و الآخرين على حد سواء.

10305057_776346472376015_5836056652847190148_n
hqdefault

نفس عميق.. شهيق، زفير. و الآن بعد أن وصلت الرسالة بالتصريح بعد أن استنفذ التلميح كل وجوهه الممكنة، ربما أجرب التنحي لأدع مجالاً للكارما الكونية، العدالة الإلهية، أو عواقب الأعمال، أو مهما يكن المصطلح الذي يمكن للعالق بمساحة الوعي المتدني تلك فهمه، لتأخذ مجراها، و تدفع عني أي نوع من الأفعال التي تدخل (بالنوايا التي تنطوي عليها) تحت بند التعدي على مساحات وجودي كيفما و أينما كانت. نفس عميق.. شهيق، زفير…

يا صبر “سيزيف”‏

قِيل كثيراً حول كيف لا ينبغي علينا أن نخلط العملي بالإنساني و بأن إرثنا الشخصي هو رزمةٌ علينا أن نتركها خارج أبواب أماكن تواجدنا اليومي للعمل، و لكنني لا أعترف بكل تلك النظريات القديمة، فإذا كنا نقضي مع شركاء العمل الجزء الأكبر من يومنا، أكثر حتى من الوقت الذي نقضيه مع عائلاتنا، ألا تكون الروابط أقلها محكومة بالمودة و الشعور بالانتماء، و بأن كل منا مسؤول عن حماية أي منا. نستيقظ لنرى بعضنا قبل رؤية أفراد أسرنا الحقيقية، نتشارك الأكل و الشرب، و نوبات الضحك و انفجارات الغضب، نرعى بعضنا و نكترث لمتاعبنا، نخفف عن المُجهد و نغطي على المثقلة عليه همومه حتى لو لم يقم بإطلاعنا عليها. عني، لا أرى بأن العمل يتضرر بقدر ما يرتفع الأداء فيه، لأن اللمسة الإنسانية تزيد من قيمته و تُعلِي من معايير الأداء فيه.

و لكن، كن شديد الحذر بينما تختار شركاؤك في العمل، فبعضهم مثل الحجر يُربط في قدمك فيبطئ تحركك و يجعل من كل خطوة تخطوها مجرد عناء مُضاعف يُرهِقُك قبل أن تبلغ غايتك. و لو غرقت، فسيكون غرقك أسرع بوجوده، و لو وقعت فعليك أنت وحدك تَكَبُّد مشقة النهوض. مهما قلت لنفسك بأنه يستحيل أن يكون من بين البشر مَن هو خالٍ من أي قيمة يمكنه المساهمة فيها في أداء المجموع، صدقني، ثمة بعض الشخصيات، تُضعف أي فريق عمل بمجرد ضمها إليه، البعض لا يصلحون بالفعل إلا للعمل مع الآلات، حتى و هم ليسوا بآلات، إلا أنك لن تُكرس نفسك لمعالجة ذلك النوع من الإعاقات الوجدانية التي تعيقهم عن تطوير المهارات التفاعلية المطلوبة، كلا، ليس حين تَعثُرَ بمن يفتقر لأدنى حدٍ من قواعد السلوك العام و أساسيات التواصل الصحيح، ليس بذلك النوع من الاضطرابات التي يتم إرجاعها إلى اختلافٍ بتركيب الدماغ و الوصلات العصبية أو ما شابه، ليس أكثر من تنشئة خاطئة و انحراف سلوكي و ضعف في النضج!

و بعضهم، لن يمكنك تحريكهم إلا بعد أن تقوم بإنجاز 99.99% من المهمة، عندما تنتهي من التعرق و استنزاف ما يفوق طاقتك، و تلويث مظهرك بعدة خدوش، لأنهم يحبون الحضور بالأخير للمشاركة في تزيين الكعكة التي تم الانتهاء من مزجها و عجنها و خبزها، يأتون في الأخير من أجل اللمسة الأخيرة التي تكون عادة عملاً مسلياً لا يشبه صعوبة البدايات. ثم لتبقيهم على حماسهم، عليك أن تعيد الفضل إليهم و تستحسن عملهم و تمدح مساهمتهم، ليس فقط أمام المتفرجين، بل حتى بينك و بينهم، لأنهم يريدون تصديق ذلك و إلا سببت لهم الإحباط و لنفسك الانزعاج من وجود عناصر مستاءة تعمل على تشتيت تركيزك. و أنت تريد أن تُنهي الأعمال، فلا بأس من أن تقوم بكل المطلوب و أكثر، و عليه هو بعد ذلك حين يتلقى الشكر و الإعجاب أن يخبرهم بأنه لولاك لما تمكن من فعل شئ، حتى يبدو و كأنه يُرجع لك فضلاً هو استحقه. و تَظهر لهم و كأنها عملية تلميع للمُشارك الهامشي الذي كنته!

و هكذا يبدو سوء الاختيار الذي تعجلت به، بمثابة عقوبة لا تنتهي للزلة التي انْحَدَرَت بها ثقتك بتأثير الحماس الكاذب للذي بطبعه لا يبدأ شيئاً و يكمله أبداً، ذلك الصنف الذي حياته كلها عبارة عن مشاريع غير مكتملة، عليه فقط أن يُظهر الحماس للانطلاق فيها، ثم و بعد أن ينطلق الجميع، يقف (مُتَخَصِراً) يتأملهم بابتسامة النجاح بالتملص من تأدية أي دور (فعلي) في العملية، بل و حتى لو توجه له أحد بالإلحاح عليه بفعل أي شئ، فإنه يتعمد التحامق ليجعل غيره يصحح له من بعده على أمل أن يتم إعفائه لعدم إجادته، و هو يدري بأن التدخل بعد فساد الأمور مُرهِق أكثر من توليها أولاً، و يعلم بأن أكثر ما يزعج شركاؤه هو اضطرارهم للتنظيف من وراءه و مع هذا يصر على ادخار جهده لأجل غير مسمى و لا يكون أقصى أداءه إلا مثل الذي تكلفه بكنس الأرضية و إزالة الأوساخ منها فيكتفي بتجميعها و إخفاءها تحت طرف السجادة.

آخر الحلول الممكنة، و التي يتجنب أحدنا قدر ما أمكن اللجوء لها، هو خلق توترات في مكان العمل. مهما كان، و مهما استلزم من سياسات ومناورات و تنازلات، حتى لا نصل إلى النقطة التي نضطر للتواجد فيها بقرب أشخاص يكرهون وجودنا، إن كان بالحق أو بالباطل. فقط لا أفهم، فأنت إما شغوف بعملك أو انك تعطي بالحد الأدنى المطلوب منك، و في كل الحالات عليك أن تتعايش مع نتائج إحجامك أو اندفاعك. أما أن تكون كسولاً، و في الوقت نفسه تسعى لنشر انطباع معاكس عنك؟! فهذا ما لا أفهمه. أحترم أكثر الذي لا يميل للمساهمة بأكثر من مجهوده الحالي، إلا أنه لا يرضى الظهور على أكتاف المجتهدين. و المُحَير أكثر، أنك ترى كآبة حقيقية لدى هذا النوع عندما لا يتلقى تقديراً (على ما لم يفعل)، مع أن تحطم معنوياته لن يُغَيِر شيئاً على مسار المهمة إلا أنه سيكون من المؤلم خوض صراع على لا شئ. لا شئ بمعنى الكلمة!

أرفض تعليق النباتات المتسلقة على الجذوع القوية التي نموها طبيعي، لو كانت من باب التكامل باختلاف المهارات، لا بأس، و من هو داهية في التعامل مع الأرقام سيظهر عندما يتورط زميله صاحب الأفكار الخلاَّقة الذي يتوه بين الأعمدة و المنحنيات، هناك الذي هو مبدع عندما يعمل بيديه و هناك من يبدع بالتخطيط و توزيع المهام و التوجيه بتنفيذها. أما المستلقي على ظهر الآخر المتولي جميع الأعمال، مثل “الكماشة” القابضة بشدة على رقبته، فهذا أمر مقزز جداً، لا بد من أن يرفض كل شخص استغلاله من قبل المُتَنَفِعين (استغلالاً و انتهازية و وصولية) بكل طريقة، بدءاً بالتملص بلطف وصولاً إلى الانقلاب العنيف. بالنسبة لي، عندما ألاحظ وجود تنافسية عالية عند أحد، فإنني أقصيه بالتجاهل و التهميش و أتركه ليذبل و يموت لوحده، ليفهم بأنني لا أراه إلا من خلال موقعه في المجموعة، و لا أعطي أي اعتبار لأداءٍ متفوق يأتي دون نزاهة و ولاء لبقية الأعضاء. و مَن يُفشي أخطاء غيره، و يتسكع بالقيل و القال، تلصصاً على مساحات غيره، سارق الوقت مُستَنزِف الطاقة، يستحق الحذف النهائي من كل الخطط و الحسابات كأقصى ردٍ يصله كجواب على توجهه المُعوَج.

و شريك يُنزِلَ الغضب على نفسه صنيع يده، ذاك الذي يتولى جانباً ضئيلاً من العمل تكون ألححت عليه ليفعله و دفعته دفعاً بالقوة لتوليه، و مع هذا يواصل التحدث ب”أنا” أما عندما تُنجز كل ما يلقي به على كاهلك، يبدأ كل كلامه ب”أنا و فلان” قررنا… “أنا و فلان” خططنا… “أنا و فلان” فعلنا… حسناً، إما “أنا و أنت” أو “نحن” واحدة تسري على كل شئ! مُثيرٌ للغيظ هو حين يلتقط قراراتك و خططك فقط ليسبقك بالخروج لإعلانها للجميع بما يُرغمك أدبياً على الالتزام بها قبل حتى أن تكون اكْتَمَلَت في رأسك: “اتفقنا على أن يقوم فلان بـ…”. قلا يتبقى لك رداً غير أن “تتصرف” لوحدك بعد أن يكون قد تم ترويج كل ما قد “فكرتم” و “قررتم” و “خططتم” تنفيذه! أقول ثمة من يمكنهم اختلاس أفكارنا، و التحدث بلساننا، و تقمص آرائنا، و ادعاء دورٍ ليس لهم. و لكن من المستحيل أن يتمكنوا من التقاط ما لدينا من رؤية و التزام و حماس و ضمير.

ماذا سيحدث لك حين تكون “إنتاجياً” بطبعك عالقاً بغير اختيار منك في هذه الدائرة؟ فوق شدِّ أعصابك و انضغاطك تحت ثقل حجر رحى يدور بصخبٍ فارغٍ (جعجعة) فوق صدرك، فأنت مع الوقت ينالك التلف في تقديرك الذاتي و احترامك لمسؤوليتك، تاريخ عطاءك و طموحك بتقديم المزيد، و أنت ترى كيف أنك مهدور في غير موقعك، تصب كل تركيزك على اجتياز العقبة الأخطبوطية التي كَرَّسَت كل جهودها لعرقلتك كيفما اتجهت، و لا حل إلا أن تنأى بنفسك عن أن تكون جزءاً من بيئة تنحدر بمن يعمل فيها نحو أقل نسبة من الإنتاجية و أضعف دافعية للالتزام، و كل ما فيها تقاذف المسؤوليات و تمرير الفشل في تحقيق الأهداف و الاجتهاد في حياكة الدسائس و إشاعة الأكاذيب و ضرب الحواجز التنافسية بين أعضاء الفريق، ثم التظاهر بالضياع و الارتباك و التظلم من تخلي البقية الذين اعتزلوا طوعاً كل ذلك التخبط العشوائي إنقاذاً لما بقي لديهم من شرف الترفع عن الخوض في القَذَر.

“سيزيف” الأسطوري الذي عوقب بدحرجة صخرة لزمنٍ لا نهائي، ستكون مثله حين تجد نفسك في مثل هذه الورطة، ليس بالجرم و لكن بالعقوبة، من ناحية كون عدم اختيار الشريك الصائب يتحول لما يشبه العقوبة التي لا تنتهي كلما حاولت التخلص منها بطول بال و قوة تحمل و صبر تُمَنِي نفسك في كل مرة بأنك ستنتهي منه بعدها، يعود ليَعْلَق بك في المهمة التالية و مهما حاولت إنجاز المطلوب على أمل أن يتم عتقك، لا ترى نفسك إلا و كأنك تعيد الدورة نفسها مثل ثورٍ يدور بساقية!

P.S. الثلاثة الذين لا يمكنهم مشاركتي أي عمل: المنافق، الغبي، الضعيف، هكذا نستنتج أنني أقدر في الشريك: المصداقية و النزاهة، العلم و الذكاء، الإقدام و الثبات. غير ذلك، لا مكان للمُتَنَفِعِين عندي.

حين هدوئك يزعجهم!

أن تكون من “الكاظمين الغيظ” في أيامنا هذه، يعني أنك سوف تبلغ حتماً مرحلة أن تتسمم بغيظك، لأنهم لا يتوقفون عن إغاظتك، و أنت تُذَكِّر نفسك كل يوم: “هذا ميناء هادئ و مسالم، مدخل جزيرة جميلة و فخورة بنفسها، بَدَأَت للتو بتشجيع الهدوء و السلام. فإن أمكَنَكِ يا أفكاري الالتزام بهذه القوانين الجديدة، فأهلاً و سهلاً، و إلا فلترجعي من حيث أتيت.”، و هذا الجزء من الاقتباس الكامل من “طعام صلاة حب” الذي أحتفظ بقصاصة منه في محفظتي و أعلقه على شكل شرائح في عدة أماكن و لا يغيب عن نظري و لو لمرةٍ في اليوم (كل يومٍ) على الأقل، منذ أربع سنوات تقريباً، حين احتجته بشدة في ذلك الوقت، و لا أحتاج الآن سوى تذكير نفسي به حتى لا أبتعد عنه:

“أحرص على مراقبة أفكاري طيلة الوقت، لن أكون مرسىً للأفكار الضارة بعد اليوم. فالمرسى هو المكان الذي تأوي إليه السفن، ميناء الدخول. و ميناء عقلي على الأرجح ميناء متهالك، مزقته العواصف، و لكن موقعه جيد و عمقه مناسب. ميناء عقلي هو خليج مفتوح، إنه المدخل الوحيد لجزيرة ذاتي. و قد خاضت هذه الجزيرة الحروب، و الآن ستلتزم بالسلام بقيادة زعيم جديد وضع سياسات جديدة لحماية المكان، و الآن ستكون ثمة قوانين أكثر صرامة بكثير بخصوص من يدخل هذا الميناء. لا يمكن لأحد الدخول بعد الآن بأفكاره القاسية المؤذية، بسفن أفكاره المُعَذِبة، بسفن أفكاره المُستَعبِدة، بسفن أفكاره الحربية، كلها ستطرد. كذلك لن يتم بعد الآن استقبال الأفكار المليئة بالغضب و السخط، بالمتمردين و القتلة القساة، بالمومسات اليائسات، بالقوادين و المحرضين المتخفين على متن السفن. و لن يتم أيضاً استقبال الأفكار آكلة لحوم البشر، حتى المُبَشِرون سيتم التحقق بعناية من صدقهم. هذا ميناء هادئ و مسالم، مدخل جزيرة جميلة و فخورة بنفسها، بدأت للتو بتشجيع الهدوء و السلام. فإن أمكنك يا أفكاري الالتزام بهذه القوانين الجديدة، فأهلاً و سهلاً، و إلا فلترجعي من حيث أتيت.”

و لكن حتى و قد ألزمت أفكاري الذاتية بصرامة قوانيني القديمة: المرونة/ الهدوء/ ضبط النفس/ التركيز على المواضيع المهمة. و التي أضفت لها مؤخراً: إبعاد السلبيين/ قل شيئاً إيجابياً. و في كل يوم حين أؤكد لنفسي كل صباح، حين أفتح عيني بابتسامة، و أرسل لكل الكون امتناني، شكراً للضوء شكراً للهواء، و “الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا و إليه النشور”، بأنني لن أسمح لأحد أن يعكر صفائي، و لن أُعطي أذناً لفجاجة الأشياء تخترق حصني الهادئ، كما لن أدع أمراً يسلبني رضاي يعبرني دون فلترة، يبقى هناك أولئك الذين تُعجِزُنا محاولات التخلص من ظهورهم السلبي الأسود في مساحاتنا بمجرد انتهاءنا من تطهيرها بعناية، و تأتينا كل تلك الإرشادات الخبيرة بألا نتأثر بغير ما بدواخلنا و بأن لا سلطة خارجية يمكنها العبث بواقعنا الوجداني! و أقول: نعم، معكم حق، يمكنني أن أتفادى الاصطدام ببعير باغتني بالظهور بمنتصف دربي جاهلاً أنه يُعرِّضني و يعرض نفسه لخطر الإصابة بالأذى. و لكن ما العمل مع الذين يقذفون بأنفسهم كتلة حماقة نرتطم بها فجأة مثلما يباغت قاطع الطريق قائد السيارة فلا يُمهله الفرصة لكبح انطلاقته؟!

هكذا بعض الناس على استعداد لرمي أنفسهم أمامك حتى لو تطلب الأمر أن تدهسهم حتى تراهم، مهما حاولت تجاهل اجتهادهم في جعلك تنفتح على استقبال تسرباتهم لتُلَوِث عالمك، لا يتوقفون، لا يبدو أنهم يتعبون، بل لا تزيدهم مقاومتك إلا إصراراً على التربص بك، أولئك الذين لا حياة لهم إلا بقدر ما يتسلقون تطفلاً على أيام غيرهم، تلك الأصناف التي تحترف تحويل نفسها إلى ضحايا تتسول الرعاية تغطي بها عجزها أو كسلها عن أن تكون لها حياة خالية من التسلق (و التشعبط) على حيطان الآخرين، نوع من البشر أضعف من أن يقود حتى نفسه، و مع هذا لا يصلح لأن يتبع من يقوده، شئ لا شكل له و لا تعريف. كل فعله يشي بخوفه من أن يكون مع نفسه، يتواجهان دون حماية من الآخرين يعلق عليهم هشاشته، أن يضطر لأن يكون بذاته فيكتشف أنه لم يكن يوماً، و هو لا يريد أن يجرح نرجسيته و كان قد كذب على شخصه حتى صَدَّق بأنه “كائن” بحياة كاملة و نسي بأنه قد احترف منذ عمر التقاط الفتات الساقط من عيش من يزاحمهم وجودهم.

“فليقل خيراً أو فليصمت” ابتلعتها كثيراً لتمنعني عن أن أتقيأ غليظ القول الذي لا أقبله لنفسي قطعاً فلا أحبه لأحد، و ليس بطبعي أن أُكِنَّ الضغينة لأحد (أحرص على جعلها علنية) لأنني لا أحترم النفاق و لا المنافقين، بإمكاني أن أتعامل بخصومة مُتبادلة طالما كان مُعترفاً بها (و من نِدٍ لنِد)، و تبقى قواعد الاحترام تحكمها، أما إضمار الأمر و إظهار عكسه فلا يعمل معي، و بالنسبة للَجْمِ نفسي عن رد المزعجين (الذين هدوئك يُزعجهم)، و بقياس تاريخ انفجاراتي، أدري بأنه قريب، لا يمكنني العض بشدة على فَكَيَّ إلى الأبد، ليس عملي أن أؤذي نفسي لأستمر بحماية من لم يكن على قدر من الوعي ليحمي نفسه بإتباع السلوكيات المقبولة و التزام التهذيب العام، أو أقلها قراءة إشارات قدوم العاصفة التي ما زال يستدعيها و يُهَيج غضبها و مازال يظن بأن هدوءها هو القبول، و مهما قلنا بأن الصمت هو خير جواب، إلا أن ثمة مَن بالتجاهل يتمادَون، هنا يغدو الأمر ضرورياً للتشدد بموقف صاخب، أن تصدمه ببضعة كلمات مؤلمة، و إن كان لن يفهم إلا بالصوت العالي، فلا بأس، ستتعب أنت اليوم لترتاح منه إلى الأبد، سواء بابتعاده عنك أو بتغيره.

ماذا الآن هل علينا أن ندفع لهم مقابل اهتمامنا و محبتنا أيضا؟!

أن تستيقظ يوما لتكتشف بأنك إنسان المشاريع المؤجلة، بل إن عمرك مجرد مشاريع لا تكتمل، و أنت لست أولوية لدى أحد، و كلهم أولويات لديك، عندما تكون مجرد طقس عبور عليهم المرور من خلاله للتطهر من عبث الذي كان قبل الإنتقال للمرحلة اللاحقة، و أنت محطة توقف ينتظرون فيها موعد استئناف رحلاتهم. جزء منك كائن في دنيا كل أحد (على الهامش) و ليسوا هم جزء من حياتك. يتم كنسك نحو مزابل النسيان كلما توجب عليهم تنظيف بيوتهم لاستقبال زائرين جدد حضورهم يغدو أهم لأنه ليس دائم، و أنت متوفر دائما عند الحاجة، لا تنفذ و لا تنتهي صلاحيتك، بكل وقت و لأي شئ…

ماذا حصل للعرفان، للحب الغير مشروط؟! غريب أمر مجتمع تضطر فيه لشراء رضاه عنك! أغرب منه أحباء لا تنال قبولهم دون رشوة!

تقولُ لي: “نحن لا نفهم الموت”، أقولُ لها: “بل نحن لا نفهم الحياة”!

قالت لي الكائنة الخرافية التي الْتَمَسْت منها التوجيه كلاماً هو من أعمق ما قد قيل لي و أكثره ارتباطاً بالواقع، (الواقع المُدْرَك و ليس المنظور)، قالت لي أشياء صَدَقْتُها، و جعلتني أقتنع بأنه من الممكن أن ندع “الموت” يستوطن زاوية الرصيف الأقرب للحي الذي نسكنه ثم نتجاهل مراقبته لنا و نتظاهر بعدم رؤيته، أن نُبدي التجاهل لوجوده بينما نَرْقُبه من حيث يَرْقُبنا، هكذا ببساطة، دون تشنج أو عدائية، أن نتوقف عن مهاجمته للدفاع عن وجودنا.

“نحن لا نفهم الموت، نفهم فقط أنه سيحصل.. أكره شخصيًا فكرة النهاية، و الموت حقيقٌ بأن يثير داخلنا ذاك الرعب و الرغبة بأن نظل بعد موتنا، خلودٌ بطريقة ما.. الشعراء فكروا بهذا، كان الشعر وسيلتهم لتخليد من يحبون مثلما فعل شكسبير مع محبوبته و كما قال بإحدى السونيتات.. لذلك أتفهم جيدًا رغبتك بأن تتركي ورائك خطًاً يتبع، أنك كنتِ يومًا ما هنا.. هذا جزء من رفضنا للموت، و عشقنا للحياة بأي صورة كانت.”

“لا أشجعك بأن تحاولي فهم الموت، أو تدقيق النظر إلى عينيه.. لا أنصحك أبداً، دعيه.. ارمي فوقه غطاءً أسود اللون.. لكن لا تجعليه يغيب تمامًا عن الصورة، ضعي بذهنك أنه بأي لحظة و بدون أي سبب سيرمى الغطاء و ينقض ما تحته عليك، هذه حقيقة، فهمك أو عدم فهمك لها لن يشكل أي فرق.. لكن إدراكك و تقبلك لها سيكون نعمة، لو حدقتي طويلاً إلى الموت و تفكرتي به، فلن تخرجي عن اثنتين.. إما أن تصبحي ذات مزاج اكتئابي تشاؤمي، لا ترين لأي شيء قيمة.. أو انك ستصبحين من أتباع مدرسة كارب دييم.. و تقضين عمرك باللهو مادام منتهيًا على أية حال.”

“و بخصوص إحساسك بالضياع، سأقول لك شيئًا أرجو أن يكتب على قبري.. كل ما نحتاجه موجود داخلنا ، و كل الأجوبة نعرفها، علينا فقط أن نرغب حقًا و أن نبحث بما فيه الكفاية.”

ثقي بي يا خرافية، ثقي بي، أدري كيف أتفاهم مع “الموت”، فقد صافحته مرة (منذ أربعين يوماً تحديداً)، و لم يكن بارداً و لا مخيفاً، بل كان دافئاً ودوداً.

و قلت له: “ليس الآن، لست مستعدة بعد.”

و لكنني بدأت منذ ذلك الحين أُوضب أيامي، حتى لا أترك شيئاً غير مكتمل، أو أنقطع عن تأدية مهمة لا يكون واضحاً لمن سيتسلَّمها من بعدي كيف سيُكْمِلها، أعدت ترتيب أولوياتي بحكم الضرورة حتى لا أُخَلِف من ورائي الفوضى، و تجَنَّبْت مباشرة أي مشروع لا يظهر بحساباتي التقديرية أنني سأتمكن من إنهائه كما يجب (و بوقته).

و لكن الموت؟ لا بأس عليه. “الموت” حين تغدين مألوفة لديه، يبتسم عندما تحضرين، يسحب لك المقعد بلطف، و يسألك أتشربين شيئا قبل أن نبدأ؟ ثم ينصاع لرغبتك بانصرافه على أن يعود لتسجيل طلباتك لاحقاً، حين تكونين جاهزة للتفاوض، حين تدركين جيداً ما تودين الاحتفاظ به مقابل ما ستقبلين التنازل عنه.

لا تخشي علي من الوقوع بفخ الكآبة، فأثر “الموت” عكسيٌ علَي، و في كل مرة حصلت بيني و بينه مواجهة، أعود أكثر اسْتِطْعاماً للذة الحياة، أفتش عن أحلى ما فيها لأعيشه، أُقشِّرها من طبقات الأوساخ المتراكمة عليها بفعل بشاعات البشر و أعتصر لبابها بشَغَف، آخذ منها قدر استطاعتي و أعطيها بكثافة أشد مما كنت اعتدت أن أعطيها من قبل، نعم هو التطلع نحو ما يُخَلِدنا في ذاكرة الناس لنُبقي إرثاً منا يتم تداوله من جيلٍ لجيل (جرعة تفاؤل مُفرطة).

الكتابة وسيلة واحدة من بين عدة وسائل نسعى بواسطتها لحفر أثار مرورنا يوماً من هنا ( مثلما حَفَرَ الإنسان البدائي رسومه التعبيرية على جدران الكهوف)، و كلما خَامَرَنا الشعور بقرب انتهاء مهلتنا تَعَجَّلنا بالسير لنُحيطَ بأكبرِ ما يمكن من أشياءِنا التي نظن بأنها لا بد أن تُقال الآن (و لكن، بيني و بينك، لا تنخدعي بالتزامي الظاهر حالياً بتكريسي لجزء من وقتي كل يوم لقول شئ، فليس هذا إلا لأنني دفعت مالاً مقابل شغل هذا الفضاء لأملأه بمحض هراء أقوم بصياغته بمنتهى الجدية ليبدو و كأنه على تلك الدرجة من الأهمية).

أما الحياة (العقدة) التي لم أتوصل للتفاهم معها بسهولة، فقد تمكنت بالنهاية من ترويضها (أو العكس ربما)، حتى صَنَعْتُ عالمي بما توفر لدي من خامات (بالمتناول)، عالمٌ بهيج ممتلئ بالألوان، أظن لأنني أعرف كيف أنتقي محتويات أيامي و آخذ أحسن ما في الدنيا و أترك الباقي لمخازن الأقدار.

معضلة التعساء أنهم يريدون كل شئ و يُصِرُون على الحصول على كل شئ، و لا يُقِرُون بأن للإنسان سعة لا يمكنه تجاوزها، فيتعثرون تحت ثقل أحمالهم، ينفقون وقتاً بملاحقة ما يتناثر من بين أيديهم، و ربما يُبْطِئون قليلاً لِلَمْلَمَة ما وقع من بين أمتعة رفقاء طريق الشقاء التي حَسِبُوا أن المرور بها إلزامياً لأنهم ما رأوا غيرها (لم يخبرهم أحد و لا هم سألوا)!

هكذا توصلت لاتفاقي مع “الحياة”، هكذا هو العالم كيف أراه، من موقعي بالأسفل و رأسي مغطى بظلالِ حقلٍ بالكادِ أتمكن من تَبَيُن السماء من بين فُرَج تعريشاته، لا أفهمه و يترك في رأسي الكثير من الفَجَوات أجتهد بإكمال الفراغات بينها باختراع تفاصيل من خيالي. هل هذا سئ؟ أم أنه ليس جيداً بما يكفي؟ ماذا ترين يا خرافية؟ ماذا ترون كلكم؟